22 - لن أتعب نفسي بالتفكير بعنوان

داعب نسيم الهواء البارد بشرة كيد العاجية، وحرك شعره ذو لون الغراب للخلف بلطف، فكشف عن جزء من جبهته البيضاء التي مالت للنقاء

أخذ كيد نفسًا عميقًا حتى وصل صدره إلى ذقنه، ثم أخرج كل الهواء بثبات

لم تكن رائحة الهواء سيئة

كان جسده نحيلًا أكثر من أي وقت سابق أسفل عباءة المرضى التي كان يرتديها...

لمس ندبة صغيرة على خده الأيسر، ومشى بإصبعه على طول الخط حتى وصل إلى عينه وظل مثبتًا إياه هناك

لم يكن يعرف ماذا أراد بهذه الحركة الغريبة، ولم يكن يعرف ماذا أراد أصلا ليفعله، لكنه شعر برغبة غير مفهومة للقيام ببعض التصرفات الغير مفهومة

ربما في هذه اللحظة أكثر من أي شيء آخر...

نظر كيد إلى مجموعة النقاط الصغيرة أسفله. كان منظر البشر من هذا المكان... مقززًا بعض الشيء. في الواقع، لطالما اعتقد كيد أن البشر مقززون. كان هنالك المئات منهم تحت قدميه

وكان كيد مرتفعًا عنهم بعض الشيء. اختار هذا المبنى بالذات من مباني المقر وصعد إلى سطحه، لأنه كان الأعلى بين بقيتهم

ستون مترًا تقريبا...

كان كيد سعيدًا بهذا الارتفاع

بدأت ذاكرته تعود به قليلًا للوراء. في الواقع، لم يمضي ولم يحدث الكثير خلال الأسبوع الفائت

تذكر كيد أنه كان متعجبًا قليلًا من نفسه في ذلك الوقت، عندما سأل الطبيبة عن اسمها

لم يكن يستوعب فكرة أنه وأخيرا وفي الوقت الذي لم يعد هنالك ما يقف عائقا بينه وبين التفرغ للتفكير في نتائج مهمته الأخيرة، أي قتله لويس وتحقيقه الهدف الذي لطالما طمح في تحقيقه

لم يكن يستوعب أن أول شيء قام به بعد ذلك هو التمعن في وجه الطبيبة والاستفسار عن اسمها

لم تكن الطبيبة هي وحدها من صُدمت في تلك اللحظة

لقد كان شيئا غريبا تماما ككل شيء آخر في حياة كيد، لكن في النهاية كان على الطبيبة مغادرة كيد وتركه ليستأنف حبل أفكاره الذي لم يكن قد بدأ بالفعل

قرر أن يحاول التفكير بشكل منتظم هذه المرة، يبدأُ بنقطة واحدة ويسير بخط ثابت حتى يصل لما يرضيه

'لقد كنتُ أسعى للتغلب على ويس. وفعلت!... ماذا الآن؟'

كان هذا السؤال الذي يحاول كيد الإجابة عليه. لذا بدأ أولًا بالتفكير بنقطة بسيطة: لماذا كان يريد التغلب على ويس من الأساس؟ وكانت الإجابة سريعة ومباشرة، لقد أراد أن يثبت لنفسه أنه أفضل منه

لماذا أراد هذا الإثبات؟ حسنا، كان هنالك الدافع الذي لطالما لازمه وهو يعمل كعضو بسيط وهو يرى قائده يبرز ويتميز، وكان هنالك الشعور بالضعف والفشل الذي راوده عندما أوكلت مهمة قيادة الفريق له، وعجزه عن الوصول لربع إنجازات قائده السابق

أما عن الأسباب الأعمق التي تفسر هذا نفسيا وفلسفيا، فلم يكن كيد يعرف شيئا عنها، وشكّ أنه يرغب في ذلك من الأساس. ما الفائدة التي قد يحققها من الإجابة على هذا السؤال؟ شكّ كيد بوجود هذا الشيء أيضا

ثم انتقل لسؤال آخر: هل كان لديه في السابق أو هل وجد أية أهداف أخرى لحياته خلال العامين الأخيرين؟ ومجددا، كانت الإجابة سريعة ومباشرة. لا

كان قتل ويس والتغلب عليه هو الهدف الوحيد لحياته

لقد كانت حياة مملة ورتيبة...

أو في الحقيقة، ربما كان كيد قد شعر بالسعادة في بعض اللحظات من حياته...

