د

في جنوب مملكة فوجا، على تخوم الحدود مع مملكة أنادير، كانت السماء مختلفة. لم تكن زرقاء كسماء ميلكونيا، ولا صافية كسماء أفير. كانت رمادية، مغبرة، محملة برائحة الدخان والدم والحديد المحمى. كانت سماء حرب.

هنا، في سهل فاجارا الممتد، حيث تنتهي أراضي فوجا وتبدأ أراضي أنادير، كانت المعركة قد استمرت لثلاثة أيام متواصلة. لم تكن معركة كبرى، بل سلسلة من المناوشات والكمائن والهجمات الخاطفة. كل جانب كان يختبر قوة الآخر، يبحث عن نقطة ضعف، يحاول أن يكسب موطئ قدم دون أن يجر الحرب إلى مواجهة شاملة.

لكن اليوم كان مختلفاً.

عند الفجر، خرج الجيشان إلى السهل المفتوح. كانت هذه هي العادة القديمة، العرف الذي توارثته الممالك المتجاورة عبر قرون من الحروب. في بداية أي معركة كبيرة، يتقدم القادة إلى الساحة بين الجيشين، ويتقاتلون وجهاً لوجه. ليس لأنهم يبحثون عن المجد، بل لأن سقوط قائد يعني انهيار معنويات الجيش بأكمله. كانت هذه فرصة لكلا الجانبين لإنهاء المعركة قبل أن تبدأ، أو على الأقل لإضعاف العدو قبل الاشتباك العام.

وقف اللورد ميرون، قائد الجبهة الجنوبية لفوجا، في منتصف الساحة. كان رجلاً في الخمسين من عمره، جسده ممتلئ بالعضلات كمن قضى حياته في التدريب لا في القيادة. درعه الفضي كان يلمع تحت شمس الصباح الباردة، وسيفه الطويل كان في يده اليمنى، وترسه في يده اليسرى. كان في مستوى أربع نجوم ذروة في القتال. لكنه اخترق هذه العتبة قبل بضعة أشهر فقط. كان لا يزال يتعرف على قوته الجديدة، لم يعتادها بعد، لم تكن جزءاً منه كأنفاسه.

على بعد خمسين متراً منه، وقف خصمه.

اللورد كيران، قائد جيش أنادير. كان رجلاً في الأربعين من عمره، أضخم من ميرون، وأطول، ودرعه أسود بالكامل، وسيفه العريض كان موضوعاً على كتفه كأنه لا يزن شيئاً. كان في مستوى أربع نجوم ذروة في القتال أيضاً. لكن الفرق بينهما لم يكن في المستوى، بل في الوقت. كيران اخترق ذروة أربع نجوم قبل أربع أو خمس سنوات. كان قد استقر في قوته، جعلها جزءاً من عظامه ودمه. كان أحد المرشحين البارزين في أنادير لاختراق حاجز الخمس نجوم، ليصبح ملكاً في القتال. لم يكن هذا مجرد لقب فخري، بل كان حقيقة محتملة في أي وقت.

نظر كيران إلى ميرون بعيون زرقاء باردة، وابتسم ابتسامة واثقة.

"ميرون،" قال كيران بصوته الجهير. "سمعت أنك اخترقت الذروة أخيراً. ألف مبروك."

"شكراً،" رد ميرون مبتسماً، لكن ابتسامته كانت متوترة. "هل أتيت لتموت تحت راية التهنئة؟"

"لا،" ضحك كيران. "أتيت لأريك أن الاختراق ليس كل شيء. هناك فرق بين من وصل بالأمس ومن استقر منذ سنوات."

"الفرق ليس كبيراً،" قال ميرون، محاولاً أن يبدو واثقاً.

"سترى."

اندفعا نحو بعضهما.

كانت المعركة عنيفة، سريعة، ودموية. كيران كان أقوى، أسرع، وأكثر خبرة. كل ضربة من سيفه كانت كالصاعقة، تترك أثراً في الأرض حتى لو أخطأت هدفها. لم يكن يتفاخر بقوته، بل كان يستخدمها بذكاء، بترو، بخطة. كان يعرف نقاط قوته ونقاط ضعفه، وكان يعرف كيف يستخدم الأولى ويخفي الثانية.

ميرون كان مختلفاً. كانت قوته جديدة عليه. كان لا يزال يحاول فهمها، السيطرة عليها، توجيهها. كل ضربة منه كانت أقوى مما يحتاج، وأبطأ مما يريد. كان يخطئ في تقدير المسافات، في توقيت الهجمات، في زوايا الصد.

