"كيد، ألديك فكرة عن هذا الشيء؟"
حدق كيد بغارث والذهول لا يزال ظاهرا على وجهه ثم نطق قائلا:
"لا، لا أبدًا... هذه أول مرة أراه بهذا الشكل"
"اوراكا؟"
حدق كيد قليلا بصمت ثم أجاب:
"ليس تمامًا، لا أظن ذلك. هذا شيء مختلف تمامًا"
"إذن... كيف تخطط للتعامل معه؟"
في الواقع، لم يبدو أن الشابين كانا مرعوبان جدًا من فكرة مواجهة المخلوق الوحشي. ليس لاعتقادهما بأنه ليس بتلك القوة والجبروت والخطورة، بل فقط... لأن المخلوق الوحشي لم يكن قادرًا على الحركة
ليس بشكل مستقر على الأقل
كانت رجلاه الأماميتان اللتان كانتا في السابق ذراعي القائد ويس مفقودتان، ما جعله يعتمد فقط على رجلين اثنين. وبالنسبة لمخلوق يمشي على أربع، كان ذلك صعبًا نوعا ما
كان في كل مرة يحاول الكائن النهوض، يسقط بقوة على صدره
أطلق المخلوق زئيرا وحشيًا هادرًا ما أجبر كلًا من كيد وغارث على تغطية أذنيهما
بعد أن هدأ المخلوق أخيرا، توقف عن محاولة السير وبدأ يزحف نحو فريستيه
'مليء بالشراهة...لكن ذكي!'
لم تكن سرعة زحف المخلوق خطرة جدًا في الواقع، كل ما كان على كيد هو أن يقفز مسافة للخلف بين الحين والآخر ليبتعد عنه
قرر كيد الرد على استفسار غارث بعد تجاهل قصير:
"لا أدري أنا متعب قليلا لأفكر، ولا شيء يجدي معه"
كان كلٌ من غارث وكيد قد جربا عدة حيل لقتل المخلوق الغريب أو التخلص منه، لكن بلا جدوى
بدءًا من حرارة اللهب المتبقي من قدرة كيد إلى ضربات فأسه الحادة وحتى هجمات صخور غارث ولكماته. بدا الكائن صلبًا ومنيعًا
حك غارث ذقنه محاولًا الخروج بفكرة مجدية
"لا يمكننا العودة الآن، إذا لم نقتل هذا الشيء لن نكون قد نجحنا بمهمتنا في قتل ويس"
قفز كيد مسافة طويلة للخلف ثم صر على أسنانه وضغط على كتفه المصابة
لقد تعرض لعدة جروح وكدمات طوال المعركة، ولم تكن هذه هي الأعمق والأخطر من بينها، لكنها كانت كذلك الآن بطريقة ما
وذلك لأنه كمستيقظ، كان النزيف الذي ينزفه كيد أقل من غيره من البشر العاديين، كان جسده يعزز تجلط الدم بشكل خارق، ولم تكن هذه هي الميزة الوحيدة التي يوفرها الاستيقاظ
كان قادرًا بعد شكل معين من التدريب على تعلم توجيه الريفا خاصته وتركيزها في أجزاء معينة من جسده، وكانت هذه الحركة البسيطة تحد من النزيف وتسرّع الشفاء بنسبة أعلى في المنطقة التي اختارها، وقد اختار أكثر الجروح خطورة لتكون هدفه في هذه العملية
كان بإمكانه إيقاف النزيف ومنع نفسه من أن يموت ميتة بائسة
لكن كيد قد كان قلقًا، ففي النهاية، كانت عملية توجيه وتركيز الريفا مؤقتة، وتنتهي بانتهاء جوهره. ربما لم يكن بإمكانه الاستمرار على هذا النحو لأكثر من ساعتين قبل أن ينفذ منه
ألقى نظرة على المخلوق الزاحف، ثم علق على كلام غارث:
"ليس تمامًا. لا أظن أن ويس موجود بعد الآن. هذا المخلوق... أنا أعتقد أنه استُبدل بويس، أي أنه ليس تحولا للقائد، بل تغييرا لذاته ووعيه... لا يمكن لويس أن يعود"
"وكيف تكون على يقين من ذلك؟"
نطق كيد:
"أنا فقط... متأكد"
فجأة، خرج من حلق الكائن زئير مكسور وتوقف عن الزحف، وسرعان ما بدأ الكائن يتلوى وتحول زئيره الى صوت حشرجة مختنقة
