كان كيد يقف في احدى الغرف الواسعة في الطابق الثالث للقلعة الحجرية، عندما قرر لسبب ما خلع معطفه الأسود الطويل، مُبقيًا على سترة ضيقة بسيطة
أثناء دخوله للغرفة، كان كيد قد لاحظ جثتين ممددتين أمام الباب الكبير المزخرف لكنه تجاهلهما تماما وتابع خُطاه. وفي الحالة الطبيعية، ربما كان يجب أن ينشغل باله أيضا بالجنود الآخرين الذين قد يهرعون الى هنا بعد سماعهم الصوت بأية لحظة، لكنه لم يكن مهتما كثيرا الآن. حتى أنه قد تجاهل دراسة تفاصيل الغرفة المزينة التي كان فيها
كان هناك شيء آخر يطغى على اهتمام كيد في الوقت الراهن
في مكان ما، انهار الجدار الحجري السميك للغرفة تاركا فجوة واسعة غير منتظمة في منتصفه، كانت كجرح عميق فتح في جسد القلعة، وأوصلها بالعالم الخارجي
دخلت أشعة الشمس الصفراء من خلال الثغرة فلامست الغبار الذي كان لا يزال عالقًا بهواء الغرفة، وكشفت المشهد خلف جدارها لعيني كيد
بثبات متزن، اقترب كيد أكثر من الحافة المتهاوية ومد يده ليضعها على جانب الجدار الحجري المحطم. ركز كيد عينيه على المشهد المقابل وبدأ باستدعاء فأسه ببطء
هناك، داخل مجال سور القلعة الضخم، على بعد نحو ثلاثين مترا من كيد، وعلى انخفاض اثني عشر مترا من قدميه. وقفت شخصيتان بشريتان أمام بعضهما في وضعية المتحدين
كان غارث يقف مستعرضًا عضلاته بوضعية مغرورة، وارتسمت على وجهه تلك الابتسامة المتغطرسة المألوفة. بدا مختلفا بشكل طفيف بسبب بعض الخدوش والجروح على جسده، لكنه كان يمكن لكيد أن يلاحظ أنه غارث بلا شك
وعلى بعد أمتار قليلة منه وقفت شخصية أخرى
بدا الرجل الآخر واثقا وهادئا بوضعية وقوفه الثابتة وظهره المستقيم وأكتافه المرفوعة. زينت شعيرات قصيرة ومتفرقة خط فكه الحاد، وتحرك شعره الأسود القاتم مع الرياح، فأعاد تسريحه للخلف بحركة من يده. كان الرجل يحدق بغارث بعينيه الزرقاوي الماكرتين بنظرة متحدية وبخوف منعدم
وجدت ندبة خطية عميقة وبشعة طريقها الى خده. كان الجرح الملتئم العتيق خشنا بشكل منفر، لكنه أعطى إضافة لطيفة عززت مظهره الرجولي الحاد
ت. م: "من النوع الي نفسك تعصر ليمونة عليها... اسف... لا شوي مش اسف روايتي هاي"
حرك الرجل رمحه الذهبي الطويل بين أصابع يده، ناسجًا حلقة دائرية بتلويحة استعراضية سريعة، ثم أخذ وضعية قتالية ووجّه رأس رمحه نحو غارث
عبس كيد قليلًا.
'ويس...'
