كان كيد يجلس لوحده في الزاوية بعيدًا عن البقية من رفاقه

دعا غارث الجميع لغرفته لعقد اجتماعٍ كان قد وصفه بأنه مهم. لذا في هذا اليوم، كانت الفرقة بأكملها مجتمعة في الغرفة يتحاورون فيما بينهم... ما عدا كيد

لم يكن كيد منغمسًا بما يجري

بالتأكيد، كان بإمكانه عدم الإستجابة للدعوة، فقد كان هو القائد بعد كل شيء لا غارث، لكنه لم يرغب في تضييع فرصة في معرفة المزيد عن شخصية الشاب الجديد وطبيعته

بدافع الفضول طبعا...

لم يكن الموضوع الذي أراد غارث مناقشته بتلك الدرجة من الأهمية كما وصفه. كل ما أراده الضخم هو تعلّم المزيد عن قوة المدعو ايرايزر وأسلوبه، حتى تتمكن الفرقة من الانسجام معه في ساحة المعركة عندما يحين الوقت

'هل يريد أن تتم ترقيته لقائد عوضًا عني؟'

لقد كان كيد يشكّ في هذا منذ فترة، إذ كانت تصرفات رفيقه الشاب مشبوهة في الآونة الأخيرة

ربّما أراد استغلال الحالة التي كان كيد بها، ووضعه غير المستقر مع إداريي المقر، حتى يجذب الانتباه بتصرفاته القيادية، ليسرق زعامة الفرقة منه

حسنا، لم يكن كيد يمانع مع هذا... تقريبًا

أو لا ربما كان يمانع جدًا. كان كيد ليقبل أن يكون تحت قيادة شخص ما معتمد وموثوق وقادر وذكي، لكن ليس رفيقه. ليس أن رفيقه لم يحمل أيًا من هاته الصفات فحسب، بل إن شخصيته وتصرفاته جعلت كيد يكره التفكير في أن يكون تابعًا لشخص مثله

لم يكن بإمكان كيد القول بأنه يكرهه حقًا لكن...

'حسنا، لن يحصل هذا بالتأكيد'

ليس قريبًا على الأقل...

إذًا، عن ماذا كان يتحدث رفاقه؟

"أو أجل، أعتقد أن شيئا كهذا يمكن أن يعمل بشكل جيد مع قدرة ايسيليان"

علّق فورج مستنكرًا كلام غارث:

"ماذا تقول؟ ليس كذلك أبدًا، بل حتى أن قدرته ستعمل بشكل سلبي... كيف تفكر أنت؟"

"احم، أعتقد أنك فهمتني بشكل خاطئ ما قصدته هو..."

لا تزال المواضيع التي يتحدث عنها رفاقه غير جذابة لكيد، ولا تزال لا تدعم تقدمه في هدفه، ولا يزال يرغب في طرد الدخيل الجديد

'ما هو السبب الذي دفعني لهذه الرغبة مجددًا؟'

أغمض كيد عينيه وظهرت بعض التجاعيد على جبهته وهو يفكر، لكن لحسن الحظ فقد استذكر الإجابة على تساؤله بسرعة هذه المرة

"كيف هي حالتك الآن؟"

سأل ايسيليان الذي اقترب من كيد في وقت ما.

"التأمت جراحي وجُبر الكسر، يمكنني تحريك جسدي بشكل جيد نسبيا، ليس كالسابق سأحتاج فترة قصيرة"

أصدر ايسيليان صوت اصطدام خفيف عندما جلس بجوار كيد

"لم... أقصد هذا"

مد قدميه وأراح ظهره على الحائط

"قصدتُ حالتك العقلية"

ظل كيد محدقًا به لفترة ثم عاد بنظره للأمام

"آه... أنا أميل للتحسن"

لم يوضح ايسيليان كثيرًا ما الذي كان يعنيه بالتحديد، لكن كيد كان قد فهم ما الذي يشير إليه

كان لدى كيد العديد من المشاكل الغريبة والمتنوعة التي لاحقته منذ كان واعيا على نفسه، أو التصقت به في أوقات لاحقة. لكنه ربما لم يعاني من أي منها كما عانى من مشكلة دماغه المتكررة

'...

