كان غارث متقدمًا على ايسيليان بخطوتين.

"هل رأيت الطريق الذي سار فيه؟"

رد ايسيليان بينما يقلّبُ عينيه في القرية الفارغة:

"ليس حقًا، شاهدتُ بأي اتجاهٍ ذهب لكن لم أتابعه بعدها"

كان الهدوء طاغيًا على هواء القرية لدرجة تثير الرعب والقلق في نفوسهم، عثر كلاهما منذ فترة قصيرة على بقايا دماء مسكوبة، لكن لم يجدوا وراءها شيئا... فقط كأن الأرض انشقت وابتلعت سكان هذه القرية الكئيبة

أطلق ايسيليان زفيرًا خافتًا معبرًا عن تذمره

"اعععع أين هم الجميع؟ وإلى أين ذهب ايرايزر مسرعًا؟"

صمتَ قليلًا وعبس وهو ينظر إلى ظهر رفيقه العريض، والذي لم يلتفت حتى بعد تذمره

'...سأكتشف بنفسي'

سحب ايسيليان الهواء من محيطه وحبسه في صدره، ثم أطلق صرخة حادة بأعلى صوته:

"هووووي! ايرايزر أين أنت؟ هووووي! أيها السكـ..."

التفت غارث وغطا فمه بحركة سريعة

"ما الذي تفعله أأنت أحمق؟ ستكشف وجودنا"

بينما كان غارث يحجب صوته، فتح ايسيليان عينيه وأشار بإصبعه لما كان ينظر إليه

"وو-اك! (هناك)"

أدار رفيقه رأسه ونظر خلفه

"انه العضو الجديد، أليس هو؟"

أومأ ايسيليان برأسه وأزاح يد رفيقه الضخم عن وجهه واستنشق الهواء من جديد

"هو بلا شك"

سرع كلاهما خطواتهما وسارا بثباتٍ نحو رفيقهما

كان ايرايزر يقف عند عتبة باب كوخ قديم، جامدًا في مكانه، إذ لم يعرفاه رفيقاه إلا من ظهره

اقترب ايسيليان منه ووضع يده على كتفه وسحبه قليلًا للخلف

"لماذا هربت؟ أنت تفسد عمل الفريق بتصرفك"

لم يجب رفيقه وظل ساكنًا كتمثال حجري بائس. حاول ايسيليان هزه وخضّه بينما يقول:

"هووي، هييي، هااي، هل تسمعني؟"

لكن بلا أية استجابة

"ايسيليان..."

تكلم غارث بصوت منخفض وبلهجة محذرة.

"ماذا؟"

قام غارث بسحب ايسيليان بإصبعين فقط من كم قميصه وأعاده للوراء

"ما-هيي ماذا تفعل؟"

أشار غارث بصمت لداخل الكوخ حيث كان ايسيليان قد تجاهل النظر هناك سابقًا

أغلق الشاب فمه ونظر للمكان الذي أشار إليه رفيقه، ثم...

"ماذا؟ ما هذا... الشيء؟"

لقد خانه التعبير في الواقع، إذ لم يكن ما رآه في الداخل شيئا، بل شخصًا

على الأرضية الخشبية الخشنة، كان يجلس رجل محجوب الملامح، وأمامه كانت هنالك دماء كثيرة تغطي الأرض، لكن ما زرع الرعب في الواقفين لم تكن الدماء فقط

سقطت أمام الرجل جثة رجل آخر بدا عجوزًا.. أو ما تبقى من جثته حتى اللحظة... كانت الجثة تتلاشى، لكن ليس بأي طريقة شهداها من قبل

كانت وكأنها... تُمتص؟

نعم لقد كانت تمتص من الرجل الجالس، كمائع يتجمع ليحيط بجلده ثم يُسحب بشكل مقزز ويختفي تمامًا

استطاع ايسيليان إبصار ابتسامة ملتوية من خلف الملامح المغطاة بالجسد الذي كان يُلتهم

لم يكن يُلتهم بمعنى الالتهام الطبيعي، لكن هذا كان أقرب وصفٍ يمكنهما التفكير فيه لوصف هذه العملية الغريبة

شعر الشاب أنه يريد التقيء.

فجأة، اخترق صوتٌ خبيث وهادئ أسماعهم

"احم، اعذروني... سأُكمل هُنا وسأوافيكم قريبا لا داعي للقلق"

لم يكن أيّ من الواقفين لديه كلمةٌ ليقولها، ولم يعرف أحدهم ماذا يمكن أن يُقال بحالة كهذه، لذا التزموا الصمت وتسمروا في أماكنهم

ولم تكن دقائقًا، بل ما هي إلا لحظات حتى كان الرجل في داخل الكوخ يقفُ وينفض الغبار عن ملابسه

قال وهو يُغلق عينيه بابتسامة بدت خجولة:

"أنا حقًا أعتذر، هذا بالفعل خطأي... كان يجبُ أن أنتهي قبل قدومكم، أكرر اعتذاراتي"

