بعد أن نادى الوكارد باسمه، وقف نورد من مقعده ببطء. لم يكن في عجلة. أخذ قارورة الماء البارد من يوردو، وشرب رشفة طويلة، ثم أخرى. كان الماء بارداً، منعشاً، يمر في حلقه كالنهر بعد صحراء طويلة. أعاد القارورة إلى يوردو، وربت على كتفه.

"حظاً سعيداً،" همس يوردو.

ابتسم نورد. "لست بحاجة إلى حظ."

مشى نحو الحلقة بخطى هادئة واثقة. لم يكن يتسابق، لم يكن يتردد. كان يمشي كمن يذهب في نزهة، كمن يعرف أن ما ينتظره ليس معركة، بل رقصة.

عندما دخل الحلقة، وقف في منتصفها، ونظر إلى الجهة الأخرى. كان خصمه قد دخل بالفعل.

كان شاباً في العشرين من عمره تقريباً، ليس ضخماً، ولا ممتلئ العضلات. كان جسده متوسطاً، متناسقاً، كمن صمم للحركة لا للقوة الغاشمة. عضلاته كانت محددة لكنها ليست منتفخة، ووجهه كان وسيماً بطريقة هادئة. عيناه كانتا رماديتين عميقتين، تلمعان بذكاء حاد.

تحليل الهدف: دراكين. مستوى: نجمتين متوسط في القتال. التقدير الأولي هالته مستقرة، وجسده في حالة مثالية. هذا ليس خصماً عادياً.

وقف دراكين في منتصف الحلقة، ورفع يده للتحية. لم تكن تحية باردة، ولا تحية متعالية. كانت تحية ند لند، محارب لمحارب.

نورد رد التحية، وابتسم.

"سمعت أنك من إقليم في شمال فوجا،" قال دراكين بصوت هادئ. "يقع جنوب دونير. أعتقد أنه يدعى جورجان."

"نعم،" قال نورد. "منطقة أفير تحديداً. بلدة صغيرة على تخوم الغابة."

"أفير؟" رفع دراكين حاجبه. "لم أسمع بها. لكن يبدو أن بلدتك الصغيرة تنتج مقاتلين استثنائيين."

"نحن نبذل قصارى جهدنا."

ابتسم دراكين ابتسامة صغيرة. "أريد قتالاً جيداً. أريد أن أستمتع. لا تخسر بسرعة، حسناً؟"

"هذا أمر سهل،" قال نورد، وابتسامته لم تفارق وجهه. "أتمنى أن تجعلني أستمتع بهذا القتال أيضاً."

لم يرفع أي منهما سيفه بعد. كانا يدوران في دوائر حول الحلقة، عيون كل منهما مثبتة على الآخر، يحللان، يقرآن، ينتظران. كانت الخطوات خفيفة، لا تترك أثراً على الساحة. كان الصمت ثقيلاً، والترقب يخنق الهواء.

تحليل إضافي: دراكين في حالة قتالية مثالية. لا توجد نقاط ضعف واضحة. أسلوبه المرجح: يعتمد على السرعة والذكاء والضربات الدقيقة. مستوى خبرته يفوق المستوى الحالي للمستخدم بكثير. المستخدم لا يمتلك تقنيات حرق دم مثل بقية المتقدمين. بدون تعزيز، الفارق في المستوى سيكون كارثياً.

التوصية: منح التحكم العصبي فوراً. الشريحة ستعمل بنفس كفاءة تقنيات حرق الدم، بل وأكثر أماناً. لن تحرق الشريحة دم المستخدم، لكنها ستجعل جسده يقاتل وكأنه يحرق دمه من خلال الذكاء الفائق والتحليل اللحظي. في سياق هذه المسابقة، هذا ليس غشاً. هذا هو أسلوب المستخدم الخاص في القتال، تماماً كما لدى الآخرين تقنياتهم الثقيلة التي تزيد قوتهم مؤقتاً. الفرق أن الآخرين يحرقون دماءهم، والمستخدم سيحرق طاقة الشريحة. المبدأ واحد: تضحية مؤقتة لتحقيق قوة أكبر.

