بلا مبالاة ظاهرة على محياه، كان كيد ينفض الغبار بهدوء عن معطفه الأسود، بعد الفوضى التي خلفها اقتحامهم المفاجئ للبوابة الخارجية للقلعة
لم تكن تدمير البوابة والدخول كوحوش مسعورة أفضل خطة يمكنهم اتباعها للتسلل، ولم تؤدي ولو بأي شكل من الأشكال الهدف المراد بالكلمة، لكن من ناحية أخرى، ربما كان من الافضل لو ترك كيد الأمور أحيانا لهيجان غارث
كان الضخم متحمسًا أكثر من أي شخص آخر في الفريق للوقوف أمام ويس، وكان سيفعل أي شيء في سبيل تسريع حدوث ذلك. لم يكن كيد في الجهة المعارضة للخطة الهمجية؛ فحتى هو أراد مقابلة قائد الجنود الغامض بأقرب وقت ممكن
ابتسم كيد ابتسامة شاحبة
'ولمَ لا أفعل؟ لقد انتظرتُ هذه اللحظة أكثر من اللازم'
حول كيد نظره للحظة واحدة
هناك، على الأرضية الحجرية، كان هنالك جثتان لقيتا حتفهما بعد لحظاتٍ من الاقتحام. كان من سوء حظ المقتولين أنهما كانا يتجولان في الساحة الخارجية للقلعة لحظة تفجير البوابة. لم تكن أدمغتهم قد أوصلت خبر ما يجري لأجسادهم حتى تأمرهم بالتحرك قبل أن ينقض الثلاثة عليهم بهجوم خاطف أزهق أرواحهم
كان كيد يراقب بعينيه القرمزيتين بحثا عن أفضل مدخل لهيكل القلعة الداخلي
اختفى كلٌ من غارث وايسيليان في وقت ما وتفرقا في المساحة الواسعة للقلعة، تمامًا كالخطة - التي لم يتم الاتفاق عليها - منصرفين للبحث عن ويس
لاحظ كيد عدة مداخل للقلعة في أماكن متفرقة والتي كانت جميعها بلا حراسة تماما، لكنه لم يكن يبحث عن أي مدخل فحسب، لقد كان كيد يبحث عن ذلك الباب وذلك الطريق الذي لن يقابل فيه ولو جنديًّا واحدًا من المائة الموجودين في القلعة
أبصرت عيناه في لحظة ما درجا حجريا ملتصقا بالجدار الخارجي للقلعة، ممددًا من جهة جانبه الأيسر، ولاحظ بابًا صغيرا في نهاية الدرج
سمعَ كيد صوت خطى العديد من الأقدام الغير منتظمة، مضافًا إليها عددًا من الصرخات المتباينة. كان الجنود الذين يركضون نحو مصدر الضجيج المفاجئ يقتربون أكثر فأكثر مع كل لحظة.
بخطواتٍ سريعة، غادرت قدما كيد ركام الأحجار والأخشاب والمعادن الصلبة التي كان يقف عليها، ثم انطلقتا في حركة واحدة نحو الدرج
كان جدار القلعة يحجب جسده عن أعين الجنود في اللحظة التي وصل فيها صوتهم الى الخارج
دون إعارة الكثير من الاهتمام، تابع كيد صعود الدرج بعد أن أمّن اخفاء نفسه للوقت الحالي.
لم تكن تبدو على خطواته العجلة، فصعد كيد ستة أمتار في عدة ثوانٍ وصولًا الى الباب الخشبي الصغير
وضع كيد يده على المقبض ناويًا فتحه، لكنه تفاجأ وتغير تعبيره قليلا بعدما شاهد الباب الخشبي يُفتح من الداخل
نظر الجندي متفاجئا من الوافد الغريب. كانت عيناه متسعتان قليلا وفمه مفتوح بعض الشيء
بقي كل من كيد والجندي يطالعان بعضهما للحظات دون أي كلمة واحدة. بدا بعد فترة أن الجندي أخيرا قد أدرك ما يجري فحرك شفتيه يريد الصراخ على المقتحم المجهول، لكن كيد أمسكه من ياقته بحركة سريعة ثم أمسك ذراعه باليد الأخرى
دار كيد بنحو مائة وثمانين درجة وثنى ركبيته قليلا.