أسحب كلامي، مشاكلي الأخرى مروعة أكثر بأضعاف'

حسنا، لكنها كانت على الأقل سيئة بما يكفي لإدراجها في القائمة

لم يكن كيد ضعيفًا في التحليل أو الاستيعاب أو حتى ذو ذاكرة هزيلة، بل لربما كان ذكيًّا أكثر مما يظنّ هو نفسه. لكن كان هنالك أوقات يتحول فيها دماغه لحالة أخرى مختلفة تمامًا

كانت ذاكرته تصبح ضعيفة وهشة، وتركيزه يصبح أقل حدة، كما كانت قدرته على التحليل وتنظيم أفكاره تتراجع بشكل ملحوظ

لم يكن يصبح غبيًا بالمعنى الحرفي، ولا يتغير دماغه بشكل جذري عندما تصيبه هذه الحالة، لكن كان الأمر وكأن كل شيء يريده ويحاول التفكير به، يبدو بعيدًا جدًا وصعب الوصول. أو قريبا، ولكن ستارًا يغطي عليه ويحجبه

ليست حالته الدائمة بالطبع، لكنها أيضا غالبا ما تتأخر في الانقشاع. ليس في كل مرة لكنها أحيانا - هذه الفترة مثلا - قد تستمر لأسابيع طويلة، وهذا ما جعل كيد منزعجًا من هذا المرض الغريب لدرجة لا تطاق

مع أنه لم يكن مرضًا حتى، إذ حاول كيد تشخيصه من قبل لكن دون فائدة تذكر، إلا أن شكله وتأثيره كان يدعوه لتسميته بالمرض

طبعا، وصل كيد في وقتٍ ما لتعديد النقاط الواضحة المسببة لهذه الحالة المرضية، والتي كانت تأتيه ليس بشكل دوري ولكن مستمر

أول ما توصل إليه هي تلك الأوقات التي يجهد فيها نفسه لدرجة كبيرة، أو يتعرض بها لإصابات خطرة

كان من الطبيعي أن يصبح أي إنسان آخر بهذه الحالة إذا تعرض للأمر ذاته، لكن كيد لم يكن مشابهًا تمامًا. كانت حالته أشد بمراحل، إذ يبتعد تمامًا عن مسمى الصفاء في تفكيره ويدخل في حالة من التشوّش والضياع، كما أن هذه الحالة تستمر لفترة طويلة. نعم، قد تنخفض بشكل طفيف وتدريجي بمرور كل يوم، لكنه كان يبقى على هذه الحالة لأسابيع

لكن مع هذا، كان بإمكانه افتراض أن الأمر ليس مرتبطًا تمامًا بالإرهاق، بل هي مجرد مضاعفات لحالته المرضية تلك تدخل حيّز العمل عندما يُرهق دماغه أو تتم إعاقته، لكنها لا تأتي مباشرة من الإرهاق نفسه

لم يكن متأكدًا جدًا

حسنًا، كان المسبب الثاني هي ذكرياته، ويقصد بها ذكرياته المنسية والمجهولة عن نفسه السابقة وعائلته وماضيه

لم يستطع كيد استرجاع أي شيء منها حتى اللحظة، إذًا كيف؟ ببساطة، لأن الأمر كان يحدث عندما يحاول فعل ذلك، أي استعادة ذكرياته. في الواقع، لقد اعتقد كيد أن لديه بعض الفرضيات حول كيفية حدوث هذا الأمر... كيفية التسبب به لا كيفية حدوثه بشكل أصح

لم تكن ذكرياته ممحية تمامًا، نعم كانت منسية لكنها كانت بعيده وليست غير موجودة حقا

ربما بعيدة جدًا، بعيدة لدرجة ظنّ كيد أن الوصول إليها أشبه بحلم مستحيل، مغلقٌ عليها في مكانٍ ما بقفلٍ كسرهُ أصعب من شرب المحيطات

لذا، أحيانا وخاصةً عندما يرى أو يشعر بشيء ربما له علاقة بحياته السابقة، كان كيد يسارع محاولًا ربط الشيء الذي رآه بذكرياته المنسية

لكن كان الأمر فقط... مستحيلا

مهما حاول ومهما بذل من جهد، ففي كلّ مرة يشعر أنه اقترب من تحقيق شيء ما، بدا ببساطة وكأنه قد تم طرده مما اقترب إليه، وفي كل مرة يزداد الضغط على عقله ويصبح تركيزه أضعف وأقصر

حتى في النهاية يصل لحالة الضعف العقلي تلك، وتستمر لأسابيع شاقة ومزعجة

لذا، يئس كيد من محاولة استعادة ذكرياته والبحث عن ماضيه، وتم شطبها من قائمة الأهداف المحتملة منذ سنين

أجل، وكان هنالك المسبب الأخير

التأثير الخارجي، أو ربما كان على كيد تسميتها بالتأثير الداخلي؟ فقد كان مسببًا داخليًا بشكل أقرب

رنّت هواتف الجميع برنين مزعج، قاطعةً حبل أفكار كيد المنتظمة هذه المرة

حسنا، الجميع ما عدا كيد الذي كان قد ترك هاتفه في غرفته لأسباب خاصة

رفع ايسيليان الشاشة ونظر إليها

"لونٌ أحمر... مهمة طارئة يجب علينا الإنطلاق سريعًا"

***

كان هنالك خمسة...