فكر نورد في كلام الشريحة. كان منطقياً. يوردو وإيدان وليليث وكايزر، كلهم استخدموا تقنيات حرق دم لتعزيز قوتهم وتضييق الفجوة بينهم وبين خصومهم. تضحياتهم كانت مفهومة، بل ومشروعة في قوانين المسابقة. لم يكن لديه هو مثل هذه التقنيات. لم يتعلمها بعد. لكنه كان لديه الشريحة. كانت تقنيته. كانت طريقته في القتال. ستجعله يقاتل وكأنه يحرق دمه، دون أن يحرق قطرة واحدة. في نظر قوانين المسابقة، هذا لا يختلف عن تقنيات الآخرين.

لكنه لم يكن مستعداً لاستخدامها بعد. أراد أن يقاتل قليلاً أولاً. أراد أن يشعر بقوته الحقيقية دون تدخل. أراد أن يستمتع.

"دقيقة واحدة فقط،" قال نورد في رأسه. "أعطيني دقيقة واحدة. دعوني أقاتل بطريقتي أولاً. ثم لك الأمر. هذا سيكون عادلاً."

تم التسجيل. الشريحة ستراقب. إذا تجاوز الخطر الحد الآمن، أو إذا تبين أن المستخدم لا يستطيع الصمود بدون تدخل، سأتولى القيادة تلقائياً. وعندها، ستقاتل الشريحة بكامل قدراتها، محاكية تأثير تقنيات حرق الدم ولكن بذكاء خارق بدلاً من التضحية الجسدية. هذا لا يختلف عن أي تقنية تعزيز أخرى.

ابتسم نورد في داخله. كانت هذه هي الصفقة.

توقف دراكين فجأة. ثم انقض.

لم يهاجم بسرعة جنونية، بل بسرعة محسوبة. سيفه الطويل المستقيم انطلق نحو الجانب الأيمن من صدر نورد، ليس بقوة كاملة، بل بقوة اختبارية. كان يقيس ردود فعل نورد، يقيس سرعته، يقيس أسلوبه.

نورد لم يحاول صد الضربة مباشرة. رفع سيفه إلى اليمين، ليس ليصدم سيف دراكين، بل ليلمسه من الجانب ويغير مساره. كانت مهارة دقيقة، تحتاج إلى توقيت مثالي. سيف دراكين انحرف قليلاً إلى الأسفل، ومر على بعد سنتيمترات من ضلوع نورد، وغرز في الساحة.

قفز نورد في الهواء، ودور حول نفسه، ووجه ركلة سريعة نحو وجه دراكين.

لكن دراكين لم يكن هناك. كان قد سحب سيفه من الرمال بسرعة، ورفع ذراعه اليسرى ليصد الركلة. اصطدمت قدم نورد بساعد دراكين، وصوت التصادم كان كضربة حجر على حجر.

تراجع الاثنان خطوة إلى الوراء.

"أحسنت،" قال دراكين، وعيناه تلمعان. "أداؤك جيد. لكن لن أرحمك بعد الآن."

"لم أطلب الرحمة،" قال نورد.

هاجم دراكين مجدداً، وهذه المرة بجدية أكبر. سيفه تحرك كالأفعى، ضربة سريعة نحو خصر نورد الأيمن. نورد رفع سيفه ليصد، لكن سيف دراكين لم يكمل مساره. في اللحظة الأخيرة، مال السيف وتغير اتجاهه، وأصبح متجهاً نحو صدر نورد الأيسر.

كانت خدعة. لم يكن دراكين ينوي ضرب الخصر أصلاً. كان يريد أن يجبر نورد على رفع سيفه إلى اليمين، ثم يغير الاتجاه إلى اليسار حيث يكون نورد أعزل.

لكن نورد كان قد توقع ذلك.

تحذير: الخصم سيغير اتجاه السيف إلى الجهة اليسرى.