اختفت كل أفكار الجندي المبعثرة حينما كان يحلق في الهواء رأسا على عقب. أبصر وجه كيد المقلوب لأجزاء من الثانية قبل أن يتركه الآخر ليسقط من فوق الدرابزين الحجري
لم يكن كيد متفرغًا للتأكد مما إذا كان الرجل قد لقي حتفه، أو رؤية ما هي الوضعية التي مات فيها، لذا دخل القلعة وتابع جريه ببساطة
عبست ملامحه قليلا
'لن أقابل جنديا واحدًا ها؟... بداية تدعو للتفاؤل'
وجد كيد نفسه داخل شبكة ضخمة من الممرات المعقدة المرتبطة بعضها ببعض، وكان يجب عليه اختيار كل ممر بعناية متجنبًا كلًّا من الجنود والمرور بالطريق ذاته لأكثر من مرة ودون أي تباطؤ، حتى يقوم بتمشيط هذا الطابق كليًّا منتقلًا للطابق الذي يليه، وكل هذا بالاعتماد فقط على قوة ذاكرته وردة فعله السريعة.
'سحقا! كم سيستغرق هذا؟'
لم تكن هذه أسرع خطة يمكن لكيد اتباعها، لكنها كانت بلا شك الأأمن والأكثر ضمانًا
لم يكن المقبض الخشبي لفأس كيد بين أصابعه في الوقت الحالي، بل كان يجري بيديه العاريتين تمامًا، وهو ما لم يكن أفضل شيء يمكنه فعله في وضعه الراهن؛ ففي الحالة التي قد تظهر فيها مجموعة من الجنود المسلحين فجأة، يجب على كيد حينها إيجاد طريقة للتعامل معهم لمدة لا تقل عن أربع ثوان دون أن يتم إمطاره بالرصاص، وهي اللحظات القليلة التي يحتاجها سلاح كيد لإظهار نفسه.
'لا، يجب أن أوفر أكبر قدرٍ من الريفا... استدعاء فأسي لن يخفض كثيرًا من مقدار الطاقة في جسدي، لكن الحفاظ عليه سيسرق كمًّا لا يستهان به...'
'لا زلت لا أعلم كم سيستغرقني العثور على ويس، لذا لن أخاطر باستنزاف جزء كبير من طاقتي فقط خلال عملية البحث'
'يجب علي تجنب لفت انتباه أي جندي طوال هذه الفترة'
كان كيد يفكر كثيرا باحثًا عن الحلول الأكثر ملائمة لأي عقبة تواجهه، ومخططا لأي حدث مرتقب قد يمر به
من إحدى النواحي، ربما كان كيد يبدو بخيلًا في مقدار ما ينفقه من ريفا، لكن من ناحية أخرى، كان مصيبا بتفكيره نوعا ما؛ فحتى الآن لا يزال كيد يتجول فقط في الطابق الثاني من المبنى، ترك الطابق الأول لغارث وايسيليان، وبما أن القلعة تتألف من خمسة طوابق، فلا يزال أمامه ثلاثة طوابق إضافية لاستكشاف ممراتها بعد الانتهاء من الطابق الحالي، وهو ما سيستغرقه فترة طويلة بعض الشيء
لم يكن يعرف عدد الجنود الذين سيواجههم طوال هذه الفترة، لكن كان عليه أن يكون مقتصدًا قدر استطاعته حتى لا ينفق أكثر من الحد الذي وضعه لنفسه
طبعا، ربما يحالفه الحظ ويعثر على ويس دون الحاجة لتمشيط أربعة طوابق بالكامل، أو ربما يعثر عليه أحد رفيقيه قبل ذلك، لكن كان كل من الحذر والاحتياط المبالغ ركنان أساسيان في كل خطوة يخطوها القائد الشاب
انعطف كيد يمينًا بعد سماع صوت جدالٍ قادم من الممر الأيسر. كان شعره الأسود القاتم يتأرجح في كل خطوة يخطوها دون الكشف عن جبهته. لم يكن الشاب مهتمًا لحد كبير فيما يفعله الجنود أو النمط الذي يتبعونه في تحركاتهم في الوقت الحالي، لقد كان يصب جلّ تركيزه في كيفية تجنب الدخول في اشتباك معهم
لم يكن كيد يخطط للعثور على القائد المستهدف بشكل عشوائي في أحد الممرات. كان يعرف أكثر من غيره أين سيجده. كانت معظم أبواب المهاجع والغرف التي مر من أمامها مفتوحة بعد مغادرة الجنود، لكنه لم يكن ليتوقف لإلقاء نظرة سريعة ليرى ان كان ويس يجلس بالداخل.
