لم تمض ساعات على مقتل كيران حتى تحرك أنادير. لم تكن حركة عادية، ولا مناورة عسكرية، ولا حشداً للجيوش. كان الشيء الذي لا يتوقعه أحد، والذي يغير قواعد الحرب بأكملها.

في مدينة ياند، ثالث أكبر مدن جنوب فوجا، كان الصباح هادئاً كالمعتاد. الأسواق كانت مفتوحة، والباعة كانوا ينادون على بضائعهم، والأطفال كانوا يركضون بين الأرجل، والنساء كن يشترين الخبز الطازج من المخابز. كانت الحياة تمشي ببطء، كأن الحرب في الجنوب كانت مجرد قصة بعيدة لا تعنيهم.

ثم رأوه.

الشمس كانت مرتفعة عندما لاحظ أول شخص شيئاً غريباً في السماء. نقطة صغيرة، تتحرك بسرعة، تقترب بسرعة. ظنها طائراً في البداية. ثم ظنها سحابة غريبة. ثم أدرك أنه ليس طائراً، ولا سحابة.

كان إنساناً.

يحلق في السماء بسرعة هائلة، كالصقر، كالسهم، كالصاعقة. لم يكن يطير بمجرفة سحرية، ولا على ظهر وحش طائر، ولا بأي وسيلة مفهومة. كان يطير بجسده فقط. كأن الجاذبية كانت مجرد اقتراح، كأن القوانين الفيزيائية كانت مجرد إزعاج بسيط.

وقف الناس في شوارع ياند مذهولين. بعضهم فتح أفواهه، وبعضهم أغمض عينيه ثم فتحها ليتأكد أنه لا يحلم، وبعضهم سقط على ركبتيه وهو يهمس: "مستحيل... هذا مستحيل..."

كانوا يعرفون أن الإنسان لا يطير. ليس هكذا. الطيران بالجسد وحده يحتاج إلى قوة هائلة، إلى مستوى لا يصل إليه إلا القليلون في القارة كلها. كانوا يعرفون أن من يطير هو ملك. خمس نجوم. هذا هو المستوى الذي يتجاوز فيه الإنسان جاذبية الأرض، ويسحق الفيزياء بأقدامه، ويصبح كياناً لا ينتمي إلى هذا العالم.

الرعب الذي شعر به الناس لم يكن رعباً عادياً. لم يكن خوفاً من الموت، أو خوفاً من الألم. كان رعباً وجودياً، رعباً غريزياً، رعباً ينبع من أعماق الجينات، كأن أسلافهم القدامى كانوا يعرفون هذا الكيان، وكانوا يخافونه، وورثوا هذا الخوف جيلاً بعد جيل.

وقف الناس في شوارع ياند، ينظرون إلى السماء، وأعينهم ممتلئة بالرعب، وقلوبهم تدق كالطبول، وأفواههم تهمس: "ملك... ملك قادم..."

---

كان اسمه سيراس. الملك السحري لأنادير. واحد من أندر الكائنات في الحزام الميت بأكمله. كان في مستوى خمس نجوم في السحر، وكان يستطيع تدمير مدينة بحجم ياند في دقائق لو أراد. لم يفعل ذلك من قبل. كانت هناك موازين دبلوماسية، وخشية من رد فعل فوجا، وكل هذه الاعتبارات.

لكن اليوم، بعد مقتل كيران، تغير كل شيء.

وقف سيراس في السماء، على ارتفاع مئات الأمتار، ويداه متشابكتان خلف ظهره، وثيابه السوداء تتحرك مع الريح. كان يبدو كإله نزل ليعاقب العصاة، كشيطان خرج من الجحيم ليجمع النفوس، كحلم مرعب استيقظ فجأة ليصبح حقيقة.

نظر إلى الأسفل. رأى مدينة ياند بأكملها. رأى المباني، والشوارع، والأسواق، والناس. رأى الجنود الذين كانوا يركضون في الثكنات، والسحرة الذين كانوا يحاولون تشكيل دروع حماية، والمدنيين الذين كانوا يصرخون ويهربون في كل الاتجاهات.