ضرب كيد جبهته وأطلق زفيرًا غاضبا

"ما علاقة هذا بالأمر؟ تفكير منتظم"

قال هذا لكنه تابع مجددًا

'هل يا ترى شعرتُ بالسعادة التي أتكلم عنها عندما قتلتُ ويس؟'

لم يكن كيد ليعرف، فعندما تخلص من ويس أخيرا انشغل بالوحش الغريب الذي ظهر، وثم عندما هلك الآخر كان قد انشغل بالحفاظ على حياته. لم يكن لديه وقت للمشاعر أو للتفكير

أما عمّا يشعر به الآن؟ فلقد كان يشعر بفراغ رهيب وضياع... وكان يشعر أنه عليه استكمال جسر أفكاره بشكل منتظم بالطبع

لذا تجاهل الأمر ووصل لسؤال آخر مختلف، وقد كان لبّ الأمر وأساسه: بعد قتل ويس، ما هدفه الجديد؟ وهل كان يحتاج شيئا كهذا حقًا؟

كان على كيد تعريف الهدف في أول الأمر

لقد قضى كيد فترة ليست قصيرة من حياته وهو طفل دون هدف واضح يتخذه، كانت تلك الفترة نقطة بلونٍ شفاف على صفحة سوداء في حياته

كان صغيرًا جدًا ليفهم أمورًا معقدة من مثل الدوافع والأهداف، أو ليفكر كيف يتعامل معها. كان فقط يأكل ويشرب ويؤدي ما طلب منه.

أو هل ربما كان لديه؟ في الواقع، لقد انضم كيد للمنظمة لأن رئيس هذا المقر كان قد قدّم له مساعدة يُشكر عليها، ولهذا السبب كان لديه رغبة صغيرة في ردّ الجميل ومساعدة الرجل العجوز... مساعدته عن طريق تأدية المهام بقتل البشر بلا شك

لكن كيد لم يعتبر هذا هدفًا، لم يشعر بدافع داخلي قويّ يدفعه للقيام بذلك، ربما في الواقع كان قد انضم فقط ليؤمّن غذاءه ومسكنه، لكنه تحجج وأقنع نفسه في تلك اللحظة بأنه يريد فقط رد الجميل

وأيضًا، لم يعرف كيد كيف يمكن تحقيق هذا الهدف بالتحديد - إن كان هدفًا -. هل كان يجب عليه مثلا تأدية عدد محدد من المهام الصعبة؟ أو زيادة هيبة المنظمة لمستوى معين؟ أو ماذا بالضبط يجب أن يفعل؟

إن لم يكن واضحًا فليس هدفًا. الأمر بسيط

حسنا إذًا، لقد وصل إلى أنه لم يملك هدفًا حقيقيًا قبل ظهور ويس. فكّر كيد قليلًا بأنه حتى مع عدم امتلاكه لهدف في ذلك الوقت فقد كان حيًا

لكن القدرة على البقاء حيًا والرغبة فيها لم يكونا سواء، لذا لم يكن هذا اثباتًا لوجوب بقاءه حيًا في حالة كهذه

أي في حالة عدم امتلاكه لهدف. لذا جاء السؤال: هل يجب أن يبحث عن هدف؟

لم يفكر كثيرًا. لم يكن يجب عليه ذلك بالطبع

كانت الفكرة من الأهداف أنها تأتي بقدميها، لا يُجرى وراءها... أو هكذا كان يعتقد كيد

لكن من ناحية أخرى، كان كيد يكره البشر أو يبغضهم أو يحتقرهم أو لم يعرف كيف يصف شعوره بالضبط، لكن أيًا كان ذلك الشعور فقد كان أشد وأعمق في نظرته للحيوانات

وذلك لأن الحيوانات على عكس البشر لم تكن تمتلك أهدافًا، إنها فقط تسير وتبحث عن غذاء فقط لأنها تسير وتبحث عن غذاء. ولم يكن كيد يملك هدفًا لحياته تمامًا كتلك الدواب، ولم يكن كيد يريد أن يصبح حيوانًا

في الواقع، كان شعر كيد يقف ذعرًا في كلّ مرة تراوده فكرة تحوله لحيوان

'لا أريد أن أصبح حيوانًا... ليس وكأن البشر رائعون جدًا بالفعل'

ضرب كيد خدّه هذه المرة

"عد للموضوع الرئيسي يا أحمق! تفكير منتظم، تفكير منتظم"

لذا، ماذا الآن؟ ماذا بعد؟ ماذا يحدث عندما لا يملك الإنسان هدفًا؟ لماذا يسير؟ لماذا يتنفس؟

