خرج الجميع من ساحة الاختبارات وهم يجرون أقدامهم المتعبة. كانت الشمس قد بدأت تميل نحو الغروب، تاركةً السماء مصبوغة بالبرتقالي والأحمر كجرح قديم لا يندمل. المدرجات كانت قد فرغت تقريباً، وبقايا التصفيق كانت لا تزال تتردد في أذني نورد كصدى بعيد.

وقف يوردو في وسط الساحة، وابتسم ابتسامته المعتادة، رغم التعب الذي كان بادياً على وجهه.

"أيها الأصدقاء،" قال يوردو بصوت عالٍ، "أنا حجزت الطابق العلوي في حانة "النبع الهادئ" قرب الأكاديمية. الاحتفال على حسابي. لا أعذار."

نظر نورد إلى يوردو، ثم إلى ليليث التي كانت لا تزال شاحبة، ثم إلى إيدان الذي كان كصخرة صامتة، ثم إلى كايزر الذي كان يقف منفرداً كعادته.

"أحتاج إلى نوم،" تمتمت ليليث.

"ستنامين بعد الاحتفال،" قال يوردو، وأمسك بذراعها بلطف. "جسمك يحتاج إلى طعام أكثر من النوم."

لم تجادله. كانت متعبة جداً حتى للجدال.

ساروا جميعاً نحو الحانة. كانت على بعد خمس دقائق من الأكاديمية، مبنى حجري قديم من طابقين، واجهته مطلية باللون الأبيض المتقشر، ونوافذه مزينة بأزهار جافة. فوق الباب، كانت تعلق لافتة خشبية مكتوب عليها "النبع الهادئ" بحروف ذهبية باهتة.

دخل يوردو أولاً، وصعد الدرج الخشبي إلى الطابق العلوي. كان قد حجز الغرفة بأكملها، طاولة طويلة في الوسط، ومقاعد جلدية مريحة حولها. النوافذ كانت تطل على شوارع ميلكونيا الليلية، حيث كانت الأضواء الرونية تبدأ في التلألؤ كنجوم صغيرة.

جلسوا في صمت. كان الجميع مرهقين، ووجوههم تحمل آثار المعارك التي خاضوها. ليليث كانت تنزف من جرح صغير في ذراعها لم يعالج بعد. إيدان كان يلمس ندبة قديمة على كفه دون أن يشعر. كايزر كان ينظر من النافذة بعيون فارغة. نورد كان يفرك معصمه المتعب.

أما يوردو، فكان يبتسم.

"حسناً،" قال يوردو، رافعاً كأس النبيذ الذي وضعه النادل قبل لحظات. "أقترح نخب النجاة. كنا جميعاً على وشك الموت، لكننا ما زلنا هنا."

رفع الجميع أكوابهم بتثاقل. حتى كايزر رفع كأسه، وإن كان بدون حماس.

شربوا.

بدأ الصمت يعود، لكن يوردو لم يسمح له بالاستمرار.

"أتعلمون،" قال يوردو، وهو يضع كأسه على الطاولة ويميل إلى الخلف على كرسيه، "كانت لي قصة حب قديمة. منذ ثلاث سنوات. كنت في السابعة عشرة، وهي في التاسعة عشرة."

رفع نورد حاجبه. "تزوجها؟"

"لا،" ضحك يوردو ضحكة مرة. "اعترفت بحبي لها. وكان ردها؟ ضحكت. وقالت: 'أنت صغير جداً. ارجع إليّ بعد خمس سنوات.'"

"هذا ليس رفضاً قاسياً،" قالت ليليث.

"لم أنتهِ،" تابع يوردو. "بعد عام، خطبت لرجل نبيل في الثلاثين من عمره. رجل ثري، وسيم، وقوي. وفي العام الماضي، طلقها. والآن، بعد أن أصبحت في الثانية والعشرين، وها أنا في العشرين... تعود إليّ. ترسل لي رسائل، تطلب مقابلتي."

صمت الجميع.

"وماذا ستفعل؟" سأل نورد.

"لا أعرف،" قال يوردو، وابتسامته أصبحت أقل تألقاً. "القلب يقول نعم. لكن العقل يقول: 'هل تحبني حقاً، أم أنا فقط الخيار الوحيد المتبقي؟'"

"الحب ليس اختياراً،" قال إيدان فجأة.

نظر الجميع إليه. كانت هذه أول مرة يتحدث فيها إيدان منذ بداية الاحتفال.

"أغبى الناس هم المحبون،" أضاف إيدان، وصوته كان هادئاً، بارداً، كمن يقرأ حقيقة لا جدال فيها.

ضحك يوردو. "ها، ها، ها! أول مرة أراك تبتسم يا إيدان."

