"أنت كيد أليس كذلك؟ إليك كل المستندات التي تحتاجها"

سلم رجل ببدلة بعض المستندات الورقية المغلفة إلى كيد ثم تابع:

"كما قرر مجلس المنظمة الأخير الذي انعقد في الثالث والعشرين من يونيو، ابتداء من اليوم، تم تعيينك القائد الجديد للفرقة الرابعة"

نظر كيد نحوه بغضب ثم تكلم:

"ألا ترى أنني أجلس على سرير المستشفى معدوم القدرة على الحركة؟"

حدق به الرجل بصمت ثم قال قبل أن يغادر:

"لا يطلبُ منك أحد أن تباشر مهامك منذ هذه اللحظة، لكن كان يجبُ إعلامك بالقرار الجديد... تهانينا"

شد كيد قبضته على اللحاف الأبيض

'تهانينا؟... يا للسخافة المقززة'

أصبح كيد قائدا للفرقة الرابعة

'عددنا ليس كثيرا. يجب أن أباشر بتجنيد المزيد'

كان من المفترض أن تكون مهمة ضمّ أفراد جدد للفرقة لتعزيزها أمرًا سهلًا وبسيطًا، وبخاصةٍ عندما تكون هذه الفرقة ذو رتبة مرتفعة كالفرقة التي يقودها

لكن ما وقف عائقا أمام هذه المهمة البسيطة هو الحدث الأخير الذي أصاب كيد ورفاقه. بالنسبة لمعظم المنتسبين للمنظمة، فقد كانت فكرة الانضمام إلى فريق قام قائده السابق بعمل مجزرة وقتل حتى أعضاء فريقه أمرا غير مستحب نوعًا ما

ولم تزد الشائعات التي بدأت تنتشر كالنار في الهشيم من هذا الأمر السيء إلا سوءًا

حتى من مكانه المغلق والمعزول، وصلت إلى آذان كيد مسامعُ كثيرة. كان هنالك من يقول بأن قائده الغائب قد كان عضوًا في منظمة أرجيمنت منذ البداية، ولم يكن سوى جاسوس هدفه جمع أكبر قدر من المعلومات، وأن الحادث الأخير قد كان نتيجة لكشفه من قبل قيادات المنظمة

وبعضهم قال بأنه قد ترك زينين للانضمام إلى أرجيمنت، وقد قدم هذه التضحية البشرية فقط لإثبات نفسه للمنظمة التي تعهد بالولاء لها حديثًا

لم تطل الشائعات قائده السابق لوحده، بل حتى أن كيد نفسه قد حصل على نصيبه من تلك الشائعات المتناقلة. إذ اقتنع عدد لا بأس به من أفراد المنظمة بأن القائد الخائن كان قد أبقى على قلة من أعضاء فرقته السابقة، لأنهم جواسيس وخونة مثله

وأنهم ينتظرون دورهم واللحظة المناسبة للانقلاب على المنظمة

وأن الجروح المروعة التي سببها لهم لم تكن سوى لتبرأتهم وإزالة الشكوك

"هيهات. هل يظنّ حقًا أننا سنصدق خدعته الضعيفة"

"أجل، أجل هم بالتأكيد خونة مثله، لكن لا بد وأن يكون للقيادة خطة بشأنهم"

كان كيد يحدق بالنافذة بتعبير ضائع ومتعب.

"لا تلقي لهم بالًا، إنهم لا يعلمون ما الذي يتفوهون به"

غير الشاب نظره إلى الممرضة التي كانت تعتني به، صمت قليلًا قبل أن ينطق:

"وكيف تكونين متأكدة أنهم مخطؤون؟"

ألقت الممرضة الضماد القديم في سلة المهملات، ولم تتردد في الإجابة بينما تتأكد من ذهاب الجرح العميق للتعافي:

"أنا متأكدة لا أكثر"

صمتت قليلًا ثم غيرت الموضوع:

"على كلٍّ، أنت تتعافى أسرع من اللازم، قد تخرج في أقرب وقت"

كان كيد يحدق فيها لفترة طويلة قبل أن يقرر إعادة نظره للنافذة

"أجل، هذا... انه بسبب الاستيقاظ والتعزيز الذي يمنحه"

كانت الممرضة تتأكد من تعقيم الجرح عندما تكلمت:

"أتعلم؟ لطالما تمنيت أن أكون مستيقظة"

علق كيد دون أن يلتفت برأسه:

" هل فعلتِ؟"

ابتسمت قليلًا ثم أجابت:

"أجل، كثيرًا في الواقع... تخيل تلك القوة الرهيبة والقدرات الخارقة المميزة والقابلية المرتفعة للتعافي"

ضحكت بخفة قبل أن تضيف:

"ولمَ تتخيل؟ أنت تملك كل ذلك بالفعل... أليس أمرًا رائعا حقًا؟"

من خلف النافذة، كان كيد يثبت نظره على شجرة بلا أوراق في الحديقة الخارجية، بدت الشجرة بائسة جدًا أسفل أشعة الشمس

تكلم بصوت ضعيف:

"أجل... أجل إنه رائع بلا شك"

'رائع أكثر من اللازم'

***

كان القائد كيد يجلس مع فرقته في غرفة اجتماعات مغلقة

"هذا ما سنقوم به بالتفصيل. التزموا بالخطة ولا أريد أية خروج عن المسار. سنهزم تلك المخلوقات شر هزيمة..."

'عشرون شخصا من أقوى الأقوياء... يمكننا فعلها... بل سنفعلها'

عانى كيد من بعض الصعوبة في إقناع هذا العدد بالإلتحاق بفرقته، لم يكن عليه إغرائهم بأشياء مثل الراتب والسكن، وأن الفرقة ستكون أكثر تماسكًا وقوة من غيرها فقط، بل كان عليه كسب ثقتهم الناقصة أيضًا... لكنه فعل ذلك في النهاية

كان الفريق يخطط لمواجهة سرب من المخلوقات الوحشية الصغيرة التي كانت تقترب من بلدة روزين

مع هذا العدد الكبير وبهذه القدرات المميزة التي جمعها، شعر كيد بثقة هائلة بالنصر

كان السرب يقترب أكثر فأكثر مع كل لحظة...

***

"نظرًا للخسارة المؤسفة في بلدة روزين، وفقدان عدد فاق العشرة من أبناء المنظمة خلال المعركة الأخيرة. تقرر بأمر مباشر من القيادة العليا للمقر تخفيض رتبة الفرقة الرابعة من الرتبة B للرتبة C... سيتم التخطيط لمنحكم مهامًا أقل كثافة وخطورة ابتداء من اليوم"

لم تظهر أية تعبيرات على وجه كيد المرهق...

فقد كيد كل أعضاء فرقته، ولم يبقى سواه هو وايسيليان وغارث وفورج، وعضوان آخران لم يعودا يرغبان بالاستمرار مع هذه المجموعة المشؤومة

كما عززت الخسارة الأخيرة من انتشار الشائعات في المقر بشكل ملحوظ، فإن كانت ثقة الجميع بالفرقة الرابعة بشكل عام وبقائدهم الجديد بشكل خاص، متدنية من قبل، فقد أصبحت الآن معدومة بلا شك

ولم يقصّر الجميع في إظهار ذلك حتى في تعاملهم معه ومع رفاقه

قرر كيد بعد هذا الحدث تجنب دعوة أي شخص للانضمام إلى فرقته، ليس فقط لأن أحدًا لن يقبل بذلك من الأساس، بل أيضا لأنه لم يرد الاقتراب من أي شيء يعزز الشائعات المزعجة ويضاعفها

كان الاستمرار مع رفاقه السابقين فحسب، لهوَ الشيء الأكثر راحة وملائمة له، والأقل ضررًا على حدٍ سواء

لكن هذا لم يمنعه من الخسارة في عددٍ من المهام اللاحقة... لقد فشل كيد في الكثير منها في الواقع

شعر أنه لم يكن يتمتع بالمهارة وحس القيادة التي تمتع بها قائده السابق، بل لم يكن قريبًا حتى

لقد كان القائد الماكر يقود فرقته من نجاح لنجاح، بينما على العكس من ذلك، كان كيد يقود الفرقة ذاتها من فشل لفشل أكبر

لم يكن يعرف الخلل في أسلوبه أو حتى لمحة عنه، فقد كان دائما ما يحاول تقليد قائده السابق في كل شيء يفعله، ومع ذلك لم ينجح