لم يفكر نورد. جسده تحرك آلياً. سيفه الذي كان في اليمين انتقل إلى اليسار بسرعة البرق، وصد الضربة.

لكنه شعر بتنميل حاد في يده. كانت قوة دراكين هائلة. بالكاد صمد.

تمسك نورد بسيفه بقوة. كان يعرف أن لو سقط السيف من يده الآن، فسيخسر كل شيء. ليس فقط الاختبار، بل كرامته، وكل ما بناه. عض على شفتيه، وشك قبضته على مقبض السيف، ودفع إلى الأمام.

اصطدم السيفان مجدداً. الشرر تطاير، والصوت كان كصاعقة في أذني القريبين.

انفصل السيفان. نورد لم ينتظر. قفز في الهواء، وتشقلب تشقلبة خلفية، ووجه ركلة نحو رأس دراكين من زاوية لم يتوقعها.

دراكين رفع يديه إلى رأسه ليصد. الركلة اصطدمت بساعديه، وكانت قوية كفاية لتدفعه خطوة إلى الوراء.

لكنه لم يتوقف. سحب سيفه ووجه ضربة قوية نحو نورد.

نورد رفع سيفه ليصد. اصطدم المعدن بالمعدن، وشعر بتنميل أكبر من السابق. سيفه كاد يسقط من يده، لكنه تمسك به.

كان يعرف أن هذه كانت نهاية قدراته الطبيعية. لو استمر هكذا، سيسقط في الدقيقة الثانية. كان بحاجة إلى الشريحة.

حان الوقت. المستخدم استمتع بما فيه الكفاية. امنحني التحكم.

"حسناً،" قال نورد في رأسه. "لك التحكم."

تم تفعيل وضع التحكم العصبي. المالك الحالي المؤقت: شريحة V9. المالك الرئيسي: نورد كاسيان.

تم تنشيط بروتوكول المحاكاة السلوكية. سيتم تقليد أسلوب نورد في الكلام والحركات والتعابير حتى لا يثير الشكوك.

شعر نورد بنفسه يتراجع إلى الخلف. كان لا يزال يرى، لا يزال يسمع، لا يزال يشعر. لكن جسده لم يعد يطيعه. كان سائقه، وكانت الشريحة تقود.

نظر دراكين إلى نورد بعيون حادة. لاحظ شيئاً مختلفاً. وقفة نورد تغيرت قليلاً، وعيناه أصبحتا أكثر هدوءاً، وتنفسه أصبح أكثر انتظاماً.

"هل انتهيت؟" سأل دراكين. "هل ستستسلم؟"

تحدث نورد الشريحة. كان صوته مختلفاً قليلاً. ليس كثيراً، لكن من يعرف نورد جيداً قد يلاحظ الفرق. كان أكثر برودة، أكثر حسابات، أقل عاطفة.

"عليك أن تفعل أكثر من هذا لتهزمني،" قال نورد الشريحة بابتسامة باردة.

قفز نورد الشريحة إلى الأمام. لكن هذه المرة، كان سيفه في يده اليسرى. تلك اليد التي كانت مرتاحة طوال القتال، والتي لم يستخدمها نورد إلا قليلاً في التدريبات.

هاجم دراكين. سيفه كان متجهاً نحو كتف نورد الأيمن.

نورد الشريحة لم يصد. تحرك سيفه اليسرى بسرعة مذهلة، واصطدم بسيف دراكين في نقطة ضعفه. ليس في حافة النصل، بل في الجزء القريب من المقبض حيث كان التوازن أقل. كانت ضربة غير تقليدية، تعتمد على الدقة لا على القوة.

ارتج سيف دراكين في يده، وتراجع خطوة إلى الخلف.

نظر إلى نورد بعيون متسعة. "ماذا؟"

لم يرد نورد الشريحة. فقط وقف، وسيفه في يده اليسرى، وابتسامته لا تفارق وجهه.

