كان العالم هادئا للحظات. تجمد غارث مكانه وفتح فمه من الحدث الغير متوقع. منذ أقل من ثانية كان ويس يدفع الرمح نحوه لاختراق قلبه، والآن ها هو الرمح وها هي ذراع ويس ممددان على الأرض

أصبح تنفس ويس ثقيلا لثوان وهو يطالع ذراعه المقطوعة الملطخة بالدماء. ارتفع صدره وهبط قبل أن تفلت من صدره صرخة حادة مزعجة

كان السائل القرمزي يندفع من موضع القطع اندفاعا عنيفا، كنافورة مقززة يضخها القلب لإنقاذ ما لم يعد موجودا، وكان ويس لا يزال غير مدرك لما حدث بالكامل. أخرج القائد المصدوم تأوهًا مكتوما ثم عض على أسنانه

صمت العالم إلا من الأنفاس الثقيلة المتكسرة للقائد الصلب. راقب ويس الفأس المعدني وهو يتحول لزوبعة من الشرَر قبل أن يختفي ويزول تماما. زم ويس شفتيه محاولا اخفاء أنينه وتعبيراته المتألمة.

خلع معطفه الرمادي بحركة سريعة ثم حمله ووضعه بين أسنانه، وبدأ القائد بتمزيق القماش السميك بالاعتماد على ذراعه الوحيدة وأسنانه الحادة. صنع ويس خلال لحظات شريطًا متماسكا طويلًا وبدأ بلفه حول الجزء الغير مقطوع من ذراعه لإيقاف النافورة الدموية المتدفقة

كان غارث يراقب بصمت تام دون حتى التفكير بالتدخل. لم يكن واضحًا إن كان يرفض مهاجمة القائد العاجز بسبب بعض المبادئ التي يلتزم بها كمقاتل، أم أن عقله لم يُكمل تفكيك وتحليل اللغز المعقد والغامض جدا الذي جرى أمامه. ربما حتى لم يدرك بعد أن ذراع ويس كانت مقطوعة... لقد كان كل شيء واردًا

عبس كيد بعد أن نظر إلى الضخم الجامد. كانت هذه أفضل فرصة قد تمنح له للتخلص من ويس وها هو يضيعها بحماقة مثيرة للأعصاب. ارتعش جفنه السفلي قليلا.

'حقًّا؟...'

صر ويس على أسنانه حتى قاربت على التحطم بينما كان يشد على القطع لإيقاف النزيف.

انحنى ويس قليلا ليلتقط الرمح الملقى على الأرض، ثم أمال رأسه ببطء ورفع نظره باحثا عن شيء ما في القلعة. ثبت القائد بصره بعد لحظات نحو المكان البعيد الذي وقف فيه كيد.

أظهر ابتسامة واسعة متكسرة ظهر فيها بشكل جلي الألم الذي حاول إخفاءه. حدق كيد مباشرة بعينيه للحظات ثم حوّل نظره إلى سطح الأرض الذي يبعد اثني عشر مترا عن قدميه

كان يدرك أن ويس يعضُ لسانه لإخفاء الألم الفظيع الذي يعاني منه. لم يكن ويس قويا جدًا أو شخصًا لا يتأثر بالجروح المروعة التي قد تصيبه، لم يكن شيطانًا أو وحشا أو شيئا من هذا القبيل، لكنه أيضا لم يكن شخصا ضعيفا للحد الذي يجعله يتوقف لأكثر من عشر ثوان بسبب فقدانه لذراع واحدة.

كان ويس شخصا مميزا... أو غريبا ليكون الوصف دقيقا

كان ويس يعاني متألما بلا شك، لكن طبيعته المختلفة منعته من إظهار الكثير من التعبيرات المتألمة كما قد يفعل غيره

لم يرد أحدٌ أن يظهر بشكل ضعيف أمام عدوه بعد كل شيء. كان كل شخص ليتصرف بأسلوب يوحي بأنه مسيطر وغير مبالٍ بعد تعرضه لهجمة من الطرف الآخر. مع ذلك، قلة فقط هي التي تستطيع أن تحافظ على رباطة جأشها، ولو حتى جزئيا، عندما يكون الجرح مروعا لهذه الدرجة

وفي حالة ويس كان الجرح قطعا نظيفا أفقده القدرة على استخدام كل ما هو أسفل كتفه... لكنه مع ذلك كان يحدق بكيد وقد ارتسمت على وجهه ابتسامة ملتوية ومشوهة

خرجت صرخة بالكاد من حنجرته:

"اووي كيد!... هل قررت الانضمام للحفلة؟... لا أمانع الرقص مع اثنين كما تعلم... لكن في حالتي.. اممم!"