فتح ايسيليان فمه ثم أغلقه مجددًا

كان بإمكان رفيقه الضخم مشاهدة التعابير الجادة النادرة على وجهه، بينما كان يدرس ملامح الرجل الغريب ملتهم البشر

عيونٌ خضراء، شعر نحاسي و... تلك اللحية المغبرة

لقد عرفه ايسيليان ففتح عينيه مصدومًا

"يا غارث... لقد... أنا كنتُ قد قتلتُ هذا الشخص سابقًا، هناك في قرية كاردي عندما هاجمنا ويس"

حوّل الضخم نظره إلى الرجل الغريب ثم أعاده مجددًا لرفيقه، وقال بارتباك:

"ما الذي تقوله؟ كيف يعقل هذا؟"

"لا-انا فقط لا أدري... متأكدٌ أنه هو، نعم هو، لقد كان ضمن الجنود الذين هاجمناهم في القرية"

لم يكن غارث قادرًا على استيعاب ما يجري، ولا حتى أي شخص آخر في الواقع

رأى ايسيليان أصابع يد ايرايزر ترتج قليلًا فتراجع خطوتين للخلف...

***

كان كيد مرتبكًا من كل ما يجري، ليس فقط أن الشخص الذي شاهد رأسه يسقُط أرضا قبل أسابيع موجود هنا أمامه فحسب، بل هل كان قد قال للتو: لقد انتظرنا قدومك؟ إذًا كم عدد الموجودين هنا؟ ولمَ ينتظره هو بالتحديد؟

لقد أهمل كيد هذه المسألة ولم يعد إليها بجدية في الفترة الأخيرة، وذلك لأنه كان على يقين من موت الشخص الغريب الذي تربطه به علاقة غير مفهومة، لكن الآن وهو يراه أمام عينيه لم يعد متأكدا من أي شيء

مهلا، ماذا لو كان هذا هو شقيقه التوأم؟

لقد كان كيد متفاجئًا جدًا في البداية لدرجة أنه غفل عن التفكير في احتمالية واضحة كهذه، لكنّ هذا لا يفسّر الكثير، لا تزال هنالك الكثير من المسائل المبهمة وغير الواضحة بخصوص ما يجري، وكان على كيد اكتشافها بنفسه

كان الرجل يحكّ أذنه بإصبعه. أشار بيده نحو الفأس الذي نسج نفسه في يد كيد وهو يتكلم:

"انتبه فقط... ذلك الشيء خطير للحمل بعض الشيء"

ظل كيد متحفظًا على ملامحه ولم يظهر أية تعبيرات على وجهه. قال بلهجة لا تعبّر عما داخله من حيرة:

"كيف هذا؟ هل أنت الشخص ذاته؟"

ظل الرجل صامتًا بملامحه عالقة. كان لا يزال يؤرجح قدميه على السطح بينما يدندن بلحنٍ مرح حتى بعدما تكلم كيد. جعل هذا كيد يشعر بقليل من الاستياء وكأن الرجل يتعمد استفزازه وحرقه من الداخل

أطلق بعد لحظاتٍ طويلة همهمة مستفهمة، وكأن الصوت وصله في تلك اللحظة، ثم تكلم بفضول:

"ماذا تقصد بالشخص ذاته؟ عمّ تتكلم أنت؟"

كتم كيد غضبه الذي بدأ يزداد بوتيرة مرتفعة، حرّك لسانه داخل فمه قبل أن يقول وقد بدأ قناع هدوءه ينزاح:

"لا مزيد من التغابي والمماطلة، أنت... لقد قُتلتَ أمامي في المقر، إذًا كيف لا تزال حيًا؟ وماذا تفعل هنا؟"

ألقى فورج نظرة متأنية على كيد ثم بدأ يتحرك يمينًا ليأخذ مسافة منه

رفع الرجل الغريب حاجبه وفتح فمه بقليل من التعجب:

"أنا لا أفهم حقًا يا كيد ما الهدف من سؤالك الغريب والفارغ هذا؟"

ضغط كيد يده على جبينه. لقد كان لديه العديد من الأسئلة ليطرحها، ولم يعرف بماذا يبدأ وكيف يقود الأمر ليحصل على الإجابات التي يريدها، وليدير النقاش بالطريقة التي تمكنه من فهم كل شيء

حسنًا، لذا أولًا كان عليه تحليل كل كلمة قالها الرجل الغريب ليعرف بماذا يتكلم تاليًا

'لقد انتظرنا قدومك...

ذلك الشيء خطير للحمل... لا اعتقد أنه عنى أو أراد الإشارة لشيء محدد في هذه الجملة...