رفع يده اليمنى إلى السماء.

بدأت الطاقة تتجمع في كفه. لم تكن كرة نار عادية. كانت كرة ضخمة، تتشكل ببطء، تتضخم بسرعة، وتلمع كالشمس الصغيرة. كان لونها أزرق فاتحاً في البداية، ثم تحول إلى أبيض، ثم إلى أزرق غامق، ثم إلى أسود تقريباً. كانت حرارتها هائلة، لدرجة أن الطيور التي كانت تحلق بعيداً سقطت ميتة من الخوف والحرارة قبل أن تقترب.

"كرة الهلاك الجحيمي،" قال سيراس بصوت هادئ، كمن يقرأ خبراً عادياً.

الكرة نزلت.

لم تكن سريعة، بل كانت بطيئة، متعمداً. لم يكن يريد أن يفاجئهم. كان يريد أن يروها مقبلة، وأن يشعروا بالرعب قبل أن تصل، وأن يدركوا أنهم عاجزون عن فعل أي شيء.

---

في الحامية العسكرية في ياند، كان اللورد فالين، قائد الحامية، جالساً في مكتبه عندما سمع الضجة. كان رجلاً في الخمسين من عمره، ذو لحية رمادية كثيفة، وعينان زرقاوان حادتان، ويدان متجعدتان من كثرة التدريب على السحر. كان في مستوى أربع نجوم ذروة في السحر، أحد أقوى السحرة في جنوب فوجا.

خرج من مكتبه مسرعاً، وعيناه تتجهان نحو السماء. رأى الكرة. رأى حجمها. رأى لونها الأسود المائل إلى الزرقة. عرف على الفور أنها ليست كرة نار عادية. عرف أنها كرة ملك.

"جدار الجبل الثلجي!" صرخ فالين، ورفع يديه إلى السماء.

بدأ الجليد يتشكل أمام الكرة النارية، وترتفع كجدار هائل، وتتسع كدرع لا يخترق. كان الجدار سميكاً، بعشرات الأمتار، وكان يلمع ببريق أزرق بارد، ويصدر صوت طقطقة كالصخور وهي تتصادم.

الكرة النارية اصطدمت بالجدار.

لم يكن هناك صوت مدوٍ، ولا انفجار هائل، ولا كرة نارية تتناثر في كل الاتجاهات. كان هناك فقط صراع صامت بين النار والجليد، بين الحرارة والبرودة، بين ملك سحري وسيد كبير.

استمر الاصطدام لثلاث ثوانٍ. أربع ثوانٍ.

ثم انهار الجدار.

لم ينهار ببطء، بل تحطم كالزجاج، وتناثرت قطع الجليد في كل اتجاه، وذابت في الهواء قبل أن تصل إلى الأرض. الكرة النارية لم تتوقف. كانت لا تزال هناك، كانت لا تزال ضخمة، كانت لا تزال متجهة نحو وسط المدينة.

فالين حاول مجدداً. رفع يديه، وحاول تشكيل جدار جديد. لكن طاقته السحرية كانت قد استنزفت بالكامل. لم يبق لديه ما يعطي. سقط على ركبتيه، وهو ينظر إلى الكرة النارية تقترب، وعيناه ممتلئتان بالعجز والرعب.

الكرة نزلت.

اصطدمت بوسط ياند.

كان الانفجار هائلاً. لم يكن مجرد صوت، بل كان موجة صدمة هزت الأرض لمسافة كيلومترات. المباني التي كانت قريبة من مركز الانفجار تبخرت فوراً، كأنها لم تكن موجودة. المباني التي كانت بعيدة قليلاً انهارت كبيوت ورق، وتناثرت حجارتها في كل اتجاه. المباني التي كانت أبعد تحطمت نوافذها، وتشققت جدرانها، وترنحت كالسكارى.