كان الشعور الذي شعر به كيد في تلك اللحظة غريبا وغير مألوف لأبعد درجة. إن كان سيطلب منه أحدهم أن يصف حساسه ربما كان كيد ليقول شيئا أشبه بـ: "شعرتُ وكأن أحدهم قام بشفط كل الهواء من رئتي فتركهما فارغتين، ثم ضربني على رأسي فأصبح محيطي ضبابيا وغير واضح البتة"
كان كيد ينتظر هذا اليوم وهذه الفرصة لأكثر من عام، لكنه لم يتوقع أن يراوده احساس غريبٌ وغير مفهوم كهذا
أصبحت أنفاسه ثقيلة بعض الشيء وارتجف فمه بحركة ملحوظة. لكن لم يدم هذا طويلا، استطاع كيد أن يسيطر على مشاعره المتضاربة وعاد بتركيزه للمعركة الحاصلة
كان القتال بين غارث وويس طاحنًا وشرسا لحد يفوق القدرة البشرية. التقى الرمح الذهبي الخاص بويس بيد غارث العارية بهجماتٍ سريعة وقاسية. في الواقع، لم تكن يد غارث عارية بالمعنى الدقيق. نعم، لم يكن يحمل سلاحا كالسيف أو الفأس ليقاتل به، لكن كانت قدرته الخاصة تغنيه عن ذلك
غطت طبقة صخرية سميكة كالدرع كلا ذراعي غارث من مرفقه حتى قبضته. كان الضخم يصد هجمات الرمح القاطعة والمخترقة بيده الحجرية ويوجه هجمة بالأخرى
على خلاف ويس الذي كان يبدو أنه يتبع نمطا معينا وأسلوبا قتاليا ساحقا وخشنا بعض الشيء لكن متقنا ومحسوبا بدقة، فقد كان غارث يقاتل بهمجية بالغة وحركات غير مدروسة. ومع ذلك، كان الضخم يسيطر على المعركة بتفوق واضح
رفع غارث يده ليصد ضربة أفقية من رمح ويس، ثم قبل أن يسحب الآخر سلاحه كانت قبضة غارث قد طارت لتلتصق بوجهه. ترنح ويس قليلا لكنه لم يسمح لنفسه بالتراجع، استعاد توازنه سريعا ولوح بالرمح ليضرب بكعبه أسفل ذقن غارث.
غاب نظر غارث عن المعركة لأجزاء من الثانية، خلالها، التفت ويس بشكل كامل وقد كان في منتصف ضربة جانبية قاطعة. كان بإمكان غارث صد الضربة بذراعه، لكن الزخم الناتج عن الضربة الأفقية الطويلة كان لا بد من أن يسبب أذى يحتسب عليه، لذا اختار الضخم تجنبها ببساطة
سمعَ غارث صوت الصفير الحاد لنصل الرمح الذي قطع الهواء أمام عينيه، ثم بينما كان لا يزال محلقا، أمسك بمقبض الرمح بيده اليسرى وشدّ قبضة الأخرى ووجه لكمة صاعدة نحو وجه ويس
كان كيد على ارتفاعه يراقب المعركة بتفاصيلها دون تدخل
'يبدو أن ويس لم يستخدم قدرته الخارقة حتى هذه اللحظة'
بالفعل، لم يفعل ويس شيئا خلال معركته سوى التلويح برمحه محاولًا إصابة غارث، ومع أنه كان يستخدم اسلوبا قتاليا فريدا، ويتحرك بسرعة تفوق المعدل الطبيعي للبشر، إلا أن هذا لم يكن كافيا لهزيمة الضخم الحجري
لم يُظهر قائد الجنود قدرة مميزة وخاصة مثل التحول العملاق لفورج أو التسليح الجليدي لايسيليان أو اللهب الأسود الخاص بكيد، حتى هذه اللحظة
كان ذو العينين الماكرتين يحمل كدمات على جسده أكثر مما فعل خصمه بفرق واضح، وكان قد نزف خلال المعركة كمية ليست بقليلة من الدماء
كان على ويس امتلاك ورقة رابحة تقلب المعركة لصالحه، أو على الأقل تجعله على قدم المساواة مع غارث
وبينما كان كيد يفكر بهذا حصل تغيير واضح على مجريات المعركة أمامه.
اللكمة التي كانت ترتفع نحو أسفل ذقن ويس تباطأت فجأة. شعر غارث بأن وزن الهواء قد ارتفع وكأنه يطلب كلفة إضافية للسماح له بالتحرك، وعندما لامست القبضة الحجرية للضخم هدفها أخيرا لم تكن مؤثرة بالقدر الذي خطط له... مجرد لمسة بسيطة لم تترك حتى أثرا على وجهه
صر غارث على أسنانه بتعبير غاضب، وارتسمت على وجه ويس ابتسامة استهزاء مكسورة. كان يبدو وكأن الآخر يعاني لتحريك وجهه المشدود.
