عندما صعد كيد على سطح المبنى كان قد اختار الأعلى في المقر، ربما لم يكن جسدُ المستيقظ المعزز سيتأذى بنفس القدر الذي سيتأذى به الجسد الخامل، لكن كانت ستون مترًا كافية لقتل حتى مستيقظ قوي مثله بلا شك
كان الانتحار الذي خطط له كيد مضمونًا... بغض النظر عن أنه فضّل ألا يدعو ما قرر القيام به بالانتحار، ربما كان "عملية إراحة الجسد المتعب من أداء المهام الشاقة لعدمٍ توفّر السبب المقنع لفعل ذلك" تعبيرًا أفضل
لكن حتى لو تلاعب كيد بالكلمات، فقد كان انتحارًا في النهاية... ليس وكأنه يملك مشكلة مع ذلك
لكن مشكلته كانت في أنه قد صعد على سطح المبنى وألقى بنفسه وصارعه الهواء بينما عانقته الجاذبية للحظات طويلة ومريحة
إذًا لماذا؟...
لماذا لا يزال كيد يسمع أصواتًا من حوله؟... لماذا لم يشعر بشيء؟
فتح عينيه وألقى نظراتٍ سريعة حوله بغضب
على يسار كيد كان رجلٌ يصرخ بغضب:
"اللعنة! سحقًا لك أيها المجنون..."
بينما على يمينه كان هنالك رجل يهتف بفرح:
"كيد! هووي كيد"
وأمامه وخلفه كان العديد يتكلمون بكلامٍ غير واضح أو مفهوم مع اختلاف تعبيراتهم
لعن كيد داخليًّا.
'سحقًا لكل شيء. لمَ لا أزال حيًا بعد كل ذلك؟'
فجأة، اخترق ضجيجٌ مروّع دماغ كيد
لم يكن محيطه هادئا من قبل، لكنه هو من كان غائبا بوعيه، كان يصب كل تركيزه على ما يفعله ويتجاهل ما حوله، لذا عندما بدأ دماغ كيد يستوعب ببطء ما يجري، بدأ رأسه ينبض بصداعٍ رهيب
سقط فجأة وركع على الأرض وأمسك برأسه
'سحقا، سحقا، سحقا'
هرع صوتٌ خائف الى كيد بسرعة
"هل أنت بخير؟ ماذا أصابك؟... تكلم!"
كانت الطبيبة روز تمسك بذراعي كيد وتدور حوله لتتفحصه من كل مكان
'ما خطب هذه؟'
بدأ صداع كيد يزول ببطء
نظر إلى جسده فوجد بعض الكدمات والجروح التي نزفت منها الدماء
'يبدو أنني لم أخرج سليمًا بعد كل شيء'
كان الجميع من حوله لا يزالون يصرخون
حاول كيد تحريك ذراعه اليسرى ليبعد الطبيبة ويطمئنها على حاله، لكن ألمًا مروّعا آخر اخترقه في تلك اللحظة
صر على أسنانه. كان عظم الترقوة لكتف كيد مسكورًا بعنف، حتى تحريك رقبته بحرية كان مؤلما
'نعم لم أخرج سليمًا أبدًا...'
شهقت الطبيبة عندما شاهدت ذلك
"أوه يا الهي هذا سيء"
اخترقت صرخة طبلة أذن كيد
"أنت! ماذا تظن نفسك فاعلًا؟"
'أنا؟ ماذا فعلت؟'
نطق كيد بأفكاره بالصيغة نفسها
اقترب الرجل أكثر بغضب مشتعل في عينيه، ثم أشار الى كيد بإصبعه
"نعم أنت، من في رأيك قد فعل هذا؟"
رمش كيد مرتين وحاول تركيز بصره على الرجل الغاضب القابع أمامه، وتفحصه من أسفل لأعلى
كان هنالك بعض الحروق التي أصابت ملابسه وجسده على حد سواء. ضيق كيد بصره
من فعل ذلك؟... ليس هو بالتأكيد
"يا الهي، هذا سيء من أوصلك لهذه الحال؟"
توسعت عينا الرجل أكثر بكثير من قبل وبدأ ينفث النار من فمه
"هل تسخر مني؟"
سار بخطواتٍ ساحقة ومد يده المرتجّة بغضب نحو كيد. وقفت الطبيبة ورفعت يديها أمامه
"توقف! لا تفعل"
بغضب متجاهل قام الرجل بدفع روز جانبًا، وبسبب فرق القوة بينهما والذي ينبع من كونه مستيقظًا بينما كانت خاملة، حلقت الطبيبة مسافة ليست قصيرة بالنسبة لدفعة بسيطة، ثم ارتطمت بقوة في مجموعة من الرجال الواقفين في الساحة
التفت الرجل بغضب لكيد من جديد، وبحث عنه بنظراته المستعرة
"أين ذهب ذلك الـ..."