انقض بسرعة خاطفة محاولًا التهام جسد كيد، لكن الأخير تفاداه وهرب من فكه
ضرب الكائن برأسه جانبًا وحاول عضّ قدمي كيد مجددا، لكن مرة أخرى تمكن الشاب من الهرب
كان غارث لا يزال يراقب من بعيد
زحف الكائن ببطء بينما لا يزال يصدر تلك الأصوات الغريبة
وفجأة... توقف عن الحركة
شلت حركة المخلوق الضخم بعد أن سلبت روحه وغادرت، وأصبح جثة هامدة
ظل غارث وكيد صامتين لبعض الوقت، قبل أن ينطق الشاب الضخم:
"إذن ربما؟... نغادر لآخذ استراحة بسيطة؟"
***
كان كيد مستلقيًا بعينين مفتوحتين على وسعهما على سرير أبيض، بينما يسند رأسه على وسادة مرتفعة
كان بإحدى غرف مستشفى المنظمة. لم تكن الغرفة ذاتها التي كان فيها قبل عامين، لكن كيد كان قد زار هذا المشفى عددًا كبيرًا من المرات ليكون متأكدًا أنه جلس في هذه الغرفة في وقت ما
نطق صوت مبتهج بجانبه:
"عمل مبهرٌ بالفعل. لم تنجح بمهمتك فحسب، بل استطعت أيضا البقاء على قيد الحياة ليوم كامل طوال الطريق بجروح خطرة كهذه"
لم يبدو كيد سعيدًا جدًا بالإطراء والمجاملات التي تلقاها:
"لو أديتُ مهمتي بشكل أفضل لما تعرضتُ لجراحٍ بالفعل"
كان جسد كيد موصلًا بكل الأجهزة الطبية
نطق الصوت الناعم بمواساة:
"لا تقل هذا، أنا متأكدة أن الأمر كان صعبًا وقاسيًا جدًا عليك"
نظر كيد بعينيه جانبًا:
"على أية حال أيتها الممرضة، كم سأستغرق للدخول في التخدير؟"
ردت بابتسامة مشرقة:
"أولا: لم أعد من حزب الممرضات كما تعلم، نادني بالطبيبة، وطبيبة جراحة فوق ذلك. وثانيا: لقد غادر اخصائي التخدير سيعود بعد لحظات. ولكن على حد علمي، عادة ما يأخذ الأمر أقل من دقيقة مع البشر الطبيعيين، لكن أنت... هممم ربما ننتظر لثلاث دقائق أخرى"
***
فرقعت الطبيبة أصابعها فوق كيد ثم نطقت:
"هل تسمعني؟"
لم تظهر ردة فعل من جسد كيد فأومأت برأسها لمن حولها
مضت ثلاث دقائق. ربما ليس بالسرعة التي تمناها كيد لكنه كان مخدرًا ومتيبسًا في النهاية
كانت الطبيبة لا تزال تقف وتجهّز نفسها فوقه، لكن جراحين آخرين كانا معها في هذا الوقت، وممرضين اثنين أيضا وشخص كان في الغالب طبيب تخدير
حملت الطبيبة الجراحة إبرة وخيطا صغيرين واقتربت من كيد ببطء
تذكرت فجأة أنها نسيت شيئا ما فوضعت الإبرة على طاولة المعدات واقتربت منه أكثر. وضعت الطبيبة يدها بخفة على فك كيد المجمّد ووضعت يدها الأخرى أسفل رأسه، ثم رفعته جيدا على الوسادة الناعمة، ثم قامت بتوجيه بصره للأعلى
"اعذرني، كدت أن أنسى... يستحسن ألا تشاهد"
كان كيد قد تم تخديره، وكان مشلول الحركة بالفعل، لكن وعلى عكس أي بشري آخر لم يكن كيد ليفقد وعيه
كان هذا بفضل عيب قدرته الذي عده ايسيليان نعمة من قبل، لكنه أصبح شاكرًا بعد فترة لأنه لم يكن سيضطر لأن يعاني مثل ما يعانيه رفيقه. لم يمنعه عيبه من النوم الطوعي فقط، بل والقسري أيضا كالغيبوبة والتخدير وما شابه ذلك
لذا في هذه اللحظة، كان كيد مخدرًا تخديرا كاملًا يحدق بسقف غرفة العمليات ذو اللون الموحد النقي، غير قادر حتى على تحريك عينيه وليس فقط جسده
"سنبدأ العملية"
تكلمت الجراحة.