حاول غارث أن يسترجع ذراعه مجددا، لكن العملية كانت أصعب من توجيه اللكمة نفسها. شعر بأن الأرض تسحب ذراعه للأسفل بمقاومة عنيدة. لم يكن الأمر عصيًّا على قوته الهائلة، لكن كان عليه أن يعتاد على التعامل مع المتغيرات الجديدة دون فقدان توازنه
ضاعف الضخم جهوده محاولا سحب قبضته بأسرع وقت، وحينها انطلقت ذراعه بعنف للخلف، وشعر بكتفه الذي كاد أن يتمزق. لم يكن هذا فقط، إذ اختل توازنه وبدأ يتهاوى للخلف. كان كشخص يشد الحبل بكل ما أوتي من قوة، فقط لينقطع الحبل تاركا اياه مندفعا بلا توازن، وفريسة سهلة لأي هجوم مباغت
لم يكن ويس ليترك لحظة من الدفاع المكشوف تمر مرور الكرام. انطلق القائد بحركة خاطفة للأمام وحرك رأس رمحه ليوجهه نحو صدر غارث، في اللحظة ذاتها التي لامست فيها الأرض ظهر الآخر
انقض الرمح من الأعلى بتسارع بطيء في البداية وكأن الأرض ترفضه، ثم فجأة تضاعفت سرعته، وبومضة عين كان الرأس الحاد ملتصقًا بصدر غارث... أو بالحاجز الصخري الذي غطى صدره. في وقت ما، اختفت الطبقة الصخرية التي التصقت بذراعي غارث وتحركت لتحمي قلبه من الهجوم القادم الذي استطاع توقعه. اصطدم رأس الرمح ارتطاما هائلا بالدرع الصخري، ليتشقق الحجر تحت النصل، وتتكسر طبقته الخارجية، لكن الدرع المستعجل أدى وظيفته بحماية غارث... جزئيا
اخترقت الصدمة المروعة صدر غارث، فانحبس نفسه وارتجّ جسده تحت الثقل الهائل للضربة. رفع يده بعجز ليمسك بمقبض الرمح الذي لا زال ويس يدفعه. أطلق الضخم زمجرة مكتومة ممزوجة بالألم عندما شاهد ويس يبتسم له بخبث استفزازي
ضيق كيد عينيه قليلًا. لم يكن قلقًا على غارث، فقد قاتل الآخر بجانب ويس لفترة جعلته مدركًا لقدرته الخاصة وطريقة قتاله. كان سيجد حلًّا للخروج من مأزقه بلا شك
كان كيد يقوم بحساباته الخاصة
'عشرة أمتار لنصف القطر. تطوّر ملحوظ منذ لقائنا الأخير، لكن... هل هذه حتى أقصى حدوده أم أنه لم يظهر كل ما في جعبته بعد؟... لا أدري، وأيضا من ناحية منطقية، فهو لا يحتاج لاستخدام مجال واسع كهذا في قتاله ضد غارث وحده، ثلاثة أمتار تكفي. لكن يبدو أنه يحاول استعراض قوته أمام الضخم لإخافته... لا شك أن ويس يعلم أنه لن يتمكن من بث الرعب في الضخم المتغطرس، لكن قد يضغط هذا ولو بشكل طفيف على تفكيره... هذا يعني أنه ربما يستخدم حدوده الكاملة بالفعل
ويبدو أنه ليس فقط دائرته بل حتى قدرته في التأثير على الجاذبية قد ارتفعت بنسبة معقولة... ثلاثة أضعاف ربما؟ وبالنسبة لقدرته على خفضها، هل لا تزال كما هي أم أنه لم يستخدمها بشكل كامل؟... هناك احتمال أيضا بأنه قد خفض الجاذبية ثلاث مرات، لكن هذا يعني أن غارث في تلك اللحظة لم يتسرع كثيرا وحاول دراسة القوة التي يسحب ذراعه بها ليخرج بأقل ضرر؛ أي أنه توقع التغيير المفاجئ بقدرة ويس وحاول التصرف بناء على ذلك... لا، لا هذا بعيد جدا... '
بالتأكيد، لم يكن غارث جاهلًا بقدرات رفيقهم القديم، لكن بالنسبة للقتال فحتمًا لم يكن الأسمر هو الأذكى والأكثر تكيفا. كان لديه ادراك مسبق لقدرة ويس الخاصة وطريقة عملها وكيفية التعامل معها في بعض الأحيان. لكنه كان عاجزًا عن توقع التغييرات المفاجئة والهجمات المباغتة في معظم الأوقات، وتلك التي توقعها لم يمتلك دائما الحيل لتحويلها لصالحه أو على الأقل التصدي لها. لكن كان بإمكانه أن يفعل... أحيانًا
على سبيل المثال، استطاع غارث التنبؤ بمضاعفة الجاذبية التي خطط لها ويس عندما كان يوجه الرمح نحو قلبه، واستغل الأجزاء القصيرة من الثانية لتغيير تمركز الدرع الحجري من يديه لصدره
طبعًا، لم تكن الطبقة الصخرية كافية لإيقاف الضغط العامودي لنصل الرمح الذهبي لفترة طويلة، خاصة عندما يكون هذا الضغط مدعوما بجاذبية مضاعفة لثلاث مرات. لذا كان على غارث التصرف بشكل عاجل قبل أن يخترق الرمح صدره.
