خبت النار السوداء فلم تبقى سوى بعض ألسنة اللهب الصغيرة في أماكن متفرقة فوق الساحة الصحراوية. والتي تراقص معظمها مع حركة الرياح بعد أن وصلت فوق جدران المنازل القريبة
كانت الشمس ترسل خيوطها الذهبية، فتنكسُر وتغير مسارها قبل أن تلامس ذاك اللهب القاني. لم يكن الناظر ليتمكن من إبصار شيء من خلال تلك النيران سوى السواد الحالك وفقط السواد
غطت سحابة دخانية سماء المعركة فحجبت الرؤية، وملأت رائحةُ احتراق الجثث الخانقة واللاذعة أرضها، فأجبرت الحضور على تغطية أنوفهم... حسنا، ربما ليس جميع الحضور
فقد عم الهدوء المكان وانقطع الصراخ الحاد المفجع الذي أصدرته حناجر الجنود... إلا من صوت شخص واحد أو شخصين
"تعال إلى هنا!"
وقف كيد بتعبيره البارد المعتاد وألقى نظراتٍ سريعة على المشهد
كانت جثث العشرات من الجنود بين المهروسة وبين من تلقى سهمًا في حنجرته، وكان هنالك القليل ممن لفحتهم نيرانه الخاصة
صوب عينيه على تلك الجثث السوداء المتفحمة. كانت محاولة تفحصها بلا جدوى؛ فقد أدى اللهب مهمته على أكمل وجه ولم يترك مجالًا للتمييز بين جثث الجنود والقرويين البائسين
'ليست مشكلتي. كان عليهم أن يهربوا مبكرًا كما فعل غيرهم...'
لم يلقي كيد بالًا لأولئك الذين ماتوا من غير فائدة ترجى من قتلهم... حاول اقناع نفسه بذلك على الأقل
تغير تعبير كيد قليلًا عند سماعه الصراخ المفاجئ، والذي عكّر الهدوء اللحظي الذي أراد أن يستمتع به. التفت بنظره قليلا
"قلتُ تعال إلى هنا... لا تهرب!"
كان فورج يلاحق ايسيليان وكان الآخر يهربُ بأقصى سرعته ليحافظ على حياته...
قال الشاب الساحر بأنفاس متقطعة بينما يجري هربًا من فورج:
"ليس خطأي أننا... واجهنا عقبة غير متوقعة... ألا يجبُ أن تلوم كيد لأن نيرانه لم تؤدي... مهمتها الكاملة بحجب الرؤية من داخل الحلقة؟.."
كان فورج يجري خلفه بمنظرٍ عجيب و... مقزز بعض الشيء
عاد جسده لحجمه الطبيعي واختفت كل عضلاته الضخمة التي ظهرت منذ دقائق. كان نحيلا مجددا واختفى طوله الشاهق تقريبا فلم يبقى سوى مترين من حجمه السابق
لكن ما كان غريبا هو أن ذراعه اليسرى لم تعد كما كانت...
كانت ذراعه قد بقيت كتحوله تماما ضخمة بحجم مرعب والعروق تتفجر منها بمنظر كريه. وكان يجرها خلفه بينما يلاحق ايسيليان بغضب شديد. كان الأمر ببساطة شيئا لا يسر الناظر
نطق فورج رادًّا بغضب:
"كان يجب عليك أن تراقب ساحة المعركة... كانت هذه مهمتك أيها الأحمق... اشرحلي إذا لم تفعل ماذا ستكون فائدتك؟"
"لقد فعلت!... صدقني لقد فعلت..."
تفادى لكمة خطيرة كانت قادمة من فورج ثم غير اتجاهه وجرى بسرعة أكبر.
"...لكن ذلك الشخص... كان مخادعا نوعا ما"
اقترب غارث من كيد ثم قال بصوت هادئ:
"يبدو أن فورج لم يُبطل تحوله بالكامل... لا يزال يبدو... اممم غاضبا ربما؟"
نظر كيد اليه بطرف عينه ثم حول نظره مجددا إلى مشهد الشجار القائم وقال ببرود:
"لمَ لم تشارك في المعركة؟"
ابتسم الضخم قبل أن يرد بغطرسة واضحة:
"وهل تسمي هذه معركة حتى؟ لن أنفق قطرة من الريفا على شيء تافه كهذا، وكان يجب عليكم أن تفعلوا المثل، جميعكم... مثلا، أنت تعلم ما سيحدث الآن. لقد أنفق فورج الكثير من طاقته على تحوله لفترة طويلة، لن يستطيع الاستمرار أكثر من ذلك"
رد كيد بلا مبالاة:
"تحول فورج كان ضروريا لنخرج بأقل الخسائر... لم يكن بإمكاننا أن نتخلى عنه"
"لم أقل أنه كان يجدر بنا ذلك... لكن لا تطلب مني أن أحذو حذوه وأفني طاقتي في معركة سخيفة"
استنشق بعمق قبل أن ترتفع زاوية فمه ويضيف قائلا:
"ويس بانتظارنا كما تعلم يجب أن نقدم له عرضًا مرضيًا كما يقول"
ابتسم كيد ابتسامة باهتة ثم وقف على قدميه وبدأ بتمديد جسمه
"أفكر أن لا نجعله ينتظر أكثر من ذلك. ما رأيك؟"
كانت المطاردة لا تزال جارية بين الاثنين، فورج وايسيليان
اختفت ذراع فورج الضخمة في وقت ما وعادت لحجمها المعتاد، لكن كانت سرعة الشاب الطويل قد بدأت تتضاءل شيئا فشيئا خلال. ذلك، حتى توقف في النهاية وهو يلهث. جثا فورج على ركبتيه وبدأ يحاول تنظيم أنفاسه المرهقة.
