بعد انتهاء الاختبار الثاني، تجمع المتأهلون مجدداً في الساحة الرئيسية. كانوا حوالي مئة وستة وخمسين شخصاً، يقفون في صفوف غير منتظمة، يتهامسون بقلق وفضول. بعضهم كان لا يزال يلهث من معاركه السابقة، وبعضهم كان يمسح دماءً خفيفة عن جروحه، وبعضهم الآخر كان ينظر إلى المنصة الحجرية بعيون مصممة.
كانت المدرجات ممتلئة أكثر من أي وقت مضى. طلاب الأكاديمية القدامى كانوا قد ملأوا كل مقعد، والبعض كان يقف في الممرات. المعلمون كانوا قد أخذوا أماكنهم في الصفوف الأمامية. حتى بعض النبلاء الذين لم يحضروا من قبل كانوا قد جاؤوا ليشاهدوا المرحلة الأخيرة.
ثم صعد رجل إلى المنصة.
لم يكن الوكارد. كان رجلاً آخر. أكبر. أضخم. كانت عضلاته تبرز تحت ردائه الأسود والأحمر كأنها درع طبيعي. وجهه كان محفوراً بندوب قديمة تروي قصصاً لم يسمع بها أحد. عيناه الزرقاوان كانتا تتحركان ببطء، تمسحان الحشود كمن يبحث عن شيء.
جارول.
مدير أكاديمية السيف المتقد. قائد مدرسة السيف المتقد. أسطورة حية في ميلكونيا. في مستوى ثلاث نجوم ذروة في القتال، وكان البعض يقول إنه يقترب من اختراق سيد كبير 4نجوم قريباً.
عندما رأى الحشد المدير نفسه، صمتوا مباشرة. لم يتحدث أحد. لم يتحرك أحد. حتى الطلاب القدامى، الذين كانوا يضحكون ويمازحون قبل لحظات، أصبحوا كتماثيل حجرية.
تقدم جارول إلى حافة المنصة، ونظر إلى المتقدمين بعينيه الزرقاوين الباردتين. كان صوته عميقاً، هادئاً، لكنه وصل إلى كل أذن دون حاجة إلى مكبر.
"مرحباً بكم أيها المتأهلون. أحيي كل من صمد لهذه المرحلة، وهي الأخيرة. اختبار الحاجز."
توقف للحظة، وترك كلماته تتردد في الهواء.
"هذا هو أصعب اختبار. ليس لأنه يقيس قوتكم فقط، ولا تحملكم فقط. هو يقيس إرادتكم. يقيس صبركم. يقيس تقنياتكم وعمق تدريبكم. الحاجز الذي ستقاتلونه لن يرحمكم. مهمتكم هي الصمود لثلاث دقائق، كما في الاختبار السابق. لكن حتى لو صمدتم، وكان أسلوب صمودكم يعتمد على الهروب فقط، فسوف تفشلون في التقييم. نحن لا نريد هاربين. نريد مقاتلين. هذا هو جوهر مسار القتال."
نظر إلى الحشود مجدداً.
"مسموح بكل التقنيات الثقيلة. تلك التي تستنزف الدم في الجسد لانتاج أكبر طاقة ورفع الإمكانات إلى ذروة فوق ذرورتها. لكن لا تضغطوا على أنفسكم أكثر من اللازم. هذه التقنيات هي أسلحة ذات حدين."
صمت الحشد للحظة، ثم بدأ الهمس يعلو من جديد. "التقنيات الثقيلة" كانت كلمة مرعبة. كانت تعني حرق الدم، التضحية بالجسد للحصول على قوة مؤقتة. كانت تعني ألماً لا يوصف، ومخاطرة بالإعاقة الدائمة إذا أسيء استخدامها.
جلس جارول على كرسيه الحجري، وأشار إلى الوكارد أن يصعد.
الوكارد وقف على المنصة، ورفع صوته.
"طبيعة الاختبار كالتالي: أصحاب المستوى المنخفض سيواجهون خصوماً في مستوى نجمة متقدمة. أصحاب المستوى المتوسط سيواجهون خصوماً في مستوى نجمة ذروة. أصحاب المستوى المتقدم سيواجهون خصوماً في مستوى نجمتين منخفض. وأصحاب المستوى الذروة سيواجهون خصوماً في مستوى نجمتين متوسط."