أنا لا أفهم... ما الهدف من سؤالك الغريب والفارغ... هناك شيء ما في هذا'

تكلم كيد أخيرًا بابتسامة صغيرة ونبرة متزنة:

"هممم حسنًا كما تعلم، تلك المشاكل في دماغي، لذا أنا أواجه صعوبة في التذكر بشكل جيد في الوقت الراهن، أيمكنك تذكيري بالسبب الدقيق لتواجدنا هنا؟"

راعى كيد كلّ ما استنتجه حتى اللحظة في كلمته الأخيرة، من حقيقة معرفة الرجل به بشكل غريب وبدرجة مجهولة، إلى معرفة كيد المفترضة به

حتى أنه استخدم بعض حيل التمويه المعرفي والاستدراج التي سبق وتعلمها، لذا كان يأمل أنه سيحصل على إجابة مفيدة من فم الرجل، لكن يبدو أن الرجل لم يكن سعيدًا جدًا بما سمعه

تجمدت ابتسامة الرجل الغامض ثم لامست أسنانه بعضها، قبل أن تتلاشى ابتسامته المتسلية تمامًا، ويحلّ محلها تعبير قاتم ومشؤوم

'سحقًا! بماذا أخطأت؟'

دفع الرجل نفسه عن السطح بحركة رشيقة ليسقط أرضًا من ارتفاع، دون أن تظهر عليه علامة على التأذي

أحكم كيد قبضته على فأسه وكان ذلك فعلًا حسنًا منه، إذ إن الرجل انطلق نحوه بسرعة في تلك اللحظة موجهًا أصابعه نحو عنقه

حرك كيد فأسه بسرعة ليمنع الرجل من الاقتراب، لكن لم يبدو على الغريب أنه يظهر كثيرًا من الاهتمام بفقدان ذراعٍ واحدة، لذا فعل...

كان كيد يفكر بعدد الأذرع التي تم قطعها في الفترة الأخيرة من حياته، لكن الذراع التي قُطعت لم تكن وحدها من صدمته، بل رباطة جأش الرجل الغريب وثباته

لأنه في تلك اللحظة التي قطعت فيها ذراعه، استمر الرجل في تقدمه دون حتى أن يترنح، وحوّل ضربته لذراعه الأخرى ليوجه لكمة نحو جانب صدر كيد

تراجع كيد قليلًا للوراء وشعر بالألم يغطي أضلاعه، لكن لم يكن هنالك الكثير من الوقت للألم

انحنى للخلف ليتجنب ركلة استهدفت عنقه، ثم دار حول نفسه بعد أن أصاب قدم الرجل الثابتة ليقوم بتعثيره

وضع الرجل كف يده الوحيدة، على التربة الخشنة قبل أن يسقط، وقام بدفع نفسه ليتشقلب بمرونة للخلف

لم يكن قد عاد ليلامس الأرض من جديد عندما ضربه فورج، بشكله الضخم، من الخلف بكتفه ملقيًا إياه بقوة ساحقة للأمام

حلّق الرجل أمتارًا قليلة، فقط ليلوح كيد بفأسه قاطعًا إياه من المنتصف بشكل أفقي...

سقط كل جزء من الرجل لوحده وأصدر صوتًا منفصلًا على الأرض

في حالة طبيعية كان كيد سيشعر ببعض الندم لأنه قتل الرجل دون معرفة ما أراده منه، حتى لو كان الأمر بتصرف مستعجل منه وبنية الدفاع عن نفسه، لكن...

'حسنًا... هذا يوضح الكثير في الواقع'

شاهد كل من فورج وكيد العملية التي حدثت خلال ما لا يزيد عن ثانية...

فبينما كان الرجل يحلقُ نحو كيد انفصل جزء من ظهره، متشكلًا على هيئة كائن آخر بشري

كان الرجل يقف خلف الجثة المقطوعة بظهر منحنٍ وأكتاف متدلية، لم يرفع رأسه بعد وكان بخارٌ متصاعد كثيف يحيط بجسده من كل ناحية

رفع الغريب رأسه لينظر نحو كيد بتلك الملامح القاتمة والمرعبة

'هكذا إذًا... تقنية نسخ، هذا لا يبشر بخير'

ربما كان كيد خائفًا وحذرًا بعض الشيء، لكنه كان سعيدًا أيضا، ففي النهاية، كان قد حصل على إجابة أول سؤال من الأسئلة التي راودته

'حسنا بقي أمامي بضعة عشراتٍ من الأسئلة، و-النجاة...'

وبدا أن النقطة الثانية كانت تتطلب أكثر من غيرها...

أدار الرجل رأسه ببطء لليسار ونظر نحو مكان بعيد، ثم مزقت ابتسامة طفيفة قناع البرود خاصته

كانت لا تزال بعيده عن ابتسامته السابقة التي قدمها عند وصول كيد، لكنها كانت لا تزال ابتسامة ولو كانت مقلقة نوعًا ما

قال بصوته مع لمحة من التسلية:

"يبدو أن الأمور تتطور كما لم يكن مخططًا لها في أماكن أخرى"

باعد كيد بين رجليه وأخذ وضعية قتالية، ثم قال:

"ويبدو أنها ستتطور هنا أيضا، أليس كذلك؟"

***

✍️

كان لازم انزل قبل ثلاث ايام فصل واول امبارح فصل وامبارح فصل واليوم كمان فصل بس صار معي ظرف...

...

كذاب انا بس كسلان🗿👍🏻

2026/04/04 · 6 مشاهدة · 1559 كلمة
نادي الروايات - 2026