كيد وايسيليان وغارث وفورج والعضو الجديد ايرايزر، كلٌّ منهم كان يقف منعزلًا بحجرة زجاجية متوسطة الحجم

كان طول الحُجرة الشفافة متر واحد وعرضها بالمثل، بينما كان ارتفاعها ثلاثة أمتار

لم يكن المكان الذي اجتمعت الفرقة به منعزلًا حقًا، بل على العكس من ذلك فقد كان مكتظًا بالناس الذين يرتدون مختلف الملابس، والتي يشير كل منها لوظيفة محددة في المنظمة

نطق شخص يرتدي بدلة رمادية غامقة متوجهًا لكل من بالفرقة:

"لا وقت لتزويدكم بالمزيد من المعلومات حول المهمة، ما تمّ إطلاعكم عليه هو الأهم مما يجب معرفته"

لم يضف الإداري ذو الملامح الخشنة شيئا آخر لهم، توجه دون مماطلة لشخص آخر بجواره

"حدّد الوجهة وجهز الإطلاق"

بدأ الرجل يعبث بحركات غير مفهومة للمعظم، بأزرارٍ كثيرة على لوحة تحكم ممتدة بشكل عرضي

توجه الإداري بكلامه هذه المرة لخمسة رجال آخرين يقفون بالتساوي:

"هيا، جهزوا أنفسكم لشحن مقصورات العبور"

اقترب الرجال بثبات من الحُجرات التي وقفت بها فرقة كيد، مدّ الرجال أياديهم ووضعوا كفوفهم المفتوحة على الزجاج الخارجي

"عند إشارتي... 3، 2، 1"

اختفت الفرقة... لا بل اختفوا بالمعنى الحرفي

***

كان الجميع يقفون بجوار بعضهم بعضًا

لكن هذه المرة خارج المقصورات الزجاجية وفي وسط قرية نائية تطلع عليها أشعة الشمس

فتح كيد فمه:

"هل هناك من فشل في الوصول؟ هل تم الانتقال بشكل مثالي؟"

رد ايسيليان مجيبًا:

"أجل، أقصد لا ليس تماما لكن..."

"لكن ماذا؟"

"لقد هرب العضو الجديد"

فتح كيد فمه بشكل دائري ورفع حاجبًا بنوع من الصدمة

"ما-ماذا تقصد بهرب؟"

رفع ايسيليان كتفيه وهز رأسه

"لا أدري هو فقط... بمجرد وصولنا بدا خائفا ربما ثم هرع بذلك الاتجاه"

ظل كيد صامتا للحظات ثم وضع يده على وجهه

"آخ! حسنا إذن... غارث وايسيليان الحقا بذلك الأحمق الآخر وتأكدا من سلامته أو شيئا ما من ذلك القبيل... فورج تعال معي"

افترقت المجموعة كلٌّ في اتجاه، بخطواتٍ رشيقة ومسرعة وتطاير الغبار من مكان انطلاقهم

راقب كيد بعينيه بحثًا عن العدو المجهول الذي جاؤوا لأجله، لكن لم يكن هنالك أحد...

في الواقع، لم يبدو أنه هنالك بشرٌ هنا حتى، لا أشكال ولا أصوات فقط... روائح

انتشرت رائحة مقززة ومنفرة في كل مكان يحيط بهم، كانت رائحة الدماء

لم يستطع كيد إبصار أي من الجثث لكنه كان قادرًا على رؤية الدماء بوضوح

وفي النهاية، عثر هو وفورج على شخص ما...

لم يكن الرجل متخفيًا بل كان ظاهرًا بوضوح أمامهم، حتى أنه كان يدندن لحنًا مرحًا ويهز رأسه

كان الرجل يجلس على سطح أحد الأكواخ، ويؤرجح قدميه المتدليتين من على السطح، بينما ارتسمت على وجهه ابتسامة متسلية

ضيق كيد عينيه قليلًا وهو يدرسه قبل أن تتوسعا أكثر من السابق

كان رجلًا هزيلًا أشعثا بلحية متسخة بالدماء والغبار، مع عينين خضراوين ضيقتين وشعر بني

كان كيد متأكدًا أنه شاهد هذه الملامح من قبل

"كـ... كـ-يف يعقل؟"

لقد رأى رأس الرجل الغريب يُقطع في ذلك اليوم على يد تومورا، إذا كيف؟

اتسعت ابتسامة الرجل عندما شاهد قدومهم، ثم رفع يده ولوح بها

"هوووي كيد! لقد انتظرنا قدومك لوقت طويل... مرحبا"

التفت فورج بنوع من التوتر لقائده ثم قال:

"هل لديك علمٌ بمن يكون؟"

بدأت الشرارات تنسج نفسها في يد كيد

"لا، ليس حقًا... لكن يبدو أننا سنتعرف"

2026/04/01 · 9 مشاهدة · 1505 كلمة
نادي الروايات - 2026