تثاءب تثاؤبا طويلا ثم أشار بسبابته نحو ايسيليان الذي توقف بدوره
"ثلاث رصاصاتٍ أيها الـ... تبا لك!.."
سقط فورج أخيرا على وجهه غير قادرٍ على الحراك. لم يكن غائبا عن الوعي بل كان نائما ببساطة... غلبه النعاس بعد المعركة الطويلة
انهار ايسيليان بدوره على ظهره وبدأ يتنفس كالوحوش من الإرهاق الذي حل به
"وأخيرا... لقد نام. هوفف! يا الهي ما هذا الجنون؟"
لم يكن ايسيليان قد أدرك بعد أن كيد يقف فوق رأسه حينما نطق
"انهض!... سنغادر"
رمش الشاب ثلاث مرات، ثم بدأ يتلعثم بالكلام قبل أن يقول بغضب مكبوت:
"مـ.. ماذا؟... لم... لم أسترح حتى للحظة واحدة... انتظر لحظة... انتظر يا الهي.. أشعر... أشعر أنني أحتضر... اذهبوا من دوني... اتركوني خلفكم سأضحي بنفسي. يا الهي..."
قال كيد بنفاذ صبر:
"ايسيليان قلتُ انهض... لسنا متفرغين لسخافاتك"
نهض الشاب، ثم عدل جلسته وتكتف قبل أن ينظر بعبوس ويقول متذمرًا:
"كان يجب عليك أن تضبط ذلك المجنون... لم يستمر الجميع بالقاء اللوم علي أنا؟"
"ربما لأنك احمق؟ أعتقد أن هذا سبب مقنع... أيا يكن، ما وضع مخزون الريفا لديك؟ كم يمكنك الاستمرار تقريبا؟"
أجاب الشاب الساحر ببساطة:
"حسنًا كما تعلم... كما هو دائما"
ثم أضاف متعجبا:
"لمَ تسأل يجب أن تكون أفضل من يعرف"
"لم أكن أقصد الريفا أيها الأحمق.. قصدت جاهزيتك"
حك الشاب مؤخرة رأسه ثم فتح فمه قائلا:
"ها؟ لا أفهم شيئا. وما الفرق؟... ألم نتفق ألا نتحدث بالألغاز؟ أكره الغموض وأقاربه وجداته التسع"
تنهد كيد ثم حول نظره نحو الأفق وقال:
"نعم... أعتقد أنه كما قلتَ... أنا أفضل من يعرف"
***
ترك الثلاثة مشهد المعركة المروعة خلفهم، ولم يبدو أنهم قد أعاروا الكثير من الاهتمام لترك جسد فورج في العراء أيضا. كان الشاب الطويل غارقًا في نومٍ عميق ويستحيل ايقاظه، ولا يبدو أنه سيكون هنالك خطر على حياته في الوقت الراهن، وحتى لو كان فيجب أن يجد طريقة ليتعامل معه بنفسه... وهو راقد...
كان لدى الثلاثة موضوع أكثر أهمية وحساسية يجب التعامل معه الآن... القلعة مثلًا؟
كانوا يصعدون الجبل الشاهق في الوقت الحالي. كانت الطرق غير معبدة كالقرية تماما لكنها كانت وعرة أكثر وغير مريحة للسير.
"ألا يمكننا التوقف قليلًا؟ أنفاسي تتضارب فيما بينها من الإرهاق، ربما حقًا أنا احتضر..."
"ايسيليان... اصمت! آلمني رأسي من ثرثرتك... لم نصعد ثلاثين مترًا حتى"
"اووه! انظروا من يتكلم... انه السيد غارث الذي لم تتحرك قدماه حتى خلال المعركة. ظل ساكنًا ويراقب وربما يشرب المرطبات أيضا... أنت لا تعرف شعور أن تجري لحياتك بينما يلاحقك شخصٌ أكل الغضب عقله بالمعنى الحرفي، حتى يمسكك ويمزق لحمك ثم يحتسي حساءً مصنوعا من عظامك... يا الهي اطرد الذكريات!"
