تطايرت الشرارات من التقاء المعدن بالمعدن، وعلا صوت صلصلة الأسلحة الحادة. ضغط الرمح الذهبي لويس بقوة على فأس كيد مجبرا إياه على الدفاع، ثم تراجع الأول وابتعد بعد لحظات من الهجوم السريع المتتابع
انطلق عمود من اللهب الأسود من كف كيد، لكنه انضغط وانكمش فجأة. احترق اللهب القاتم وتلاشى قبل أن يلامس جلد ويس
'سحقًا! لقد استهلكت جوهري أكثر من اللازم في هذه الضربة... لا يمكنني استخدام قدرتي على هذا النحو'
كانت منافع قدرة كيد محدودة في القتال الحالي. استطاع القائد ذو العينين الزرقاوين الحاقدتين أن يمنع عدوه من التحكم بقدرته كما يريد
قلصت جاذبيته المضاعفة من عُرض النيران ومداها ومدة اشتعالها، بينما أضعفت المخفضة من قوة طفوها، فجعلتها مشتتة وبطيئة وضعيفة. ومع احساس ويس بالارتفاع المفاجئ في درجة الحرارة الذي يسبق إطلاق كيد لقدرته، ومع استخدام كلا قدرتيه بفطنة وذكاء، جعل كيد عاجزا عن استخدام قدرته كما يحلو له، وتحكم بإيقاع نيرانه وطبيعتها
ليس وكأن كيد كان بإمكانه التحكم بقدرته بكامل الحرية من الأساس. في الواقع، كانت قدرة كيد محددة بعدد لا بأس به من الضوابط التي تمنعه من استخدامها كيف ومتى يشاء
نظر ويس الى خصميه ثم ركز عينيه على كيد وابتسم بغرور
"ولماذا العبوس؟ لا يليق هذا بوجهك يا تلميذي الصغير... وهل ظننتَ حقًا أنك الوحيد الذي تعرف قدرات خصمك وكيفية التعامل معها؟ اووو هيا! حقا كيد؟ سبع سنين كاملة. بالطبع سأكون أعرف كيفية التعامل مع قدرتك على الأقل... أو ليصح التعبير، طبيعة قدرتيكما"
حول ويس نظره الى خصمه الآخر ثم تراجع بحركة من قدمه
"كيد، أيمكنني طرح سؤال؟"
انحنت زاوية فمه قبل أن يتابع:
"كم استهلكت من جوهرك؟ كم بقي من الريفا الخاصة بك؟"
صر كيد على أسنانه دون أن يشيح بنظره
في الواقع، لقد كان كيد يعرف أنه لم يبقى الكثير
عادة ما يستخدم مصطلح الريفا (the riva) لوصف الطاقة الخام التي تتدفق في عروق البشر، قبل أن يتم إعادة تشكيلها وتوجيهها من قبل المستيقظين، مشكلةً النواة الأساسية للقدرات المتنوعة
لم يسبق لكيد أن شاهد بشريان اثنان بنفس القدرة تماما، فحتى لو كان هناك تشابه كبير وواضح بينهما، فلا بد من وجود اختلاف بسيط وملحوظ في طبيعة القدرة المتشكلة
خذ على سبيل المثال قدرة كيد. كانت قدرته تسمح له بتشكيل اللهب وتوجيهه، وقد كان هذا اللهب يتمتع بالخصائص ذاتها التي يتمتع بها غيره، لكن الاختلاف مع غيره من أصحاب القدرات كان قد جاء بميزة بسيطة وغير مهمة... اللون
لسبب ما، كان لهب كيد أسود قانيا كالظلام، بينما قد يكون لهب أقرانه أحمر أو أزرق أو غير ذلك. لم تكن خاصيةً مؤثرة ونافعة لحد كبير، ولم تكن تحمل الكثير من الاختلاف، لكن هذا الاختلاف البسيط في جوهر قوة كل شخص هو ما أنشأ طيفا هائلا من القدرات
لم يكن بإمكان كيد أن يتخيل هذا الكم الهائل من التنوع غير المعقول، لكن ما سهل عليه الأمر إلى حد ما، هو أنه في الواقع لم يكن كل شخص من مليارات البشر الأحياء يمتلك قدرته الخاصة، أو ليصح التعبير... لم يكن كل شخص يتحكم بقدرته الخاصة
في الواقع، لم تكن هذه الفئة تتخطى الواحد بالمئة من مجمل العدد البشري، لكنها بلا شك فقد كانت الأكثر تميزا بينهم
وهم الذين أطلق عليهم لقب المستيقظين أو المختارين، أو حتى المتحكمين عند بعض الجماعات
كان المستيقظ هو الوصف الأكثر شيوعا للتعبير عن مستخدمي القوى، ويرمز إلى أولئك الذين أيقظوا القوى الخاملة في داخلهم وحصلوا على قدرتهم الخاصة
وقد كان كل من كيد وغارث وفورج وايسيليان وحتى ويس من هذه الفئة المتميزة
كان كل شخص محكوم عليه بأن يكون مستيقظا يحمل كمًا محدودًا من الريفا أو جوهر الطاقة يفيض في داخل جسده. وهذا - مع بعض العوامل الأخرى - هو ما يحدّ من إمكانية كل شخص على التصرف بقدرته دون ضوابط
فأصبح لزامًا على المتحكم أن يقتصد بإنفاق جوهره كي لا ينفذ منه ويصبح مجردا من طاقته. بالتأكيد، ستجدد الريفا نفسها مع الوقت والراحة الكافيين. وبالتأكيد مرة أخرى، يمكن لصاحب القدرة أن ينمي جوهره الخاص ويدفعه نحو حدود جديدة، لكن التجديد يأخذ وقتًا أكثر من اللازم... أكثر بكثير، وتنمية الجوهر بالنسبة لكيد... ببساطة، هو لم يفعل
لم يزد احتياطي كيد كثيرا عن اليوم الذي أيقظ فيه قدرته
ليس وكأن الأمر بتلك السهولة...