ابتسم إيدان. كانت ابتسامة صغيرة، عابرة، لكنها كانت ابتسامة. ثم عاد وجهه إلى صمته المعتاد.

"هل لديك قصة مع الحب أيضاً؟" سأل يوردو بفضول.

صمت إيدان. عيناه أصبحتا زجاجيتين، كمن يرى شيئاً بعيداً لا يراه غيره. صمت طويل، طويل جداً. ثم قال: "لا بأس. إنها ليست قصة غريبة."

الجميع توقفوا عن الأكل والشرب. حتى كايزر أدار وجهه من النافذة وأصغى.

---

بدأ إيدان يتحدث، وصوته كان كالماء البارد يتدفق ببطء من نبع عميق. كان بطيئاً، وكأن كل كلمة تخرج من قلبه بعد معاناة.

"قبل عامين، أحببت فتاة. اسمها تولي. كانت جميلة، ليست كالمجوهرات، بل كالقمر في ليلة غائمة. هادئة، ذكية، وقرأت الكثير من الكتب. كنا نلتقي في مكتبة المدينة القديمة. كانت تقرأ، وأنا أتظاهر بالقراءة، لكنني كنت أراقبها فقط. عيناها كانتا خضراوين، مثل أوراق الربيع."

صمت للحظة. ارتسمت ابتسامة صغيرة على وجهه، لكنها كانت حزينة.

"كان والدها مهندس رون، في مستوى نجمتين في الذهن. كان له مكانة محترمة في مدينتي. ليس عظيماً، لكنه كان مرموقاً. يعرفه الجميع. يحترمه الجميع. وعندما علم بعلاقتنا، رفض. قال: 'والدك حطاب. أنت لا تصلح لابنتي. مستقبلك سيكون محدوداً، حطاباً آخر مثله.'"

نظر نورد إلى الطاولة. تذكر جين، والد لوان. تذكر كيف نظر إليه بازدراء في البداية. لكن جين لم يرفضه. فقط كان حذراً. أما هذا الرجل، فكان شيئاً آخر.

"حاولت إقناعه بكل الطرق،" تابع إيدان، وصوته أصبح أثقل. "أخبرته أنني سأتدرب، سأصبح قوياً، سأصبح شخصاً يستحق ابنته. أخبرته أن الحب لا يُقاس بالمكانة. أخبرته أنني سأموت من أجلها. لكنه كان كالصخر. لا يتزحزح. كان ينظر إليّ كأنني حشرة. كأنني لا أستحق حتى الهواء الذي أتنفسه."

صمت مجدداً. كانت قبضته تشتد على كأسه.

"في آخر مرة ذهبت إليه، رمى عليّ سكيناً."

شهقت ليليث. يوردو توقف عن التنفس للحظة.

"لم تصبني. كنت سريعاً. كنت أتدرب سراً على تفادي الهجمات، لأنني كنت أخاف منه. كانت الغريزة أسرع من الخوف. لكن الفكرة... الرجل الذي كان يحلم بأن يكون والد زوجتي... رمى عليّ سكيناً. سكيناً حقيقياً. كان يريد أن يجرحني. أو ربما يريد أن يقتلني. لا أعرف." ضحك إيدان ضحكة قصيرة، جافة، بلا فرح. "ذهبت إلى الحرس. اشتكيت. قلت لهم: 'هذا الرجل هددني. رمى عليّ سكيناً.' ماذا فعلوا؟ ضحكوا عليّ. قالوا: 'أنت طفل يسيء إلى مهندس رون مرموق. اخرج من هنا قبل أن نعتبرك مجنوناً.' وطردوني من المحكمة. طردوني ككلب ضال."

ارتجف صوته قليلاً. كان على وشك الانهيار، لكنه ابتلع الحزن وعاد إلى صمته للحظة.

"ذهبت إلى تولي في الليل. تسللت إلى منزلها، وقابلتها في حديقتها الخلفية تحت ضوء القمر. كانت ترتدي ثوباً أبيض، وشعرها منسدل على كتفيها. كانت كالملاك. اعترفت بحبي لها مجدداً. قالت... قالت إنها تحترمني، لكنها لا تستطيع مخالفة والدها. لم تقل لا. لم تقل نعم. فقط... تنهدت. رأيت في عينيها شيئاً. خوفاً؟ تردداً؟ ضعفاً؟ لا أعرف. لكنها لم تقف بجانبي."

سكت إيدان. كان يتنفس بصعوبة.

"في اليوم التالي، عدت من مدرسة اللغة في المدينة. كان عمري خمسة عشر. كنت أتعلم القراءة والكتابة بشكل أفضل لأنني أردت أن أكون شخصاً يستحقها. رأيت حشداً يتجمع أمام منزلي. شعرت بالخوف. قفزت من العربة قبل أن تتوقف، وركضت. دخلت المنزل."