القى ويس نظرة نحو ذراعه المقطوعة ثم تابع:

"لا.. انا بأفضل حال... يمكنني الرقص بشكل جيد بالتأكيد"

أضاف بابتسامةٍ مستهتره:

"حاولوا مسايرتي!"

انزلقت قدماه لتجنب لكمة مفاجأة من غارث، ثم تدحرج ليمسك برمحه ويلوح به مستهدفا حنجرته. تفادى الآخر النصل الحاد بسهولة واندفع بسرعة ليوجه لكمة أخرى. صد ويس الضربة بمقبض رمحه لكنه تراجع قليلا للخلف. كان غارث يستعد لينقض عليه بوابل من اللكمات لكن حركته شلّت فجأة

كان الضخم قادرا على الصمود أمام الضغط المروع الناتج عن الجاذبية المضاعفة بشكل جيد دون أن تسحق عظامه، وحتى أنه كان قادرا على الحركة ولو بشكل بطيء. لكن لم يكن الأمر كذلك بالنسبة لويس نفسه.

لم يكن القائد خارج نطاق قدرته وكان ملزما على التأثر بالجاذبية المزيفة داخل الكرة الوهمية؛ أي أنه لم يكن معفيًّا من التأثر بما يتأثر به عدوه من الجاذبية المضاعفة أو تلك المخفضة. وبما أن ويس لم يكن قريبا حتى من القوة العضلية لغارث فيجب أن تكون مقاومته وقدرة تحمله أقل بمراحل

مع ذلك، كان ويس معتادًا أكثر على التحكم بجسده في حالات الضغط الشديد؛ كنتيجة لعشرات المعارك التي خاضها برفقة هذا الوزن الهائل

كما قد كان ويس أكثر خبرة وتمرسًا وقدرة على القتال في هذه الأوضاع، مع عدم ذكر أن التحكم بهذه الخاصية الفيزيائية، كانت قدرته الخاصة هو عن دون أعداءه، أي انه يمكنه تغيير الجاذبية في أية لحظة لما يناسبه؛ ليراوغ عدوه ويخدعه ويرخي توازنه ويفشل ضرباته

وهذا ما فعله...

ترنح غارث بعد أن انخفضت الجاذبية أكثر من المعدل الطبيعي، ولم يستطع صد ضربة الرمح الصاعدة الموجهة نحو حنجرته، لكنه نجا بالكاد بعد أن تنحى قليلا لتصيب كتفه بجرح عميق اخترق أنسجة عضلاته

صر غارث على أسنانه متألما لكنه تابع

ظهرت تشققات سطحية على الأرضية الحجرية تبعتها تصدعات مرئية بوضوح، ثم ارتفعت سلسلة من الصخور على شكل حلقة دائرية لتحيط بالمتقاتلين، لكنها سقطت مباشرة بفعل الجاذبية المضاعفة

شلت حركة كل من غارث وويس للحظة، قبل أن يقفز الأخير قفزة تعارضت مع قوانين الفيزياء المعروفة، كنتيجة لتحكمه بها. سحب ذراعه للخلف ووجه رأس الرمح للأسفل

رفع غارث رأسه ونظر لويس الذي ارتفع فوقه بأمتار، ثم قفز للخلف بحركة واحدة متجنبا بأجزاء من الثانية أن يصيبه الرمح الذي سقط كالصاعقة مدمرا ما لامسه

هبطت قدما ويس على الأرض بخفة طائر يهبط على عشه، ثم أخرج الرمح بسرعة ولوح به عدة تلويحات قاطعة تجنبها غارث بصعوبة.

انهارت الأرض فجأة من تحت ويس كزلزال أصاب نطاقا محصورا بما لا يزيد على مترين اثنين. قفز بسرعة ليمينه حيث انتظره غارث بلكمة مستقيمة، لوى ويس جسده بالهواء لتصطدم اللكمة بكتفه عوضا عن أضلاعه، ثم تراجع عدة أمتار للخلف، قبل أن يوقف غارث المندفع نحوه بعدما ضاعف الجاذبية

لم يكن غارث يغلف يده بطبقة صخرية في هذه الضربة، لكن ذراعه ما زالت ساحقة ومدمرة وربما قاتلة أحيانا إن وجهها بشكل صحيح. حتى مع أنه اختار الجانب الذي لا توجد فيه ذراع مقطوعة، إلا أن الضربات التي كان الضخم يقدمها قد كانت أشد وأقسى مما يقدر الجسد الرشيق للقائد الذكي على تحملها

'سحقا!'

لم يضع ويس المزيد من الوقت

انطلق القائد نحو غارث بسرعة خاطفة ثم وجه رأس رمح نحوه. لم يتحرك الضخم ليصطدم الرمح بطبقة صخرية كبيرة خرجت فجأة واستقرت أمامه. غُرس رأس الرمح وعلق بالصخرة، ثم خرج غارث من جانبها وهو يشد قبضته. سحب ويس الرمح سريعًا وضاعف الجاذبية ليوقف غارث.