صمت الحشد للحظة، ثم انفجر بالهمس. كانوا مصدومين. قتال شخص أعلى منك بعالمين ليس مثل قتال ثلاثة في نفس مستواك. شخص أعلى منك بعالمين يمكنه سحقك بسهولة إذا لم يكن لديك تحمل وإرادة صلبة وتقنيات جيدة.
"سنبدأ بالترتيب،" تابع الوكارد. "من الأدنى إلى الأعلى. حتى نصل إلى أصحاب الذروة."
بدأت الاختبارات.
المجموعة الأولى كانت تضم حوالي خمسة وتسعين شخصاً من المستوى المنخفض. وقفوا في صفوفهم، بعضهم كان يرتجف، وبعضهم كان يعض على شفتيه، وبعضهم كان يغمض عينيه ويدعو آلهة لا يعرفها.
صارعوا واحداً تلو الآخر ضد حواجزهم. كانوا مقاتلين في مستوى نجمة متقدمة، أقوى منهم بكثير. لم تكن معاركاً حقيقية. كانت مذابح. معظمهم سقطوا في الدقيقة الأولى. قلة صمدت حتى الدقيقة الثانية. وعدد قليل جداً استطاع الصمود للثلاث دقائق.
لكن الصمود وحده لم يكن كافياً. البعض هرب كثيراً، ركض في الحلقة كالفئران الخائفة، ولم يهاجم أبداً. هؤلاء رسبوا رغم صمودهم. والبعض الآخر قاتل بشراسة، هاجم، تفادى، صد، واستخدم كل ما لديه. هؤلاء نجحوا ولو خسروا.
من أصل خمسة وتسعين، نجح أربعة وأربعون فقط. سقط واحد وخمسون.
المجموعة الثانية كانت تضم حوالي اثنين وأربعين شخصاً من المستوى المتوسط. كانوا يواجهون حواجز في مستوى نجمة ذروة. كانت المعارك أطول، وأكثر شراسة، وأكثر إثارة.
بعضهم صمد بذكاء. شاب استخدم مراوغة ذكية جعلت الحاجز يضرب نفسه بنفسه. فتاة استخدمت تقنيات سريعة أربكت الحاجز وجعلته يخطئ في تقدير المسافات.
لكن النتيجة لم تكن أفضل بكثير. من أصل اثنين وأربعين، نجح تسعة عشر فقط. سقط ثلاثة وعشرون.
المجموعة الثالثة كانت تضم حوالي أربعة عشر شخصاً من المستوى المتقدم. كانوا يواجهين حواجز في مستوى نجمتين منخفض. هنا، بدأت المعارك تصبح أكثر جدية. الفارق في المستوى كان هائلاً، لكن بعض المتقدمين كانوا موهوبين حقاً.
أحدهم، شاب طويل القامة، صمد للثلاث دقائق ونجح بأعجوبة. استخدم تقنية حرق دم بسيطة زادت من قوته مؤقتاً، وتمكن من صد الهجمات القاتلة. لكنه نزل من الحلقة منهكاً، ويداه ترتجفان، ودماء تسيل من أنفه.
آخر، فتاة ذات شعر أحمر، لم تصمد. الحاجز حطم سيفها في الدقيقة الثانية، وكاد أن يصيبها بجروح خطيرة لو لم يتدخل الحكم.
وفي نهاية الاختبارات، من أصل أربعة عشر، نجح سبعة فقط. سقط سبعة.
ثم جاء دور المجموعة الرابعة. أصحاب المستوى الذروة. الخمسة الذين كان الجميع ينتظرهم.
كان كايزر أول من تقدم.
وقف في منتصف الحلقة، سيفه الطويل في يده، ووجهه بلا تعبير. كان يرتدي ثيابه الحريرية الخضراء، وشعره الأشقر الطويل مصفف بعناية. عيناه الزرقاوان الفاتحتان كانتا ثابتتين، لا تخافان، لا تترددان.
على الجانب الآخر من الحلقة، دخل خصمه.
كان تلميذاً في السنة الرابعة من الأكاديمية، في مستوى نجمتين متوسط. كان أطول من كايزر، وأضخم، وشعره أسود قصير، وعيناه بنيتان حادتان. كان يبتسم ابتسامة شريرة، كمن يعرف أنه سيفوز قبل أن يبدأ القتال.