كيران استغل هذا. لم يهاجم بشراسة، بل بذكاء. كان يترك ميرون يهاجم، يستنزف طاقته، ثم يرد بهجمات خاطفة موجعة.

تبادلا الضربات لدقائق طويلة. كانت سيوفهما تتصادم كالجبال، والشرر يتطاير كالنجوم في وضح النهار. الجنود من الجانبين كانوا يشاهدون بأنفاس محبوسة، عيونهم مثبتة على قادتهم، قلوبهم تدق كالطبول.

في الدقيقة السابعة، أخطأ ميرون خطوة صغيرة. كانت كافية. كيران استغل الفرصة، وضربه على كتفه الأيسر. لم تخترق الضربة الدرع، لكنها أحدثت جرحاً سطحياً، وأضعفت ذراع ميرون اليسرى. لم تكن ضربة قاتلة، لكنها كانت درساً. درساً مؤلماً.

تراجع ميرون خطوات، وهو يمسك كتفه المتألمة. كان يعرف أنه لا يستطيع الفوز. كان يعرف أن كيران كان أقوى منه، ليس بالمستوى فقط، بل بالخبرة، بالوقت، بالاستقرار. كان عليه أن ينسحب. كانت هذه هي العادة أيضاً: من يوشك على الخسارة ينسحب، ويبدأ الجيشان القتال.

رفع ميرون يده اليسرى كعلامة على الانسحاب، وبدأ يتراجع ببطء نحو جيشه.

كيران لم يتبعه. وقف مكانه، سيفه لا يزال في يده، وابتسامته لا تفارق وجهه. كان يعرف أنه انتصر هذه الجولة. كان يعرف أن هذا يكفي.

"انسحب أيها العجوز،" قال كيران بصوت عالٍ. "أخبر ملكك أن أنادير لا تُهزم. وقل له أنني قادم لآخذ عرشه قريباً."

لم يرد ميرون. كان يتراجع، وعيناه لا تفارقان كيران. كان يشعر بالغضب، بالإحباط، بالعار. لكنه كان يعرف أن البقاء يعني الموت.

ثم أتى السهم.

لم يره أحد في البداية. كان سريعاً جداً، أسرع من أي سهم رآه ميرون في حياته. كان كالبرق، كالصاعقة، كالموت نفسه.

لاحظ ميرون السهم في اللحظة الأخيرة. كان قوياً بما يكفي ليراه، وخبرته كانت كافية ليتفاداه لو كان هو الهدف.

لكنه لم يكن الهدف.

السهم اخترق درع كيران من الخلف. ليس من الأمام، حيث الدرع أسمك، بل من الخلف، حيث كان كيران شبه أعزل بعد انتهاء مبارزته مع ميرون. كان السهم مغطى بسم سريع المفعول، قاتل. اخترق النصل الفضة والجلد واللحم، واستقر في قلب كيران.

توقف كيران للحظة. نظر إلى صدره، حيث كان السهم يخرج من جهة اليسار، مغطى بدمائه السوداء. شعر بالسم يجري في عروقه، يحرقها من الداخل، يذيبها.

رفع رأسه، ونظر إلى ميرون. كانت عيناه تتسعان، ليس من الألم فقط، بل من الصدمة.

"لم... أنت؟" همس كيران. "هذه... ليست طريقتك... أنت لست... غداراً..."

لم يرد ميرون. كان مصدوماً مثله. لم يكن يعرف من أطلق السهم. لم يكن يعرف لماذا. كان يعرف شيئاً واحداً فقط: هذا السهم يعني حرباً شاملة.

سقط كيران على ركبتيه، ثم على وجهه، ولم يتحرك بعدها. الدماء كانت تسيل من جسده، تختلط بتراب الساحة، ترسم لوحة حمراء على الأرض الصفراء.

صمت ساحة المعركة للحظة. صمت ثقيل، خانق، كأن الزمن توقف.

ثم انفجر الجيشان.

لم تكن الجيوش تعرف من أطلق السهم. كانت تعرف فقط أن قائد أنادير قد سقط، وأن ميرون كان واقفاً هناك، وكان الخصم الوحيد له. بعضهم ظن أن ميرون غش، وبعضهم ظن أن هناك خائناً في صفوفهم، وبعضهم لم يفكر، فقط ركض نحو العدو للانتقام.

ميرون كان واقفاً في مكانه، عيناه لا تصدقان ما رأتاه. لم يأمر أحداً بإطلاق ذلك السهم. لم يكن يعرف من أطلقه. كان يعرف شيئاً واحداً فقط: فوجا لم ترغب في قتل كيران. كانت تريد فقط قهره، إعادته أدراجه، منع الحرب الشاملة. كان كيران ثروة لأنادير، وقتله يعني أن أنادير لن تهدأ أبداً.