شعر فجأة بظل يتحرك بشكل غير مألوف. توسعت عيناه قليلا عندما رأى الصخرة تنحني باتجاهه، كانت كقطعة دومينو صغيرة تسقط من الخارج، لكن من وجهة نظر ويس فقد كانت كموجة ضخمة تستعد لطمسه

ابتسم غارث بخبث..

كانت الجاذبية المضاعفة ستساعدها بالسقوط بشكل أسرع وأقوى، بينما كانت المخفضة ستسمح لغارث بأن ينقض عليه... وطبعا، كان التعرض للكمة واحدة خير من السحق بواسطة صخرة عملاقة

خفض ويس الجاذبية لإبطاء الصخرة ومنعها من هرسه، واستعد للتصدي للكمة القادمة. اصطدمت قبضة غارث بالكتف المقطوعة لويس فأطلق الأخير صرخة مكتومة وشعر بعذاب حارق، لكنه لم يتوانى للحظة بل لوى جسده وحرك رمحه نحو حلق خصمه

استطاع غارث أن يتفادى الضربة ويتراجع قليلا قبل أن يبادر ويس بالضربة الثانية بحركة مخترقة من رمحه

تغير أسلوب قتال القائد ذو العينين الملكيتين بعد أن قطع كيد ذراعه، ليس تغيرا بسيطا متمثلا بأنه أصبح يعتمد على ذراع واحدة فقط في مبارزته، بل تغيرًا جذريًا في اسلوب قتاله الخشن العنيف، الى أسلوب أكثر رشاقة واندفاعية

مدموجا مع قدرته الخاصة على التحكم بالجاذبية، كان ويس يسيطر على ساحة المعركة للحظات

بدا من أسلوبه الحالي وكأن القائد قد كان يحاول التخلص من خصمه الأول، قبل قدوم رفيقه فتصبح المبارزة غير عادلة

كان كلا الخصمين قد ابتعدا عن بعضهما بمسافة ملحوظة

أعاد ويس ذراعه للخلف، ثم اخترق الرمح الهواء الساكن وحلق نحو غارث بسرعة مرعبة. لم يكن الأخير قادرًا على تجنبه، لكنه لم يكن بحاجة لأن يفعل. لحسن الحظ، تكفل النصل المعدني لفأس كيد الذي ظهر من العدم بمهمة التصدي للرمح الطائر

لم يكن كيد قد دخل ساحة المعركة منذ أكثر من لحظة ولم يثبت قدميه على الأرض حتى، عندما انبهر لحظة رؤيته ويس يجثو عندهما ممسكا برمحه الذهبي

'سحقا! متى أصبح هنا؟...'

أرسل كيد فأسه ليسقط نحو عنقه لكنه كان بطيئا نسبيا بسبب الجاذبية الضعيفة التي تحكم بها عدوه

انسحب ويس بسرعة وأخذ مسافة أمان عن عدويه

كان صدر غارث يبدو كأنه سينفجر من أنفاسه عندما نطق متذمرا:

"لم أحتج مساعدتك. كنت قريبا من هزيمته لولا قدومك"

لم يجب كيد وظل صامتا

سلّ قائد الجنود رمحه مجددا ليبارز عدوّين هذه المرة

بدا أن الخصم العنيف قد قرر إظهار حدود قدراته أخيرا

***

كان ايسيليان مستلقيًا على ظهره بينما يملأ الهواء رئتيه بصعوبة. كان بحاجة لراحة مستعجلة بعد كل ما واجهه داخل القلعة. استطاع أن يقتل ويصيب عشرات الجنود منذ لحظة دخوله، وقتل غارث بعضهم أيضا، لكن لم يكن ذلك كافيا.

مهما قتل وقتل ظل هنالك المزيد

'اللعنة! ألا ينتهون؟...'

صر ايسيليان على أسنانه مستاء. كان هنالك العشرات المتبقون لقتلهم وقد اقترب هو من الوصول لحده، وكان سيفه الجليدي الحاد والبسيط ملقى على بعد أمتار قليلة منه. كان بحاجة للراحة... كان يحتاجها بلا شك، لكن وللأسف لم يتمكن الشاب المسكين من الحصول عليها

في الوقت الحالي، كان أحدهم يجلس فوقه. ضاغطًا على صدره بكل قوته، كان الجندي الحاقد يحمل سكينا صغيرا بعد أن سقط سلاحه في وقت ما، وكان يدفعها بأقصى ما يستطيع نحو صدر ايسيليان. قدم الشاب الساحر ما بقي من طاقته محاولا منعه، لكن بلا نفع. كان السكين يتقدم أكثر وأكثر نحو هدفه