'أكثر باب فخم... ابحث عن أكثر باب فخم ومزخرف... أكثر باب مُكلف. يجب أن يكون ضخما أيضا'
عقد كيد حاجبيه قليلا
'اللعنة!'
في نهاية الممر الذي كان كيد يجري فيه، كان ثلاثة جنود يتناقشون بشكل حاد فيما بينهم. التفت الجنود برؤوسهم جميعا بعدما لمحوا كيد الذي ظهر صوت خطواته فجأة بالقرب منهم
لم يأخذ أحدهم لحظة للاستيعاب، صرخوا جميعا ثم وجه الثلاثة أسلحتهم نحو كيد بحركة واحدة واستعدوا لإمطاره بالرصاص. صر الشاب على أسنانه.
'اثنا عشر مترا. أحتاج أكثر من ثانية لأصل... يمكنني تفادي رصاصاتهم لثانية واحدة على الأكثر، لكن بعد ذلك سيكون جسدي مخترقا من أوله لآخره... لم استدعي سلاحي بعد، وليس هنالك ممر قريب لأغير طريقي، ولا يوجد شيء أرمي جسدي خلفه... سحقا، ماذا أفعل؟...'
مرت كل هذه الأفكار في عقل الشاب بلمح البصر، ولم يكن قد مضى على رفع الجنود لاسلحتهم أجزاء من الثانية
تحركت الحدقتان القرمزيتان لعيني كيد قليلا نحو اليمين...
في اللحظة التي التوى فيها جسد كيد وغادرت قدماه الأرض، كان مطر الرصاص الأعمى قد بدأ
رفع كيد كلا كوعيه وغطا بهما وجهه، ثم ثنا ركبتيه بينما كان يقفز
تعجب الجنود عندما رأوا جسد الرجل الغريب يصطدم بقوة في زجاج نافذة القلعة. اختلط صوت تكسر الزجاج بصوت وابل الرصاص في ممرات القلعة الحجرية
لامس الهواء البارد بعد لحظة بشرة كيد لأجزاء من الثانية قبل أن يبدأ سقوطه التسارع. لوى كيد جسده بعكس اتجاهه، ثم علق يديه بالحافة الحجرية العليا للنافذة متجنبا أن يعانق جسده الأرض بلحظة. ليتأرجح ويدفع النافذة بقدميه محطما زجاج نافذة أخرى. وسرعان ما كان يقف في أحد ممرات الطابق الأول.
لم يكن كيد مصابا إلا من بعض الخدوش الطفيفة وشظايا الزجاج التي لا تكاد تكون ملحوظة. سحبها من بشرته بحركات خفيفة وسريعة، وألقاها جانبا ثم تابع جريه. لا بد أن مجموعة من الجنود على الأقل سمعت الصوت وهي في طريقها الآن.
أو ربما لا؟... كانت العديد من الجثث تزين الأرضية الحجرية بايقاع غير منتظم. بعضهم بأطراف مقطوعة وآخرون بجماجم مهشمة. حتى أن كيد قد لاحظ بعض الرصاصات في جسد بعضهم
يبدو أن كلًا من ايسيليان وغارث لم يتبعوا نمط التفكير ذاته الذي اتبعه كيد. ربما كان النصيب الأكبر من الجثث لايسيليان لكن بدا أن غارث اشترك معه في القتال في وقت ما. لم يكن الضخم المتغطرس بحاجة لاستخدام قوته وإنفاق الريفا في قتالٍ كهذا، يبدو أنه قد اعتمد بشكل كامل على قوة عضلاته ولربما سرق سلاحا من أحد الجنود واستخدمه لصالحه، وهذا ما يفسر الجثث المغرقة بالرصاص
أثناء جريه دوى صوت تحطم أشد بعدة مراحل من الصوت الذي أصدره كيد منذ لحظات. التفت الشاب برأسه نحو الدرج الحجري وبدأ بدراسة مصدر الصوت المفاجئ...
'الطابق الثالث، الغرفة الرابعة في الممر الأول على يمين الدرج...'