"إذا كنت تستطيع استخدام اليسار مثل اليمين،" قال دراكين، وابتسامة بدأت ترتسم على وجهه، "لماذا لا تصبح مقاتلاً مزدوج السيوف؟"

"ذوقي يفضل السيف الواحد،" قال نورد الشريحة. "انس هذا وتعال يا دراكين."

حرك نورد الشريحة يده اليمنى، وأشار بأصابعه الأربعة نحو دراكين كمن يقول "تعال". كانت إشارة تحدٍ، إشارة استفزاز، إشارة من لا يخاف.

ابتسم دراكين. ثم قفز.

لم يهاجم بضربة واحدة. صنع العشرات من ضربات السيوف في ثوانٍ قليلة. سيفه كان يتحرك كالمجنون، يميناً ويساراً، أعلى وأسفل، في نمط عشوائي معقد. كان يعتقد أن نورد لن يستطيع صدها كلها.

لكن نورد الشريحة كان يتحرك كمن يرى المستقبل. كل ضربة، كان يعرف أين ستذهب قبل أن تذهب. كان يصد بعضها، ويتجنب بعضها الآخر بقفزات غريبة، وينحني تحت البعض الثالث بطريقة لم يرها أحد من قبل.

في المدرجات، كان الجمهور قد بدأ يصرخ.

"واو! ماذا يفعل؟"

"كيف يتفادى كل هذه الضربات؟"

"هذا مستحيل! هذا ليس مستوى نجمة ذروة!"

شاب في الصف الخلفي، كان واقفاً على مقعده ليرى، صرخ: "هذا الفتى ليس طبيعياً! كيف يمكن لنجمة ذروة أن تصمد أمام نجمتين متوسط بهذا الشكل؟"

"هذا مستحيل!" صرخ أحدهم. "كيف يقاتل نجمتين متوسط بهذا الشكل؟"

"إنه لا يحرق دماً،" قال آخر. "لكنه يقاتل كمن يحرق! كيف؟"

"ربما لديه تقنية خاصة،" رد ثالث. "مثل حرق الدم لكن بطريقة مختلفة. إنه فقط... مختلف."

"مختلف؟" ضحك الأول. "هذا عبقرية. هذا هو الفائز لهذا العام بلا منازع."

على المنصة، كان المعلمون يتبادلون النظرات. أركاد كان يبتسم، وعيناه الزرقاوان تلمعان باهتمام حقيقي. فالدوس كان يفرك لحيته، يحلل كل حركة. الوكارد كان صامتاً، لكن عينيه كانتا تتابعان نورد كالصقر.

"هذا الفتى،" قال أركاد بصوت منخفض. "يبدو أنه يستخدم مسار الذهن بشكل غير مباشر. انظر كيف يتوقع الهجمات. إنه يحلل قبل أن يهاجم خصمه."

"أو ربما لديه غريزة قتالية فطرية،" قال فالدوس. "بعض الناس يولدون بهذا."

"قليلون جداً."

---

استمر القتال. كانت الدقائق الثلاث الأولى قد انقضت. رفع الحكم يده لينهي القتال، فقد انتهت المدة المحددة للاختبار. لكن قبل أن ينطق بكلمة "توقف"، رأى إشارة من جارول.

جالساً على المنصة الرئيسية، رفع جارول يده. لم يرفعها عالياً، فقط بمقدار ما يراه الحكم. أصابعه كانت مشدودة في شكل غريب: ثلاثة أصابع مرفوعة تشير إلى الأعلى، وإصبع واحد يشير إلى الأمام. كأنه يقول: "لا توقف. استمر."

كانت إشارة مفهومة بين أساتذة الأكاديمية. تعني: "القتال لم ينته بعد. أريد أن أرى المزيد."

فهم الحكم. أخفض يده، وصمت. لم ينهِ القتال. ترك الحلقة كما هي، ونورد ودراكين لا يزالان يتقاتلان.

---

في الدقيقة الرابعة، قفز دراكين فجأة، ووجه ركلة قوية نحو وجه نورد. في نفس الوقت، أخرج خنجراً من حزامه ورماه على الأرض خلف نورد.