توقفت كلماته. كان جسده كله يرتجف.

رأى نورد قبضة إيدان تشتد على كأسه. كانت أطراف أصابعه بيضاء كالعظام.

"أبي... كان جالساً على كرسي. ساقاه مكسورتان. مكسورتان تماماً. العظام كانت قد تحطمت، يا نورد. تحطمت كأعواد الثقاب. رجل يحاول علاجهم، لكن العظام كانت قد تحطمت إلى قطع. كانت ساقاه كالخرق البالية. ووالدتي... جرح في وجهها. من أذنها إلى شفتها. عميق. ينزف. لا تزال الندبة هناك. سأراها في أحلامي كل ليلة. كل ليلة."

صوته انكسر. كانت دموع في عينيه، لكنه لم يبكِ. كان يرفض البكاء.

"صرخت. من فعل هذا؟ من؟ من؟ من؟"

خرج العم الذي كان يساعد والدي. قال: "لا تفكر في هذا الأمر. إنه أكبر منك."

"لم أتمالك نفسي. أمسكت بكتفه. أخبرني. أخبرني. أخبرني."

صمت إيدان. كان يتنفس بصعوبة، وارتجاف جسده كان واضحاً.

"والد تولي. فعل هذا كتهديد. لكي لا أقترب من ابنته مجدداً. قال لوالدي: 'لو رأيت ابنك قريباً من بيتي مرة أخرى، لن أكسر ساقيك فقط. سأقتلك.'"

صمت طويل. صمت ثقيل، كأن أحداً وضع جبلاً على صدورهم. لم يرفع أحد عينيه عن الطاولة. حتى يوردو، الذي كان دائماً يملأ الفراغ بالكلام، كان عاجزاً. ليليث كانت تمسك دموعاً لم تنزل بعد. كايزر كان ينظر إلى الأرض، وكأنه لا يريد أن يرى أحداً في عينيه.

"بعد أيام،" تابع إيدان، وصوته كان هامساً تقريباً، "مات أبي. لم يتحمل. كحطاب، ساقاه هما حياته. تحطمت ساقاه، فتحطمت روحه. كان ينظر إلى سقف الغرفة بعيون فارغة، ولا يتكلم. ثم في صباح أحد الأيام، أغمض عينيه ولم يفتحهما مجدداً. وأمي... ماتت بعد أسبوعين. من الحزن. كانت تجلس بجانب سريره الفارغ، وتبكي بصمت. ثم توقفت عن البكاء. ثم توقفت عن الأكل. ثم توقفت عن الحياة."

صمت إيدان للحظة، ثم همس: "لم تستطع العيش بدونه."

سقطت دمعة من عين إيدان. لم يمسحها. تركها تسيل على خده، ثم تسقط على الطاولة.

"هربت من إقليمي. جئت إلى شمال فوجا لأتدرب. لأصبح قوياً. لكي... لكي أنسى. لكن الذكرى لا تموت. لا تموت أبداً. كل ليلة، أرى وجه أبي. كل ليلة، أرى جرح أمي. كل ليلة، أرى عيون تولي وهي تتجاهلني."

رفع إيدان كأسه، وشرب كله دفعة واحدة. ثم وضع الكأس على الطاولة، ونظر إلى الجميع بعيون جافة، حمراء.

"آسف. أزعجتكم بقصتي."

ليليث كانت تبكي بصمت. دموعها تسيل على خديها دون أن تصدر صوتاً. كانت تضع يدها على فمها لتمنع نفسها من البكاء بصوت عالٍ. يوردو كان يضغط على أسنانه، وكأنه يحاول ألا يبكي. كايزر، الذي لم يُظهر أي مشاعر طوال اليوم، كان وجهه متجمداً، لكن عينيه كانتا تلمعان. نورد كان يشعر بألم غريب في صدره. ألم ليس له علاقة بجروحه.

تقدم نورد ووضع يده على كتف إيدان. لم يقل شيئاً. فقط ضغط برفق.

نظر إيدان إليه، وأومأ برأسه.

شكراً، قال بعينيه.

لم يستطع أحد أن يقول شيئاً. بقي الجميع صامتين لدقائق طويلة. الصمت كان ثقيلاً، يخنقهم. ثم، وببطء، بدأوا يتحدثون. لم يعودوا إلى المرح، لكنهم كانوا يحاولون كسر الجليد. يوردو روى نكتة سيئة، ضحك عليها هو وحده. ليليث شاركته الضحك بتكلف. كايزر قال كلمة واحدة: "الغد أفضل." وكانت كافية.