فتح الضخم فمه ثم أطلق صرخة غاضبة بينما كان يستمر بمحاولة دفع الرمح عن صدره. حتى مع قوته الهائلة لم يكن غارث قادرًا على مواجهة الجاذبية المضاعفة، خصوصا عندما يكون في وضع كهذا، ولم تكن هذه خطته العبقرية أصلا.
لاحظ ويس ظلا صغيرا كان ينمو شيئا بعد شيء، ثم سحب رمحه وقفز للخلف بصعوبة عندما بدأ الظل يكبر بمعدل أسرع. تدحرج غارث للخلف وأخذ مسافة آمنة قبل أن تسقط الصخرة وتتحطم على الأرض. لم تكن الصخرة ضخمة بشكل مهول، لكن مع الجاذبية المضاعفة ثلاث مرات فقد كانت قاتلة لأي عدو كان.
بدا أن الجاذبية عادت لطبيعتها. تنفس غارث بصعوبة وبدأ صدره يرتجف مع كل نفس، لكن مع ذلك ظهرت ابتسامة فخر ملتوية على وجهه. ربما شعر الضخم بعد التصدي لضربة رمح ويس، ومن ثم إجباره على التراجع، بفطنة حادة يمتلكها. كان غرورًا متمثلًا بكونه يمتلك ذكاء حادًّا في القتال يفوق غيره بمراحل
لكن سرعان ما تغيرت ملامحه تدريجيا وأصبحت قاتمة بعض الشيء
'اللعنة! إذا استمررت على هذا الوضع سأستهلك كل قطرة ريفا من جسدي... الثوان الأخيرة لوحدها استهلكت مني ما لا يقل عن خُمس طاقتي... يجب ألا استخدم قدرتي مع الجاذبية المضاعفة، لذا يجب ألا أقع في وضع مماثل مجددا... وأيضا أعتقد أنني سوف... '
كان ويس يراقب بعينين مرهقتين. شاهد الدرع الحجري الذي غطى ذراعي غارث في وقت ما ثم قفصه الصدري، يسقط أرضا ويتشتت لمجموعة غير متناسقة من الحجارة الصغيرة. بدا أن غارث يرغب بمقاتلته بأيدٍ عارية تماما هذه المرة
دون تأخير، ابتسم ويس وانقضّ نحو غارث بسرعة رهيبة، ثم اندفع برمحه بحركة مائلة للأسفل وضاعف الجاذبية. كاد الرمح أن يخترق غارث شبه مشلول الحركة... لكن كان لكيد رأي آخر
قبل لحظات، على أرضية الطابق الثالث للقلعة الحجرية كان الشاب ذو الشعر الأسود ممسكًا بمقبض فأسه وثابتًا بهدوء، ينتظر اللحظة المناسبة لاستغلالها
'إذا كانت فرضيتي صحيحة...'
أعاد كيد فأسه للخلف مستعدًا لرميه
'لن ينفق ويس المزيد من الريفا على تباهٍ طويل الأمد...'
أحكم قبضته وثبت كلا عينيه على الهدف
'لا بد أنه سيرخي مجاله لثلاثة أمتار في أية لحظة...'
انتظر كيد عدة ثوان ثم عدة ثوان أخرى
وسع عينيه وأخذ نفسا عميقا
'الآن! '
غادر الفأس الحاد ذراع كيد وحلّق بقوة مرعبة، لكنه لم يكن يحلق نحو ويس بشكل مستقيم... لقد طار الفأس لأعلى وصارع الرياح
فقد الفأس تسارعه بعد ثوانٍ واستسلم لقوة الجاذبية واتجه للاسفل. كان الفأس يهبط بسرعة معقولة عندما كان على ارتفاع من ساحة المعركة، لكن وما هي إلا لحظات حتى تضاعفت سرعته ليسبق الرصاص قبل أن يخترق نصله الأرض ويزرع نفسه فيها
في ساحة القلعة الخارجية، سقط الفأس المعدني الخاص بكيد والذي ألقاه منذ لحظات، وسقط الرمح الذهبي الخاص بويس والذي كان يوجهه نحو غارث
وسقطت ذراع شاحبة وسالت منها الدماء..
كان ويس يحدق بذراعه المقطوعة بعينين مصدومتين