كانت خدعة ذكية. لو تراجع نورد إلى الخلف، سيسقط على الخنجر. لو صد الركلة، قد لا يتحمل قوتها. كان دراكين قد حاصر نورد في زاوية مزدوجة.

ضحك دراكين في داخله. كان يعتقد أنه انتصر.

على المنصة، كان الحكم يتابع. كان يعرف أن هذه اللحظة حاسمة. هم برفع يده لإنهاء القتال، معتبراً أن نورد قد سقط في الفخ.

لكن جارول رفع يده مجدداً. نفس الإشارة. ثلاثة أصابع لأعلى، واحد للأمام.

الحكم فهم. أخفض يده. القتال مستمر.

نورد الشريحة لم يتردد. انحنى جسده كالقوس إلى الخلف واليسار. كانت زاوية الانحناء دقيقة جداً، كأن عموده الفقري كان مصنوعاً من المطاط لا من العظم. ركلة دراكين مرت على بعد ثلاثة سنتيمترات من وجهه، والخنجر على الأرض كان على بعد سنتيمترين من ظهره.

الجمهور شهق.

كانت حركة بهلوانية، غير بشرية، مستحيلة تقريباً.

ثم تشقلب نورد الشريحة إلى الخلف، وثبت جسده، ووقف منتصباً. لم يصب بأذى. لم يلمسه شيء.

ضحك نورد الشريحة. كانت ضحكة جافة، قصيرة، ممزوجة بالسخرية.

"توقعت أكثر من تلاميذ النخبة،" قال نورد الشريحة.

ابتسم دراكين. لكن ابتسامته كانت مختلفة. لم تكن ابتسامة المهزوم، ولا ابتسامة الغاضب. كانت ابتسامة من وجد خصماً يستحق.

"همم،" قال دراكين. "إذاً أنت تريد أن لا أتساهل معك؟ فليكن."

رمى دراكين سيفه على الأرض. التفت إلى خلفه، وأخرج من ظهره قفازات جلدية سوداء، مزينة بصفائح معدنية خفيفة على الأصابع والمفاصل. لبسها ببطء، وثبتها على معصميه.

قال بصوت جهوري قوي وصل إلى كل أرجاء الساحة: "أنا مقاتل جسدي. لا أستخدم الأسلحة إلا لبعض المهام. أفضل قبضاتي. إنها أفضل سلاح."

ابتسم نورد الشريحة. ثم ألقى سيفه على الأرض أيضاً.

لم تفعل الشريحة هذا من تلقاء نفسها. كان نورد من طلب ذلك. من داخل جسده، من خلف عينيه اللتين لا تتحركان بإرادته، همس في رأسه: "ارمي السيف. لا أريد أن أبدو كجبان. لا أريد أن أحارب بسيف خصم يستخدم يديه فقط."

هذا غير ضروري. السيف يعطي ميزة على القبضات في المدى المتوسط. رفضه يقلل فرصة النجاح بنسبة 12%.

"لا يهم. سأقاتل بشرف. حتى لو خسرت."

تم التنفيذ.

ألقى نورد الشريحة سيفه على الأرض. وقف مقابل دراكين، وكلاهما بلا سلاح، وكلاهما يبتسم.

"هل أنت مقاتل جسدي خام؟" سأل دراكين، وعيناه تضيقان. "أم أنك مجنون؟"

قفز نورد الشريحة، ووجه ركلة سريعة نحو رقبة دراكين. كان جسده في الهواء، وقدمه اليمنى متجهة نحو حلق خصمه بسرعة مرعبة.

"كلاهما،" قال نورد الشريحة وهو في الهواء.

دراكين تفادى الركلة بانحناءة سريعة إلى اليمين، ووجه كفه نحو ساق نورد التي كانت لا تزال في الهواء. كانت ضربة قوية، لو أصابت، لكانت حطمت عظمة الساق.