ضحك غارث ثم علق قائلا:
"ما كان يجب أن تغضب فورج وهو بتلك الحالة... أنت المذنب بلا شك"
ضغط ايسيليان على جبينه بكلتا يديه ثم رد قائلا:
"لم لا يتوقف الجميع عن تكرار فكرة أنني المخطئ والمذنب في كل شيء؟... كيد لاحظت شيئا؟"
كان كيد متقدما على الثنائي بخطوات معدودة وكان بصره موجهًا نحو القلعة الشاهقة على قمة الجبل الحاد. لم تبقى سوى مسافة قصيرة لتطأ أقدامهم أرضية القلعة الحجرية
"لا... لا شيء أبدا... لا مراقبون على الأبراج ولا شيء مثير للاهتمام يحيط بالقلعة"
ربما كان الشيء الوحيد الذي يميز هذه القلعة هو بناؤها على طراز العصور القديمة مع أنها لم تكن قائمة قبل أكثر من عشر سنوات.
كانت قلعة حجرية ضخمة بمخطط غير منتظم، بجدران عالية وسميكة، حجرها داكن وخشن. أحاطت بها أربعة أبراج دفاعية لكنها كانت خالية من أي حضور. مع ذلك لم تكن الأبراج فقط بهدف الزينة أو ابراز نوع من الجمال والمهابة على القلعة الضخمة، كان سيتم بلا شك استخدامها في وقت ما، لكن فقط عند حصول هجوم مباشر ومتوقع وغير مباغت، كما فعل كيد ورفاقه تقريبا.
حوطت القلعة بسور خارجي متدرج الارتفاع تبعا لانحدار الجبل. نوافذ قليلة صغيرة غير متماثلة التوزيع. وطبعا، بوابة مقوسة واحدة تربط السور الخارجي بالهيكل الداخلي للقلعة.
فكر كيد قليلا.
'كيف سنتخطى هذه البوابة دون ضجيج؟'
ألقى نظرة سريعة على ايسيليان تبعتها نظرة منه على غارث الذي كان يحدق به بدوره...
ابتسم غارث الذي قرأ ما يجول ببال كيد
"اوه أجل... لدي الحل لما تفكر به... يمكنك ترك المسائل الصغيرة كهذه لي دائما"
ثم وسع ابتسامته وأضاف:
"لدي الحل لكل شيء..."
***
بعد دقائق قليلة، انفجرت البوابة المقوسة للجدار الخارجي وتطايرت شظاياها لعشرات الأمتار. قفزت مباشرة ثلاثة شخصيات من خلف الركام الحجري والغبار الذي غطى الهواء الذي كان نقيا منذ لحظات
اطلق غارث صرخة سُمع صداها في كل أركان القلعة:
"انظر من جاء... هووووي ويس!..."
***
في ساحة المعركة السابقة بين العظام المهشمة والرؤوس المفقودة، كان فورج لا يزال عالقا في سباته. تنفس أحد الجنود وأطلق زفيرا طويلا. كانت يده لا تزال مثبتة بوضعية شخص يحاول الوصول إلى سلاحه. ذاب معظم السهم الجليدي الذي اخترق ظهره منذ دقائق وأصبح ماء نقيا اختلط بالدماء الغزيرة التي سببها الجرح العميق.
لمس الجندي الأرض بقبضته، ثم دفع نفسه مع صرخة استماتة حارقة، محاولا النهوض عن الأرض الملطخة
وقف أخيرا بعد ما كان أشبه بالعناء. ألقى الجندي نظرة متفحصة على المشهد من حوله ثم فرك الأشعث لحيته الهزيلة والمتسخة متجاهلا الجثث الممزقة في كل مكان
"كيف وصلت دمائي الى هنا بحق؟ انا على يقين بأنني لم أصب سوى بخاصرتي... وربما في ظهري أيضا..."
مسح الحندي الدماء من على وجهه ثم قرب يده من أنفه وبدأ يشم.
"ليست دمائي. أجل هذا يحمل بعضًا من المنطق..."
"اتـ..."
سُمع صوت همس آخر بالقرب من أقدام الجندي الواقف. نظر الجندي أسفل قدميه فوجد رفيقا آخر له على حافة الموت. كان الآخر كالجثة المتكلمة بأذرع مقطوعة من سوء حالته، وكان يحاول قول شيء ما.
نظر الواقف نحوه وقال مستفسرًا بصوتٍ هادئ:
"هل قلتِ شيئا أيتها الجثة؟"
سعلت الجثة المتكلمة فخرجت الدماء لتغطي شفاهها وذقنها، ثم قالت بصوت فُهم بالكاد:
"اتـ... ـصل... علـ...ـى القا..ـئد... الـ... هاتف!"
رمش الواقف ذو الشعر البني ثلاث مراتٍ متتابعة، ثم ابعد عينيه الخضراوين عن الجثة شبه الحية
خلع الجندي سترته الرمادية بحركة سريعة، فظهر الجرح العميق للسهم المائل على ظهره بشكلٍ أكثر تنفيرًا. ألقى بعدها السترة أرضًا بشكل عشوائي فغطت وجه الجندي الجثة، فإذا كانت أنفاسه تخرج بصعوبة قبل لحظات فربما قد أصبحت لا تخرج أبدًا الآن
حرك الواقف الأشعث شفته السفلى قائلا:
"لا، شكرا على عرضك المغري جدا، لكنني مجبرٌ على تقديم رفضي لسوء الحظ... فقد أنهيت ما جئتُ لأجله. والآن يا ترى... من أي اتجاه هو الشمال؟"