لقد ظنّ مباشرة أن حياته التي يأكل فيها ويشرب ويؤدي المهام، دون هدف مباشر وواضح يطمح له، تقربه أكثر لكونه حيوانًا من بشريّ مقزز

لكنّه أيضا لم يكن يريد البحث عن واحد، لأنه كما ذكّر نفسه باعتقاده في السابق، فقد كانت الفكرة من الأهداف أنها تأتي بقدميها، لا يمكنه البحث عن واحدٍ بكلّ بساطة

تذكّر كيد أنه في سلسلة تفكيره كان قد قرر تعريف الهدف في البداية ليتابع بشكل أكثر تنظيمًا

حسنًا ما هو الهدف؟ كان الهدف في نظر كيد بسيطا: هو الشيء الذي يطمح الإنسان لتحقيقه ويفني عمره في ذلك، وكان يجبُ أن يكون واضحًا كدرجٍ يسير الإنسان عليه ليصل إلى القمة، كما كان عليه أن يأتي بنفسه فلا يتعب الشخص نفسه في البحث عن واحد

حسنًا بعد أن قام كيد بتعريفه، ماذا الآن؟ ما الذي استفاده كيد من تقديم تعريف للهدف من وجهة نظره؟ هل كان هناك فائدة للعملية التي يقوم بها من الأساس؟

وضع كيد كلا يديه وغطا بهما وجهه. لقد شعر فجأة بصداع رهيبٍ يداهمه، كان هذا الأمرُ مزعجًا ومشوشًا. لم يكن كيد معتادًا على التفكير المنتظم في مثل هذه الأمور

في الواقع، حتى لو خرج بأفكار وخططٍ مرتّبة ومؤسسة، فلم تكن أفكاره تحمل الصفة ذاتها. لطالما كانت مبعثرة ومرمية بكل اتجاه وكان عليه تجميعها في النهاية للخروج بما أراد الوصول إليه

وفوق ذلك، من التفكير الذي لطالما قام به، لم يكن التفكير في أمور وقرارات حياته وأهدافه ورغباته جزءا منه، لذا كان كل شيء يحدث يدعوه لحكّ جلده حتى يزول

***

أمضى كيد أسبوعًا كاملًا على هذه الحال...

لم يكن يتذكر أو يهتم بما فعله أو إن كان قد أكل شيئا أو تحرك من مكانه أو دخل عليه أحدهم، اعتقد أنه ظلّ تمامًا كالمشلول طوال الوقت

وفي النهاية، سئم من الأمر لذا قرر اختصاره

'هل لدي هدف الآن؟ لا. هل يجب أن أبحث عن هدف؟ لا. هل هناك معنى لحياتي؟ لا... إذًا ما الذي أفعله حتى هذه اللحظة؟'

وهكذا، كان كيد قد بدأ في الاختيار. كان في المقر نحو ثمانية وعشرون مبنًى، تتعدد أهدافها ومرافقها لكنه لم يكن يهتم بأي من ذلك

أراد البحث عن أكثر شيء مضمون. وقد كان الأكثر ضمانًا هو الأعلى بلا شك

لذا، وبلا أية لحظة تفكير، استقرت قدم كيد اليسرى على الهواء

كان يسمعُ صوتًا بعيدًا جدًا لكنه لم يدرك ما كان

رفع كلتا يديه في الهواء. مجددا، لم يعرف ماذا أراد بهذه الحركة لكنه كان قد شعر برغبة حارقة لالقيام بها، لذا ابتسم كيد بعد ذلك

لسببٍ ما بدا الصوت أكثر وضوحًا، كان ذلك لأن الجميع أسفله قد صمتوا ولم يبقى سوى شخص واحد يصرخ

لكن كيد بالطبع لم يعرف ذلك فلم يكن ينصت من الأساس

كان هنالك ما هو أهم ليقوم به

'سأتخلص أخيرا من قيودي'

صدمَ كيد جزئيا من هذه الفكرة العابرة، فلم يكن قد عدّ نفسه مقيدًا أو ملزمًا بشيء من قبل، لكنه لم يلقي بالًا كثيرا فكلّ هذا لن يعود مهمًا بعد الآن

هبطت قدم كيد بجوار أختها، ثم كان هنالك رياح قوية تقاومه للأعلى

كان شعورًا جميلًا مع أن كيد لم يعرف السبب...

***

احم... انتظروا الفصل القادم🫠

أدري ما عوضت امبارح بس حاولت🥀

2026/03/23 · 10 مشاهدة · 1469 كلمة
نادي الروايات - 2026