لكن نورد الشريحة كان قد توقعها. استخدم ساقه الأخرى كمسند في الهواء، غير اتجاه جسده بزاوية حادة، وتجنب كف دراكين بالسنتيمترات.

ثم قفز نورد الشريحة إلى الأعلى قليلاً، وقلب جسده رأساً على عقب. أصبحت قدماه في الأعلى، ورأسه في الأسفل، وبطنه تواجه السماء. كان مستنداً على يديه على الأرض، كمن يمارس رياضة بهلوانية خطيرة.

ثم دفع بقدميه إلى الخلف بقوة هائلة.

دراكين، الذي كان لا يزال قريباً منه، لم يتوقع هذه الحركة. قدم نورد اصطدمت بصدره، ودفعته إلى الخلف عدة خطوات. لم يسقط، لكنه فقد توازنه للحظة.

شقلب نورد الشريحة شقلبة رأسية، وعاد إلى وقوفه الطبيعي. طقطق أصابعه واحداً تلو الآخر، وابتسم ابتسامة عريضة.

"أعتقد أن هذا سيكون قتالاً عظيماً،" قال نورد الشريحة.

في المدرجات، كان الأربعة جالسين في صفوفهم. يوردو كان قد نسي تعبه. كان فمه مفتوحاً، وعيناه متسعتان، وفكه كاد يسقط من مكانه. إيدان كان صامتاً كالعادة، لكن عينيه كانتا متسعتين أيضاً، وهو أمر نادر جداً. ليليث، التي كانت قد استعادت وعيها قبل قليل وجلست إلى جانبهم لتشاهد، كانت تمسك بفكها بيديها لئلا يسقط. كايزر، الذي لم يظهر أي مشاعر طوال اليوم، كان فمه مفتوحاً قليلاً، وعيناه لا ترمشان.

"يا إلهي،" همس يوردو. "فكي كاد يسقط. لو كان مفتوحاً أكثر قليلاً، لكان بإمكاني إدخال لعبة صغيرة فيه.."

"لا تتحدث،" قالت ليليث بصوت مبحوح. "سأفقد فكي بالكامل."

في المدرجات الأخرى، كان الجمهور في حالة ذهول.

فتاة في الصفوف الخلفية صرخت: "أتتمزحون؟ نجمة ذروة تجاري شخصاً في عالم النجمتين؟ هل هذا ممكن بحق الجحيم؟"

شاب خبير في الثالثة والثلاثين من عمره، يبدو أنه في مستوى نجمتين في القتال، هز رأسه وقال: "لا، إنه لا يجاري دراكين في القوة. انظروا جيداً. إنه يبحث عن أضعف النقاط فيه ويهاجمها. ويتجنب جميع الإصابات الخطيرة. عملياً، هذا الشاب نورد موهوب جداً. أعتقد أنه جيد في مسار الذهن أيضاً."

شاب آخر، يبدو أنه ذهني في مستوى نجمتين، تدخل: "يا صديقي الضخم، الذهنيون أذكياء وسريعو التعلم. لكن هذا شيء آخر تماماً. لم أسمع بذهني يمكنه معرفة نقاط ضعف خصمه لحظياً بهذه الدقة."

"ربما كلامك صحيح،" رد الشاب الأول. "ربما لديه موهبة جيدة وقدرات ذهنية غريبة أيضاً."

---

استمر القتال. الدقائق تمضي، والجمهور فقد إحساسه بالوقت. لم يعد أحد يحسب. كانوا يتابعون فقط.

تحولت المعركة من سيوف إلى قبضات وأرجل. كان دراكين أقوى، أسرع، وأكثر خبرة. لكن نورد الشريحة كان أذكى، وأكثر دقة، وأكثر قدرة على التوقع.

كل ضربة من دراكين كانت تهدف إلى إنهاء القتال. كل تفادي من نورد الشريحة كان معجزة بحد ذاتها.