"انسحبوا! انسحبوا الآن!" صرخ ميرون بصوت جهير.

لكن الأوان كان قد فات.

هجم جيش أنادير كالسيل الجارف. لم تكن هجمة منظمة، بل كانت هجمة انتقامية غاضبة. كانوا يريدون قتل ميرون، كانوا يريدون قتل كل جندي فوجا، كانوا يريدون الدم.

قاتل جيش فوجا بشراسة. كانوا يعرفون أن التراجع الآن يعني الموت. قاتلوا لساعات، تحت شمس حارقة، في أرض ممزقة بخنادق الدماء.

ميرون قاتل في المقدمة. كان سيفه يتحرك كالمجنون، يقطع الرقاب، يشق الصدور، يحطم الدروع. كان يعرف أنه إذا سقط، فسينهار جيشه. كان يعرف أنه يجب أن يصمد. لكن عينيه كانتا تبحثان عن الرامي، عن أي أثر، عن أي إشارة. لم يجد شيئاً.

عندما حل المساء، كانت ساحة المعركة قد تحولت إلى مقبرة. آلاف القتلى من الجانبين، وأكثر من ذلك جرحى. الرائحة كانت لا تطاق: رائحة الدم والعرق والبول والموت. الأرض كانت قد ابتلعت كمية من الدماء جعلتها موحلة، زلقة، مثيرة للغثيان.

ميرون كان واقفاً وسط الجثث، يلهث، ودرعه ممزق، وسيفه مكسور. كان قد قتل بنفسه عشرات الجنود. لكنه كان متعباً، وكان يعرف أن هذه مجرد البداية.

"لورد ميرون،" قال أحد جنرالاته، وكان اسمه ألدريك، رجل في الأربعين، وجهه مغطى بدماء جديدة وقديمة. "لقد وجدناه."

"من؟"

"الرامي."

---

على بعد كيلومتر من ساحة المعركة، في غابة صغيرة جافة، كان جثمان رجل مستلقياً على الأرض. كان يرتدي ثياباً رثة، ووجهه مغطى بالغبار، وقوس طويل بجانبه. كان قد انتحر. طعنة في قلبه بسيفه الخاص.

"من هو؟" سأل ميرون، وصوته كان متعباً، مبحوحاً.

"لا نعرف،" قال ألدريك. "لا يحمل أي أوراق، ولا أي علامات. ليس من جيشنا، وليس من جيش أنادير. يبدو أنه مأجور، أرسله أحدهم لبدء الحرب."

نظر ميرون إلى الجثة بعيون متعبة. كان يفكر في كيران، في عينيه المتسعتين قبل الموت، في كلماته الأخيرة: "هذه ليست طريقتك... أنت لست غداراً..."

"فوجا لم ترغب في قتله،" همس ميرون. "كنا نريد فقط قهره، إعادته أدراجه، لا جر الأمور إلى حرب شاملة. الآن... الآن لن يكون هناك عودة."

"ماذا نفعل؟" سأل ألدريك.

تنهد ميرون. "نستعد للحرب."

---

في تلك الليلة، بينما كانت جيوش فوجا وأنادير تستعد للمعركة القادمة، بينما كانت العائلات تبكي قتلاها، بينما كانت السماء تمطر دماً ورماداً، كان هناك شاب يقف على غصن شجرة عالية، على بعد كيلومترات من ساحة المعركة.

كان شاباً في العشرين من عمره تقريباً، شعره أسود قصير، وعيناه رماديتان باردتان، ووجهه كالحجر. كان يرتدي ثياباً سوداء بسيطة، وعلى كتفه كان يلمع شعار: نصف قمر بنفسجي.

كان يستخدم تقنية تخفي وجوده. لم تكن تجعله غير مرئي، لكنها كانت تجعله غير ملحوظ. من ينظر إليه كان يرى غصناً فقط، أو ظلاً، أو وهماً. لم يكن أحد يراه.

كان يبتسم.

ابتسامة باردة، بلا فرح. كمن أنجز مهمة، وكمن يعرف أن هذه مجرد البداية.

نظر إلى الأفق حيث كانت نيران المعركة لا تزال مشتعلة، ثم قفز من غصنه، واختفى في الظلام.

لم يره أحد. لم يسمعه أحد. لم يعرف أحد بوجوده.

لكن الحرب بدأت. وستكون دموية.

---

2026/05/28 · 5 مشاهدة · 1445 كلمة
نادي الروايات - 2026