تقدم التلميذ نحو كايزر ببطء، وابتسامته لا تفارق وجهه. "كايزر فالدوس، من عائلة فالدوس العريقة. سمعت عنك. موهوب، متعجرف، تعتقد أن العالم يدور حولك."
لم يرد كايزر. كان يعرف أن الكلام يستهلك طاقة، وأن الصمت أقوى.
"اليوم،" تابع التلميذ، "سأعلمك درساً لن تنساه."
"ابدأوا!" صاح الحكم.
لم ينتظر كايزر. هاجم أولاً. كان يعرف أن خصمه لو هاجم أولاً، فلن تكون لديه فرصة للرد. سيفه الطويل انطلق كالسهم نحو صدر التلميذ.
التلميذ ابتسم. تفادى بخطوة صغيرة إلى اليمين، وسيف كايزر مر على بعد سنتيمترات من ضلوعه. ثم ضرب التلميذ بسيفه نحو صدر كايزر.
كانت ضربة سريعة، قوية، مركزة. كايزر لم يستطع تفاديها بالكامل. انبطح على ظهره في اللحظة الأخيرة، والسيف مر فوق بطنه ممزقاً قميصه.
كايزر عندما انبطح حاول ركل التلميذ في ساقه لكن التلميذ لم يتوقف. قفز في الهواء، وقدمه كانت متجهة نحو صدر كايزر.
كايزر تدحرج إلى اليمين بسرعة. قدم التلميذ حفرت حفرة صغير في الأرض .
قفز كايزر إلى الخلف، وأخرج خنجراً صغيراً من حزامه، ورماه نحو رأس التلميذ بسرعة.
التلميذ ابتسم. "خنجر صغير؟" انحنى رأسه قليلاً، والخنجر مر على بعد سنتيمترات من أذنه، وسقط خارج الحلبة.
ثم انقض التلميذ نحو كايزر مجدداً، سيفه مرسوم.
مد كايزر سيفه ليصد. احتك المعدن بالمعدن، وشرر تطاير. لكنه شعر بتنميل حاد في يده، كأن الكهرباء تجري في عروقه. بالكاد صمد أمام ضربة مباشرة من خصم في مستوى أعلى منه بعالم كامل.
تراجع كايزر إلى الخلف، وتشقلب أربع مرات متتالية، مبتعداً عن التلميذ. ثم وقف، ووضع يده اليسرى على نقاط معينة في جسده: تحت الترقوة، على البطن، على الفخذ. ضغط عليها بقوة.
"أسلوب المهلك: الدم الفوضوي،" همس كايزر بصوت خافت.
بدأت هالته تتزايد. كان يحرق قليلاً من دمه ليقترب من مستوى خصمه. كان جسده يرتجف، ووجهه شاحب، وعيناه كانتا تدمعان من الألم، لكنه كان أقوى الآن.
في المدرجات، كان نورد ويوردو جالسين في الصف الأمامي، ونورد كان يأكل مكسرات من كيس صغير. كان يتابع القتال بعيون حادة، والشريحة كانت تعمل في صمت.
تحليل: تقنية حرق دم. المستخدم كايزر يحرق جزءاً من دمه لزيادة قوته وردود فعله مؤقتاً. المستوى: متوسط، ليس خطيراً جداً. الزيادة في القوة: حوالي 25-30%. المدة: 2-3 دقائق. المخاطر: إرهاق شديد بعد انتهاء التأثير، احتمال فقدان الوعي إذا أفرط في الاستخدام.
"ماذا هذا؟" قال نورد، وعيناه متسعتان. "حرق الدم؟ قرأت عنه في الكتب، لكنني لم أجد تقنية له من قبل. لا أعرفها جيداً."
نظر يوردو إلى نورد، ثم عاد إلى القتال. "تقنيات حرق الدم لها مستويات، وتختلف أيضاً في بعضها. بعضها خطير جداً، وبعضها متوسط. ما يستخدمه كايزر هو تقنية متوسطة. يزيد قوته، لكنه لا يضحي بكثير."
"واو، هذا مذهل،" قال نورد، وعيناه تلمعان. "يجب أن أحصل على واحدة مستقبلاً."