لكن الشريحة لم تكن معصومة عن الخطأ. في بعض الأحيان، كانت حساباتها خاطئة. أو كانت حركاتها بطيئة جداً. أو كان دراكين أسرع مما توقعت.

تلقى نورد الشريحة ضربة على كتفه. شعر نورد (داخل جسده) بالألم، لكن جسده لم يتوقف. ضربة أخرى على فخذه. شعر بنفس الألم.

لكنه استمر. لم يتراجع، لم يستسلم، لم يفقد تركيزه.

كان دراكين أيضاً يتلقى ضربات. ليس كثيرة، لكنها كانت كافية لإبقائه يقظاً. ضربة على بطنه من نورد الشريحة جعلته يتأوه. ضربة على ذراعه جعلته يتراجع خطوة. ضربة على فكه كادت تخلع أسنانه.

لكنه استمر أيضاً.

تبادلا الضربات لدقائق طويلة. لم تكن معركة، بل رقصة، رقصة من لا يريد أن يخسر.

الجمهور كان صامتاً معظم الوقت. كانوا يتابعون بأنفاس محبوسة، وعيون متسعة، وقلوب تدق كالطبول.

في الدقيقة الثالثة عشرة، كان دراكين قد بدأ يتعب. لم يعتد على قتال بهذا الطول. لم يعتد على خصم بهذا العناد.

في الدقيقة الرابعة عشرة، كان نورد الشريحة قد بدأ أيضاً يتعب. كانت طاقتها تستهلك بسرعة، وكان جسد نورد يئن من الألم.

في الدقيقة الخامسة عشرة، كان الاثنان على وشك الانهيار. كانا يلهثان، ويتعرقان، ويتألمان. لكن لم يرغب أي منهما في الاستسلام.

قفز جارول من مقعده الرئيسي.

كانت حركته سريعة، عنيفة، غير متوقعة. قفز من المنصة العالية وهبط داخل الحلقة كالصاعقة. الأرض تحت قدميه تشققت من قوة الهبوط.

وقف في منتصف الحلقة، بين نورد ودراكين، ورفع يديه.

"انتهت اختبارات أكاديمية السيف المتقد!" صاح جارول بصوته الجهير المرعب الذي ملأ الساحة بأكملها. "المنتصر في آخر اختبار للحاجز... نورد كاسيان!"

صمت الحشد للحظة.

ثم انفجر التصفيق. كان تصفيقاً مدوياً، أقوى من أي تصفيق سمع في هذا اليوم. الجميع كانوا واقفين، يصفقون، يصفّرون، يهتفون.

"نورد! نورد! نورد!"

كانت الهتافات تملأ الساحة، تعلو فوق كل شيء، كأن السماء نفسها كانت تهتف باسمه.

انتهى التحكم العصبي. تم إعادة السيطرة إلى المالك الرئيسي، نورد كاسيان. استهلاك الطاقة: 88%. يوصى بالراحة التامة لمدة 6-8 ساعات.

عاد نورد إلى جسده كمن يستيقظ من حلم طويل. شعر بثقل في أطرافه، ووجع في عضلاته، وخفقان في قلبه. كان جسده مغطى بالكدمات والجروح الصغيرة، ويداه ترتجفان، وتنفسه كان شبه منقطع.

لكنه كان منتصراً.

نظر حوله. رأى دراكين واقفاً على بعد أمتار، يلهث، ويتعرق، ويبتسم.

تقدم دراكين نحوه، ومد يده.

"أتمنى أن تكون رفيقاً عظيماً،" قال دراكين.

أمسك نورد يده، وصافحه بقدر ما تستطيع يده المرتجفة.

"وأنت كذلك،" قال نورد.

---

بعد دقائق، عندما هدأ الجمهور قليلاً، وقف الوكارد على المنصة وأعلن النتائج النهائية.

"النتائج النهائية لاختبارات القبول في أكاديمية السيف المتقد."

صمت الجميع.