الحامية العسكرية، التي كانت تضم آلاف الجنود، تحولت إلى كومة من الأنقاض. نقابة المغامرين، التي كانت تضم العشرات من المقاتلين المهرة، اختفت من الوجود. قصر حاكم المدينة، الذي كان رمزاً لسلطة فوجا في ياند، سحق كعلبة من الصفيح.

المئات من البيوت انهارت. الآلاف من العائلات فقدت مأواها في لحظة. عشرات الآلاف من الناس أصبحوا بلا مأوى، بلا طعام، بلا مستقبل.

فالين، قائد الحامية، سقط على الأرض نصف ميت. كان جسده مغطى بالحروق والجروح، ويداه كانتا محروقتين بشدة، ووجهه كان أسود من السخام. كان يتنفس بصعوبة، وعيناه تبحثان عن شيء، أي شيء، أي أمل.

لم تجد شيئاً.

---

صراخ. عويل. بكاء. أنين. كل الأصوات اختلطت معاً في سيمفونية من الألم والرعب والموت.

أطفال يبحثون عن أمهاتهم بين الأنقاض. أمهات يبحثون عن أطفالهم بين الجثث. رجال يحاولون رفع حجارة ثقيلة بأيدٍ عارية، وهم يبكون، وهم يصرخون، وهم يشتمون القدر.

أنصاف مقطعة كانت متناثرة هنا وهناك. بعضها كان لا يزال يتحرك، يترجرج، كأنه لا يريد أن يموت. بعضها كان قد برد، وتحول لونه إلى الأصفر الشاحب، وأصبح طعاماً للذباب الذي بدأ يظهر من العدم.

رائحة الدم واللحم المحروق والغبار كانت تملأ المكان، تجعل التنفس صعباً، والعيون دامعة، والمعدة تتقلب.

ياند، ثالث أكبر مدن جنوب فوجا، لم تكن مدينة بعد الآن. كانت مقبرة.

---

سيراس كان لا يزال في السماء. كان ينظر إلى الأسفل بعيون باردة، بلا شفقة، بلا فرح، بلا أي مشاعر. كان كمن يشاهد فيلماً وثائقياً عن حضارة انقرضت، لا تعنيه، لا تهمه.

رفع يده اليمنى، ليس ليهاجم مجدداً، بل ليتحدث.

"رسالة إلى ملك فوجا،" قال سيراس بصوته الهادئ الذي وصل إلى كل أذن في ياند، وإلى كل أذن في المدن المجاورة بفضل قوته الخارقة.

"اسحب قواتك من بحيرة الأسيج. اسحب جيوشك من هناك. وإلا، فسأحتل كل جنوب فوجا. لن أترك حجراً على حجر. لن أترك طفلاً على قيد الحياة. لن أترك شجرة خضراء واحدة."

صمت للحظة، ثم أضاف: "هذا ليس تهديداً. هذا وعد."

ثم أدار ظهره، وطار عائداً من حيث أتى. بسرعة، بسهولة، كأنه يذهب في نزهة، كأنه لم يدمر مدينة للتو، كأنه لم يقتل آلاف البشر قبل دقائق.

اختفى في الأفق.

بقي خلفه الخراب والدمار والعويل والبكاء والموت.

---

في ميلكونيا، في أكاديمية السيف المتقد، كان نورد نائماً.

لم يكن يعرف شيئاً عن سيراس، عن ياند، عن كرة الهلاك الجحيمي. كان فقط نائماً.

كان يحلم بأفير، بوالده، بلوان، بتومان.

كانت أحلامه هادئة.

لكن في صباح اليوم التالي، سوف يستيقظ على عالم مختلف. عالم أصبحت فيه الحرب حقيقة، وأصبح فيه الخطر أقرب مما يتخيل.

عالم كان فيه ملك سحري قادر على تدمير مدينة في لحظة، وكان على نورد أن يصبح قوياً بما يكفي لمواجهته.

أو على الأقل، البقاء على قيد الحياة.

2026/05/28 · 5 مشاهدة · 1235 كلمة
نادي الروايات - 2026