كان كيد متصلبًا كتمثال لا يتحرك به إلا صدره، مع ذلك فإن لعنته لم تفلت قيد وعيه، ظل يرى ويسمع... ويشعر
ولو كان شعورًا غامضًا ومبهمًا يعجز عقله عن تفسيره
اخترق ألم مشوّه كيانه بشكل مفاجئ
لم يستطع أن يرى ما سبب ذلك الألم أو حتى يدرك أين، لأن نظره قد كان موجهًا لسقف الغرفة البيضاء، ولأنه مع التخدير فقد كان الألم الغريب يوزع على كامل جسده
كان الألم الذي أغرق كيد شيئا لا يمكن وصفه أو شرحه، ولن يفهمه إلا من جربه. لم يكن جسديًا تمامًا لكنه كان قريباً من ذلك. شيء عميق مبهم وغير مفهوم
الكلمة الوحيدة التي كانت ستساعد كيد في وصفه هي: فظيع
كان ألمه فظيعًا ومروعًا وقاسيًا بلا شك...
لم يكن جسده يستطيع أن يتحرك ليعبر عن ألمه المجنون، لكنه لو فعل فلربما كان سيتلوى ويتخبط كالمجنون
وبالشكل نفسه، لم تكن حنجرته قادرة على إخراج الأصوات، لكنها لو فعلت فلربما كانت ستغمر مبنى المستشفى بأكمله
طبيعيًا، للتخدير ثلاثة وظائف أساسية. أولها: هو تسكين الألم، ومنع الشخص من الشعور بالمعاناة المروعة للعملية
كانت الوظيفة الثانية هي إيقاف الوعي، وتعطيل بعض وظائف الدماغ لمنع حواس الشخص من إدراك ما يجري حوله
أما الثالثة فقد كانت منع حركة الجسم
لكن هذا كان يعمل فقط مع البشر الخاملين والمستيقظين الطبيعيين، أما في حالة كيد فلم تكن سوى وظيفة واحدة من هذه الوظائف تعمل بشكل كلي
وهي شلّ حركة الجسم
وكان هنالك وظيفة أخرى لكنها عملت بشكل مختلف
تعال لنفكر قليلًا... إذا كان التخدير لا يعمل بالشكل المطلوب مع كيد وكان أيضا يشعر بالألم في كل أنحاء جسده؟ إذًا ما الذي أجبره على تلقي تلك الإبرة الوريدية
في الواقع، إنها فكرة بسيطة لكن تعقيدها قد جاء من بعض العوامل الخارجية الدخيلة
كان من المفترض أن يتم تخدير كيد، يبقى وعيه حاضرًا ويشلّ جسده، لكن كان من المفترض أن لا يشعر بالألم
جاء الألم من كونه مستيقظًا... كيف ذلك؟ ببساطة، يعجز البشر الخاملون عن اختراق جلد المستيقظ الصلب بالأدوات الطبية العادية، ولذا يلجؤون لحيلة خفيفة
معدن الأونيكس... تم استبدال الأدوات العادية في المستشفى الخاص بأخرى مصنوعة من الأونيكس الثمين
كان جسد المستيقظين هشًا وضعيفا أمام هذه الأدوات، وهو ما سمح للأطباء بممارسة مهنتهم براحة وحرية، لكن الأمر لم يكن كذلك تمامًا بالنسبة للمستيقظين
وخاصة كيد...
لم يكن الألم الذي يسببه الأونيكس جسديًا تمامًا، لذا لم يجدي معه أي تخدير أو تسكين للألم، لكن وبشكل غريب لم يشعر المستيقظون به عندما كانوا غائبين عن وعيهم سواء بنوم أو بإغماء
لكن كيد من جهة أخرى، كان غيابه عن الوحي محالًا، لذا كان مضطرًا للتعامل مع الألم الفظيع للعملية بأكملها وتحمله
لم يكن التخدير بالنسبة له بلا فائدة تماما، كان شلّ جسده ومنعه من إظهار ردة فعل أمرًا ضروريا بلا شك
كما أنه عند التخدير، لم يظهر ألم أدوات الأونيكس بشكله الطبيعي، كان مشوهًا ومنحرفًا أكثر، كما عمّ جسده بالكامل ولم يركز على نقطة واحدة
وكان أقل درجة منه بشكل غير مفهوم، ككل شيء آخر سواه
وهذا نوعًا ما هو ما منع كيد من أن يفقد عقله من المعاناة الجحيمية التي كان يمرّ بها كثيرا
وبالعودة إلى معاناة كيد، كانت العملية لا تزال جارية. لم يستطع كيد رؤية كل شيء بوضوح ولم يستطع إبصار جسده الممزق الذي كانت تتم خياطته. لكنه استطاع تمييز بعض الجمل من حين لآخر
"ناولني الملقط بسرعة"
"أعد هذا لمكانه"
المعقم. أين المعقم؟"
كان الأطباء يبذلون جهدهم، وأسفل منهم، كان كيد يعاني بصمت
أراد في وقت ما أن يمسك الفراش من تحته ويبدأ بتمزيقه، وفي وقت آخر أراد عض لسانه حتى يقوم بقطعه، وفي وقت آخر أراد قتل كل من حوله ليتوقفوا عن عملهم. وأراد الصراخ
لقد أراد الصراخ أكثر من أي شيء آخر...