"من المجموعة الأولى (المستوى المنخفض)، تأهل 44 شخصاً. من المجموعة الثانية (المستوى المتوسط)، تأهل 19 شخصاً. من المجموعة الثالثة (المستوى المتقدم)، تأهل 7 أشخاص. من المجموعة الرابعة (المستوى الذروة)، تأهل 5 أشخاص. المجموع الكلي: 75 شخصاً."

صفق الجميع. كان عدداً محترماً.

"والآن،" تابع الوكارد، "ترتيب أوائل المتقدمين بناءً على أدائهم في الاختبارات الثلاثة."

صمت الجمهور مجدداً.

"المركز الخامس: ليليث."

صفق الجميع. ليليث، التي كانت لا تزال جالسة في مقعدها، وجهها شاحب وجسدها مرهق، ابتسمت ابتسامة صغيرة. لم تكن تتوقع أن تكون في المراكز الخمسة الأولى.

"المركز الرابع: كايزر فالدوس."

أومأ كايزر برأسه بلا تعبير.

"المركز الثالث: إيدان."

لم يظهر إيدان أي مشاعر. فقط أغمض عينيه للحظة.

"المركز الثاني: يوردو سيفرن."

ابتسم يوردو ابتسامة متعبة. "ليس سيئاً،" همس لنفسه.

"والمركز الأول... نورد كاسيان."

لم يصفق الجمهور هذه المرة. صرخوا. هتفوا. صفروا. كانوا جميعاً واقفين، يصفقون بأيديهم حتى احمرت، ويصفّرون بأصابعهم حتى بح صوتهم.

"نورد! نورد! نورد!"

نورد لم يرفع يده للتحية. لم يبتسم. فقط وقف مكانه، يتنفس بصعوبة، ويحاول استيعاب ما حدث.

كان قد أصبح الأول. بين كل هؤلاء المتقدمين. بين كل هؤلاء الموهوبين. الأول.

تقدم أركاد نحو نورد، وربت على كتفه.

"أنت موهوب استثنائي،" قال أركاد بصوت منخفض. "لكن تذكر: الموهبة وحدها لا تكفي. العمل الجاد هو ما يصنع الأبطال."

"سأتذكر،" قال نورد.

ابتسم أركاد.

خرج نورد من الحلقة بخطى متعبة. كان جسده كله يؤلمه، ودماءه كانت لا تزال تسيل من بعض الجروح، وعيناه كانتا دامعتين من التعب.

جلس على مقعد قريب من مدرجات أصدقائه. لم يستطع الصعود إليهم. كانت ساقاه ترتجفان كثيراً.

نزل يوردو من المدرجات وجلس بجانبه. أخرج قارورة ماء من حقيبته، وناولها لنورد.

"الاحتفال بعد قليل،" قال يوردو، وعيناه تلمعان. "أنت انتصرت يا نورد. أنت أقوى موهبة هذا العام."

شرب نورد رشفة طويلة من الماء. كان بارداً، منعشاً، يمر في حلقه كالنهر بعد صحراء طويلة.

"أنا متعب يا يوردو،" قال نورد بصوت مبحوح. "لكن لا بأس بقليل من المرح."

ابتسم يوردو.

"سأحضر لك بعض الطعام. تومان... أعني نورد... ستحتاج إلى قصة ترويها لأحفادك يوماً ما."

"سأرويها لهم،" قال نورد، وابتسم ابتسامة متعبة صغيرة. "لكن ليس اليوم. اليوم سأنام."

ضحك يوردو، وقام ليحضر الطعام.

جلس نورد وحيداً على المقعد، ينظر إلى السماء. كانت زرقاء صافية،

لكنه كان مختلفاً الآن. كان قد أثبت نفسه. كان قد أصبح شخصاً.

أغمض عينيه، وتنفس بعمق.

........

هذا اصعب فصل كتبته حرفيا ما عرفت كيف اكتبه الافكار في راسي بس كيف احطها في النوت ما عرفت بس يارب يكون زبط وصار حلو في نظركم

2026/05/25 · 7 مشاهدة · 3180 كلمة
نادي الروايات - 2026