واستمر الاحتفال. ليس بالفرح، بل بالتضامن. بتذكير بعضهم البعض بأنهم ليسوا وحدهم.

---

بعد ساعات، عندما كانت السماء قد أظلمت بالكامل، عادوا إلى الأكاديمية. كان المبنى الرئيسي مضاءً بمصابيح رونية زرقاء، والممرات كانت هادئة. في الطابق الأرضي، كان هناك مكتب صغير، وخلفه يجلس رجل في الأربعين من عمره، يرتدي رداء أكاديمياً أسود.

كان أستاذاً صغيراً. ليس كبيراً في السن، ولا ضخماً في الجسد. بدا متعباً، وعيناه نصف مغمضتين.

"أسماء؟" سأل بصوت ممل.

"نورد كاسيان، يوردو سيفرن، ليليث، إيدان، كايزر فالدوس،" قال يوردو نيابة عن الجميع.

نظر الأستاذ إلى قائمته، ثم أخرج خمسة مفاتيح من درجه. كل مفتاح كان معلقاً بحلقة حديدية صغيرة، وعليها رقم الغرفة.

"غرف تلاميذ الذروة في الطابق الثالث. كل غرفة لها مطبخ صغير، حمام خاص، وحديقة خلفية. لا تزعجوا جيرانكم. ولا تفكروا في تبديل الغرف دون إذن."

أعطى كل واحد مفتاحه.

نظر نورد إلى المفتاح في يده. كان صغيراً، بسيطاً، لكنه كان ثقيلاً. كان يعني شيئاً: مكان خاص به. غرفة في أكاديمية مرموقة. بداية جديدة.

صعدوا الدرج إلى الطابق الثالث. الممر كان طويلاً، وأبواب الغرف متجاورة. كانت أرقامها: 1 إلى 5.

غرفة نورد كانت رقم 3. في المنتصف.

فتح الباب.

كانت واسعة. ليس فاخرة، لكنها كانت مريحة. سرير مفرد، منضدة خشبية، خزانة ملابس، ورفوف للكتب. في الزاوية، باب صغير يؤدي إلى مطبخ صغير يحتوي على موقد وحوض وخزائن بسيطة. باب آخر يؤدي إلى حمام صغير بمياه جارية.

ومن الخلف، كان هناك باب زجاجي يفتح على حديقة صغيرة. ليست واسعة، فقط بقعة من العشب وشجيرة صغيرة ومقعد حجري. لكنها كانت حديقته. خاصته.

وقف نورد في منتصف الغرفة، ينظر حوله. كان يشعر بالتعب، لكنه كان يشعر أيضاً بشيء آخر. كان يشعر بأنه وصل إلى مكان آمن. مكان يمكنه فيه أن يتنفس دون خوف.

جلس على حافة السرير، وأخرج سيفه من ظهره، ووضعه على المنضدة. ثم أخرج القلادة التي أعطاه إياها تومان، وعلقها على الحائط.

نظر إلى الصورة المرسومة بداخلها. كانت بسيطة، طفولية، لكنها كانت تذكره بأفير. بوالده. بأصدقائه.

نظر من النافذة إلى السماء. كانت مليئة بالنجوم، كسماء أفير، كسماء أي مكان. لكنها كانت سماءه الجديدة.

"شريحة،" همس. "هل هذا حقيقي؟"

نعم. المستخدم هو الآن طالب في أكاديمية السيف المتقد. من أوائل الدفعة. غرفته هي رقم 3 في طابق تلاميذ الذروة. هذا حقيقي.

ابتسم نورد ابتسامة متعبة.

"أحتاج إلى النوم."

يوصى بذلك. استهلاك الطاقة ما زال منخفضاً. الراحة ضرورية.

استلقى نورد على السرير، وأغمض عينيه.

كان يتذكر قصة إيدان. كان يتذكر ساقي والده المكسورتين. كان يتذكر أمه التي ماتت من الحزن. كان يتذكر صوت إيدان وهو يحكي، وكيف انكسر في النهاية.

لا يمكن أن يحدث هذا لأي شخص يعرفه، فكر. لا يمكن أن يحدث مرة أخرى.

نام نورد قبل منتصف الليل بقليل. كان يحلم بأفير، بوالده، بأصدقائه.

لكن الحلم كان حزيناً. ليس لأنه كان يفتقدهم فقط، بل لأنه كان يعرف أن هناك أشخاصاً في هذا العالم لا يريدون له الخير. وأنه يجب أن يكون أقوى ليحمي نفسه ومن يحب.

كانت بداية جديدة. لكن الطريق كان لا يزال طويلاً.

2026/05/25 · 7 مشاهدة · 1890 كلمة
نادي الروايات - 2026