لكنه لم يستطع. عانى كيد كصنمٍ لوقت طويل. كان ماهرًا في عدّ الوقت ليدرك أنه مضى ثلاث ساعات منذ بدء العملية
خفت الألم الجحيمي ببطء واختفى، وتراجعت الأصوات تباعًا. أدرك من ذلك أن معاناته قد انتهت أخيرا
انتهت العملية...
***
فتحت الطبيبة الباب بهدوء وكأنها تخاف أن توقظ نائما. لكنها لم تكن كذلك
لقد كانت مدركة أن كيد لا يعرف النوم... حرفيًا
"يبدو أن التخدير بدأ يزول"
التفت كيد برأسه ونظر نحو الطبيبة المبتسمة، ثم قال ببطء وصعوبة:
"ألم- يكن من المفترض... أن تأتـ...ـي ممرضة لا... لا طبيبة؟"
عبست الطبيبة واقتربت منه لتجلس بجانب سريره
"ألا يعجبك وجودي؟"
في الواقع لم يكن كيد يعرف بماذا يجيب... نعم أم لا؟ لم يكن يعرف بماذا يشعر تجاهها حقًا
عمّق نظره بالطبيبة الجالسة
كان شعرها الناعم مرفوعًا للخلف ومربوطًا في ذيل متوسط الارتفاع، مع غرة مستقيمة قصيرة تغطي جبهتها
لمعت عيناها العسليتان بالنور الضئيل الذي كان يدخل من النافذة، وزينت ابتسامتها المشرقة وجهها الحنطي البريء
كانت تبتسم لأنها لاحظت كيد الذي كان يحدق بها بشكل غريب
"ما الذي تفعله؟"
"ماذا؟"
ضحكت الممرضة
"لقد ظننتُ أن تصرفك بسبب التخدير لا غير... لكن يبدو أن هناك شيئا آخر في نظرتك هذه"
غطت فمها وهي تضحك
لم يكن كيد يفهم تمامًا ما تقول، في الواقع لم تكن نظرته سوى لأنه أراد دراسة شكل طبيبته
لم يتعمق كيد في ملامحها من قبل، كان لديه فكرة بسيطة عن شكلها بحيث أنه ربما يستطيع الإشارة إليها بين بعض النساء الأخريات، إذا كنّ بملامح مختلفة بشكل واضح.
لم يكن يتذكر عن طبيبته سوى أن شعرها أسود وتعرف الابتسام، وربما كان يعرف القليل عن نبرة صوتها المميزة أيضا
فتح كيد فمه:
"أيتها الطبيبة، ما اسمك؟"
تجمدت ابتسامة طبيبته وتوسعت عيناها بعد السؤال الأخير
"ما... ما-ذا؟"
كرر كيد السؤال:
"قلتُ: ما هو اسمك؟"
رمشت الطبيبة مراتِ عديدة ثم قالت بصوت هو أقرب للهمس:
"كيد يا عزيزي... أنا أعتني بك منذ كنتَ في سنٍّ صغيرة، وتسألني عن اسمي؟... الآن؟"
ظل كيد محدقًا بصمت، لم يكن يعرفُ أن نظراتِ طبيبته قد عنت شيئا معينًا: وهو أنها أرادت خنقه وقتله وسحب جثته وإخفائها
لم تكن تستطيع فعل ذلك بلا شك، لكنها أرادت
تنهدت الطبيبة بعد الصمت الطويل:
"أووه يا إلهي! أنا حقًا لا أصدق ذلك، كيف يكون هذا حتى؟ أخبرتك باسمي وسمعتَه من غيري ملايين المرات"
تابعت بعد أن وضعت قبضتها أسفل ذقنها:
"اسمي هو روز، أيها المغفل... لا تعد هذا مجددًا"
***
كان المفروض اليوم أنزل ثلاث فصول... لكن للأسف صار عندي ظرف🙏🥀
عكلٍ بعوض بكرة ان شاء الله... ان شاء الله