كان سجل كيد مملوءا بخساراته المؤسفة أكثر بفرق ملحوظ من النجاحات التي حققها، وكان منزعجا حقًا من ذلك

صحيحٌ أنه في النهاية استقر على معدل انتصار أعلى، لكن ذلك لم يكن إلا نتيجة لنقطتين لا تقربه علاقة بهما

كانت الأولى هي تكيف زملائه معه، وتمكنهم من اتخاذ القرارات الأفضل في كل معركة دون أن يأمرهم كيد بذلك، واستمرارهم عليها حتى لو عنى ذلك الخروج عن الخطة التي أعدها قائدهم

وهو ما جعل كيد يخرج بأسلوب قيادة جديد مشابهٍ في بعض خصلاته لذلك الذي امتاز به قائده الراحل

أما النقطة الثانية، فقد كانت تتمثل بأن المنظمة على مدى طويل قد قامت بتخفيض حدة المهام الممنوحة لفرقته

صحيح أن كيد قد بدأ بتحقيق الانتصارات تباعًا، وحتى مع كون عدد الأعضاء بالفرقة الرابعة أقل بكثير مما كان عليه سابقًا، إلا أنه لم يكن راضيًا

'لم يكن ويس ليتذمر بخصوص شيء سخيف كالعدد... كان قادرًا على غزو مدينة فقط بتابعين'

لم يكن لكيد هدفٌ طوال حياته، أما الآن فقد امتلك واحدًا

كان يسعى للتغلب على قائده السابق لا غير. أراد أن يثبت للجميع أنه أفضل منه ولو بقدر شعرة

في الواقع، لم يكن كيد ليهتم بأمور من مثل الانتقام منه أو معاقبته على خيانته المشينة، أو حتى قتله لتبرئة نفسه من الشائعات المنتشرة

كلّ ما أراده هو أن يكون أفضل منه

في نظر كيد، كان ويس هو المثال الأعلى للقائد الكفؤ والمحارب الخبير المتميز، لذا لطالما طمح بأن يكون قريبًا منه ومن مستواه، أما الآن فقد تحول طموحه لأن يصبح أفضل لا أقرب

في البداية، كان يبحث عن تلك الأفضلية في انتصاراته في المهام الممنوحة له، لكنه لاحقًا اكتشف أن أيًا من ذلك لن يثبت شيئا

ليس فقط لأنه لم يستطع تحقيق نجاحات مبهرة كما فعل قائده، بل أيضا لمعرفته بأن هذه الانتصارات المزعومة لم تكن معيارًا للتميز... ليست معيارًا ثابتًا على الأقل

فبعد كل شيء، ربما تجد شخصًا بسجلّ خالٍ من النجاحات، ومع ذلك يكونُ أفضل وأكثر مهارة من غيره الذين أغرقتهم انتصاراتهم

لذا، توصل كيد إلى قناعة تامة بأن السبيل الوحيد لإثبات تفوقه على قائده السابق لن تكون إلا بهزيمته وجهًا لوجه

أطلق كيد سلسلة من الضربات المتتالية تصدى لها ويس بمقبض رمحه قبل أن يتراجع كلاهما

وكانت هذه فرصته الوحيدة لذلك...

كان غارث ساكنًا بعد أن أجهد نفسه أكثر من اللازم في هجومه الأخير.

ببطء لكن بثبات، بدأ ويس باتخاذ وضعية جديدة، سحب قدمه اليمنى للخلف وغرسها في الأرض، ثم فعل المثل مع يده اليسرى والتي حمل بها الرمح، أما يده اليمنى... فقد كانت مقطوعة بالفعل

بدا أنه كان يخطط لاتخاذ حركة بها لو أنها كانت موجودة لكنه كان متقبلًا لذلك بشكل غريب

أمال الرمح الذهبي ووجه نصله للأرض

'لقد بدأ...'

انطلق ويس بسرعة خاطفة حتى أن الشخص الخامل لم يكن ليلحظه من شدة سرعته، ثم وجه قطعًا سريعًا لكيد الذي صده بصعوبة وحلّق من قوة الاصطدام للخلف

ولم تكن أقدام كيد قد لامست الأرض بعد حين كان مقبض رمح القائد قد وصل معانقًا فك غارث

2026/03/19 · 12 مشاهدة · 1363 كلمة
نادي الروايات - 2026