ضحك يوردو ضحكة خفيفة. "الأكاديمية فيها تقنيات حرق دم قوية جداً. يمكنك اختيار واحدة عندما تدخل."
ابتسم نورد، وأعطى يوردو حفنة من المكسرات. أخذ يوردو المكسرات وشكر بصمت.
"لكن،" قال يوردو بينما كان يمضغ، "كيف ستنتصر إذا لم تمتلك تقنية حرق دم؟"
ابتسم نورد ابتسامة غامضة. "لدي أساليب جيدة أيضاً."
لم يضغط يوردو. عادا لمشاهدة القتال.
في الحلقة، كان كايزر قد أصبح أقوى. لم يعد يتراجع. بدأ يهاجم وجهاً لوجه.
قفز كايزر نحو التلميذ، وسيفه تحرك كالمروحة. ضربة، ضربة، ضربة. ثلاث ضربات متتالية سريعة. التلميذ تفادى الأولى، وصد الثانية، وتفادى الثالثة. كان مبتسماً، وكأنه يستمتع.
"جيد،" قال التلميذ. "أنت أفضل مما توقعت."
لم يرد كايزر. واصل الهجوم.
تبادلا الضربات. سيف ضد سيف، ركلة ضد ركلة، تفادي ضد تفادي. كان التلميذ لا يزال متفوقاً، لكن كايزر كان قد توقف عن الانهزام. كان يصمد، وكان هذا كافياً.
قفز التلميذ فجأة، ووجه ضربة علوية قوية نحو رأس كايزر. كايزر رفع سيفه ليصد. اصطدم المعدن بالمعدن، وشرر تطاير كالألعاب النارية. لكن كايزر شعر بخدر أكبر من السابق. التلميذ لم يتساهل معه هذه المرة. حتى مع حرق الدم، كان كايزر بالكاد يصمد.
استمر القتال. التلميذ كان يهاجم بشراسة، يريد إسقاط كايزر قبل انتهاء الوقت. كايزر كان يدافع بكل ما لديه، جسده كله يؤلمه، ويداه ترتجفان، ودمه كان يغلي في عروقه.
في الضربة التالية، طار سيف كايزر من يده.
وقف بلا سلاح، وعيناه على التلميذ الذي كان يقترب منه بسيفه المرسوم. حاول كايزر الانحناء إلى اليمين، وتفادى الضربة الأولى. ثم وجه ركلة نحو بطن التلميذ، لكن التلميذ صدها بقدمه.
كان التلميذ على وشك وضع سيفه على رقبة كايزر.
"توقف! انتهت الثلاث دقائق!" صاح الحكم.
قفز كايزر إلى الخلف، وهو يلهث. كان وجهه شاحباً، ويداه ترتجفان، وذراعه اليمنى كادت أن تشل من الضربات التي تلقاها. لكنه كان واقفاً. لم يسقط. لم يستسلم.
"كايزر فالدوس، نجاح،" قال الحكم.
مد التلميذ يده إلى كايزر. ابتسم ابتسامة صادقة هذه المرة، ليست شريرة. "قاتلت بشرف. لم أتوقع هذا من نبيل متعجرف مثلك."
نظر كايزر إلى اليد الممدودة، ثم إلى التلميذ. تردد للحظة. لكنه أمسكها وصافحه. "أنت أيضاً قاتلت بشرف."
ابتسم التلميذ، ونزل من الحلقة.
صفق الحشد. كان تصفيقاً قوياً، صادقاً، ليس مجاملة. لقد صمد كايزر أمام خصم أعلى منه بعالم كامل. استخدم تقنيات حرق الدم، وقاتل بشراسة، ولم يستسلم. كان يستحق الاحترام.
في المدرجات، كان المعلمون يتبادلون النظرات. أركاد ابتسم، والوكارد أومأ برأسه، وجارول لم يظهر أي تعبير على وجهه، لكن عينيه كانتا تتابعان كايزر باهتمام.
نزل كايزر من الحلقة، وخطواته كانت ثقيلة. كان مرهقاً، وكان بحاجة إلى راحة. لكنه كان راضياً.
نظر نحو المدرجات حيث كان نورد ويوردو جالسين. لم يبتسم. ثم جلس على مقعد فارغ، وأغمض عينيه، وحاول استعادة طاقته.