تسارعت أنفاس ايسيليان وهو يقاوم بكل ما أوتي، وبشكل غريب... حصل عكس ذلك تماما مع الجندي. أصبحت أنفاس الجندي الغاضب أكثر بطئا وتقطعا مع كل لحظة. خرج بخار خفيف من رئتيه المتعبتين مع كل نفس، وتحولت عيناه الحادتين ليصبحا غائمتين تماما. ببطء لكن بثبات، بدأت أطرافه بالتصلب وأصبح تحريكها أكثر صعوبة في كل لحظة

تلاشت الأصوات المحيطة به وأصبح وجه الجندي شاحبا تماما وازرقت شفتاه. كان جسده كالحجر لكنه استمر محاولا دفع السكين الصغير نحو قلب ايسيليان بكل يأس

ضعفت قوته باستمرار حتى استسلمت لمقاومة الشاب المستلقي أرضا. تجمدت أطرافه تماما وتصلبت، وأصبح لون جلده أزرقا داكنا بالكامل وانقطع نفسه واختفى

دفع ايسيليان الجندي عن جسده بما تبقى من قوته لينزاح الأخير ويسقط أرضا. تكسر الجسد البشري بمجرد سقوطه وتفتت مباشرة كقطعة جليد باردة.

تنفس الشاب المستلقي تنفسا أجشا...

"اخيرا... لحظة من الراحة"

لسوء حظه، قاطعه صوت خشن على بعد أمتار قليلة:

"من انت؟ ما الذي تفعله هنا؟"

رفع الشاب رأسه بصعوبة بالغة ثم نظر أمامه. لاحظت عيناه عددا من الجنود الواقفين... خمسة؟ عشرة؟ أم عشرون؟... لم يكن يستطيع عدهم لكنهم كانوا أكثر مما قد يستطيع مواجهته... في الواقع، كان جندي واحد أكثر مما يستطيع مواجهته في حالته هذه

ببطء، وقف دون أن يقول كلمة واحدة ثم ألقى نظرة متفحصة على الجنود. تراجعت قدماه شيئا فشيئا بينما ظل يرمق الجنود بعينيه. اختفى الشاب فجأة في أحد الممرات دون أن يلفظ بحرف

رمش عدد من الجنود سويا ثم صرخ أحدهم:

"اللعنة! لقد هرب أمامنا"

"لمَ لم يفعل أحدكم شيئا؟"

"لمَ لم تفعل أنت شيئا؟"

"لاحقوه قبل أن يفر!"

انطلق الجنود بتشكيل متشتت وانعطفوا بعد لحظات ودخلوا الممر الذي اختفى ايسيليان فيه

بينما كانوا يجرون، انزلقت قدما أحدهم فسقط أرضا وبدأ جسده يتزلج على الجليد، ثم تبعه رفاقه

كان ايسيليان في وقت سابق قد حول هذا الممر لساحة تزلج خاصة به. كان تحويل أرضية ممر كامل وتغطيتها بالجليد مهمة شاقة وطويلة قد تستغرق عدة دقائق، لكن كان الأمر سهلا نسبيا عندما لم يتطلب سوى صنع طبقة رقيقة مهمتها الإخلال بتوازن ملاحقيه. ولم يكن صعبا عليه تخطيها بنفسه بسبب معرفته بوجود فخ من هذا النوع في هذا المكان من جهة، واعتياده على التزلج على جليده الخاص من جهة أخرى.

ضحك ايسيليان ضحكة مكتومة خرجت بالكاد مع أنفاسه الثقيلة المتقطعة ثم قال:

"ضحكت وانا أمن سيبراني"

انحنى بخوف واكمل هروبه بعد أن أصابت رصاصة شعره الأبيض اللامع. كانت أرضية الجليد ستعيق الجنود لفترة وجيزة وكان عليه الاختفاء عن نظرهم في هذه الفترة

'سحقا لهذا! ماذا يحدث مع كل من كيد وغارث بحق؟ هل عثرا على ويس حتى؟'

***

كان ويس يعصر ذراعه المقطوعة ويصر على أسنانه متألما بينما خرجت أنفاسه مرهقة من رئتيه. وجدت المزيد من الجروح طريقها الى جسده مع الوقت وتميز من بينها جرح طولي عميق على صدره العاري. نظر الى غارث وكيد بتعبير غاضب

كان الثنائي متعبا ومصابا بالمثل، لكنهما كانا أفضل حالا من القائد المتحكم بالجاذبية بمراحل

لم يكن هنالك وقت للراحة أو التعافي. انطلق ويس وعاد للتلويح برمحه الذهبي من جديد...

2026/03/14 · 15 مشاهدة · 1980 كلمة
نادي الروايات - 2026