أُغلق فم الرجل بقوة وأجبر أن يعضّ على لسانه، حلق رأسه مسافة أمتارٍ لأعلى ثم سقط على ظهره بعد لحظات
كان كيد يقف على ذراع واحدة ويرفع رجله في الهواء في نفس المكان الذي كان فيه الرجل منذ لحظات
كان كيد لا يزال في الوضعية نفسها عندما بدأ التفكير في:
'ما - لمَ فعلتُ ذلك؟'
كان متعجبًا من ردة فعله العنيفة تجاه الرجل الغريب، حتى مع ما قام به الرجل تجاه الطبيبة فلم يكن هذا دافعًا معتادًا لكيد للتدخل
لكنه فعل في النهاية، وقد شعر أنه عرّض نفسه لمشكلة مزعجة لن تنتهي بأقرب وقت
نظر الجميع من حوله، وروز خاصة بنظرات مصدومة ومترقبة. حل صمتٌ لحظي قاطعه صوت جاء من خلف كيد
"مرحبًا كيد، هل تتجاهلني؟"
كانت عينا صاحب الصوت قد شكلتا هلالًا وهو يبتسم.
كان كيد متأكدًا أنه لم يرى هذه الملامح من قبل، ولم يسمع هذا الصوت في أي مكانٍ أيضًا
كان الرجل غريبًا تمامًا لكنه كان يتصرف وكأنه يعرف كيد ولديه علاقة به
سمع كيد زفيرًا غاضبًا من خلفه. تنهد ثم التفت مرة أخرى. كان الرجل لا يزال ملقًى على ظهره لكنه قد كان يتنفس بقوة وجنون
نهض ببطء دون الاعتماد على يديه، ثم نظر بتوحش نحو كيد والغيظ يقفز في عينيه والظلال تلون وجهه وتحجب معظمه
بسرعة خاطفة، انقض الرجل على كيد فتجنبه الأخير بصعوبة. حطمت قبضته الأرض التي أصابها
انحنى كيد ليتجنب لكمة أخرى وتجنب غيرها وغيرها، فاستحوذت رغبة الانتقام على الرجل الغريب واستعر غضبًا، وحينها انطلق منه ضغط هائل على شكل موجة صوتية دفعت كيد للوراء
كان كيد يجثو على ركبته عندما حاول النهوض، لكن موجة أخرى هاجمته ودفعته للوراء مجددًا. حاول استعادة توازنه بسرعة لكن الموجة الجديدة كانت أسرع فحلق أكثر للخلف، ثم سقط على كتفه المكسورة وصرخ ألمًا
توسعت عينا الطبيبة لكنها كانت عاجزة عن التدخل
ابتعد الحاضرون عن مسار شجار الرجلين وسمحا لهما بالعبور، وحينها انطلقت موجة رابعة جعلت كيد يحتك بالأرض ويتدحرج مسافة أكبر للخلف، تقيأ الدم واستسلم عن النهوض
'اخخ! تبًا لكم كنتُ أريده سريعًا'
اقترب الرجل بخطواتٍ متثاقلة من كيد، وفتح الآخر صدره مرحبًا بالموجة القادمة لكن شيئا لم يحدث...
تقطير... تقطير... تقطير...
كانت الدماء تقطّر على الأرض بهدوء في البداية، قبل أن تتحول لفيضان عنيف عندما سُحبت اليد التي كانت قد اخترقت قلب الرجل
سقط الغريب للأمام وغرق في بحيرة دماءه، وظهر من خلفه الرجل الغريب الآخر الذي كان قد ابتسم لكيد
قال الرجل بانزعاج واضح:
"لا أحب الحشرات التي تقاطعني... لا أطيقهم! لا أتحملهم! فليذهبوا الجحيم..."
تغيرت نبرته قليلا:
"إذن أين كنّا؟"
ثم رفع نظره لكيد وعادت ابتسامته لتشق وجهه:
"أوه أجل كيد... لا تقلق تخلصتُ من هذا المزعج والآن أريدك أن تأتي معي؟"
'ها؟ ماذا؟... ها؟'
كان كل هذا غريبًا ومرهقا لعقل كيد المشتت
في البداية، يحاول الانتحار فيفشل بشكلٍ غريب، ثم يجد نفسه بين مجموعة من الناس الذين لا يتوقفون عن الثرثرة فيصيبه صداعٌ حاد، ثم يلحظ حوله شخصان اثنان كل منهما يصرخ عليه بنية مختلفة، ثم ينجرّ الى شجار مع أحدهما، ومن ثم يُقتل الأول من قبل الآخر ويخبره الآخر أن عليه أن يأتي برفقته
ظل كيد صامتًا لفترة. أراد أن يحرق كل شيء حوله ويحوله إلى رماد
لمَ كان الجميعُ مجتمعًا هنا من الأساس؟ حتى الطبيبة، لم يكن من المفترض أن يكون الأطباء بالقرب من هذا المبنى. لذا ما سبب تجمعهم؟
ثم كان هنالك ذلك المجنون الآخر. ركز كيد على ملامحه. لقد كان رجلا هزيلًا أكبر من عمره بسنين، بشعر بنيّ ولحية فوضوية مهملة، مع عينين خضراوين خبيثتين
هذا الرجل! لم يستمر بالصراخ باسمه وكأنه يعرفه منذ سنين؟ وما الحماقة التي يتفوه بها؟
مد الرجل الغريب يده واقترب من كيد بنفس الابتسامة السابقة:
"انهض! هيا سنذهب... لا نريد التأخر علـ..."
صمت الغريب صمتًا مشابهًا للرجل السابق، وتجمدت تعابير وجهه
ظل واقفًا دون حركة للحظات قبل أن ينزلق رأسه عن جسده ويسقط أرضًا وتبدأ نافورة دماء جديدة
كان القطع فوق كتفيه نظيفا ودقيقًا دقة مخيفة...
صرخ أحد الحاضرين فجأة:
"إنه... إنه - تومورا!"