كان ويس يعرف أن كيد استهلك من طاقته أكثر مما يمكن تعويضه في فترة قصيرة، وأراد استغلال ذلك
حاول كيد تجنب الوصول إلى هذا الحد قدر استطاعته، لكن القتال كان أصعب مما توقع بعض الشيء
لم يكن الأمر ذاته ينطبق على غارث. لم يفقد الضخم كمية كبيرة من طاقته، ليس فقط لأن احتياطاته من الجوهر أكثر بكثير مما لدى كيد، بل أيضا لأن قدرته كانت أعصى على الاستخدام في هذا القتال من غيرها
كانت قدرة غارث تقوم على التحكم عن بعد بالحجارة والصخور. قدرة بسيطة نوعا ما لكنها كانت محددة بكمية الريفا التي يحتاجها لحمل ثقل هائل
استخدم غارث قدرته من قبل عندما غلف يديه بطبقة صخرية وعندما حاول هرس خصمه عدة مرات، لكنه تراجع عن ذلك بعد التفكير في الأمر
كان ويس خصما مزعجا له، ففي كل مرة حاول غارث فيها رفع صخرة صغيرة كانت أو كبيرة، كانت الجاذبية تتضاعف لتعيق هدفه، فعندما يصبح وزن الصخرة أثقل بثلاثة مرات تصبح كمية الريفا التي عليه استهلاكها أكثر بثلاث مرات، ما يؤدي إلى نفاذ جوهره بمعدل أسرع من المعتاد، وهو ما لم يرده الضخم بلا شك
وهكذا اضطر غارث طوال المعركة إلى استخدام يديه المجردتين لا غير مستغنيا عن قدرته الساحقة
طوال المعركة، لعب ويس بإعدادات الجاذبية الأرضية وغيرها لما يناسبه. أصبحت الجاذبية فجأة ضعيفة حتى ان الشخص كان ليطير عدة أمتار إذا قفز بأضعف قوته. حرك جسده ليتصدى للكمة من غارث كانت تنطلق نحوه، قطع رمحه الذهبي الهواء أمام الضخم فتراجع الآخر، ثم أكمل حركته ليحرّف ضربة أخرى من نصل كيد.
قاتل القائد بشراسة ودهاء وصلابة ومهارة. اخترق رمحه الذهبي عدويه أكثر من مرة ورسم ندوبا ستبقى على أجسادهم مدى الحياة. قاتل وقاتل وقاتل... لكن ذلك لم يكن كافيا
حتى مع علمه بأن كيد قد استهلك كمًا هائلا من جوهره، وحتى مع أن الضخم لم يلجأ لاستخدام قدرته حتى، فقد كان ويس يخسر
ظهرت المزيد والمزيد من الجروح على جسده وتمزق جلده في كل مكان وغطى الدم النازف كل ملابسه
كان ويس شخصا واحدا بذراع مقطوعة يقاتل اثنين في نهاية المطاف، ولم يكونا أي اثنين. كان كيد وغارث قويين جدا ومتمرسين في القتال، ومن بين الجميع كان هذا الثنائي أكثر من يعلم عن القائد المتكبر وقدرته وطريقة قتاله.
كان بإمكانهما توقع العديد من هجماته والتصدي لها، كما أنهما تمكنا من التحرك والقتال بكتلة مضاعفة أكثر من غيرهم، كان ذلك لأنهما قاتلا كثيرا بجانب رفيقهم السابق واعتادا جزئيا على تدخلات قدرته
كيد على وجه الخصوص. رافق ويس لسبع سنوات من حياته، فأصبح قادرا على توقع معظم حركاته من تعمقه في أسلوب قتاله
وكان مستعدًا تماما ويعلم الخطوة التي سيقوم بها عدوهم وخطته لتغيير مجريات المعركة...
"هوي أيها الصبي كيد!..."
انتقل ذهن كيد جزئيا مسترجعا ذكرياته في الماضي البعيد...
"لقد أمر المدير بنقلك لفرقة جديدة..."