"أنت لستَ كيد، أليس كذلك؟"
صُدم كيد من السؤال الغريب والغير متوقع، كيف لا يكون هو كيد؟ طبعًا هو كذلك... أليس صحيحًا؟
ربما بدأت بعض الشكوك تراوده في تلك اللحظة
"بلا هذا أنا، لمَ قد تعتقد غير ذلك؟"
'أو هل كان علي قول: لمَ تسأل؟'
كان كيد حريصًا وحذرًا في انتقاء كل كلمة سيتفوه بها، لذا كان الندم والشك يصيبه في كل مرة يتكلم بها، لكن ذلك الندم كان لحظيًا وسريع الزوال، إذ لم يكن هناك وقتٌ للتفكير بما كان يمكن تعديله وقوله، بل تماشى ببساطة مع الأمر
نطق الرجل الغريب بشكل مفاجئ:
"كيد!..."
تدحرجت حبة عرق على جبينه بينما كان كيد ينتظره أن يستأنف كلامه
ألقى الرجل نظرة سريعة على فورج من خلفه ثم عاد بنظره إلى كيد. ابتسم ابتسامة صغيرة، لكنها تحمل من الخبث الكثير، ثم قال:
"ما هو اسمي؟"
تخطى كيد نبضة بعد سماعه للسؤال المفاجئ، وحدّق بالرجل الغريب بنظرة قلقة ومترقبة. لقد ضربَ بكلّ مخططاته عرض الحائط وكشف جهله بما يجري بسؤال واحد فقط
عندما شاهد صمته، اتسعت ابتسامة الرجل لتصبح أكثر ثقة من قبل
"كنتُ أعرف ذلك، أو لا ربما لم أعرف... ففي الواقع، كنتُ أفترض شيئا مختلفًا في البداية، وبصراحة، كان ذلك الشيء أرجح من غيره من الاحتمالات، فقد كان شيئا لن أتعجب عندما تقومُ به... أو يقوم به"
قال كلمته الأخيرة وقد زالت الابتسامة من على وجهه وعاد ليحدق بكيد بملامح قاتمة وظهر منحنٍ
تجول الرجل قليلًا تحت أنظار كل من كيد وفورج بينما يضع كلتا يديه في جيبه. كانت خطواته واسعة وبطيئة لا تُصدر صوتًا يذكر، ونظراته المتقلبة تنمّ عن تخطيط ماكر ودراسة للمشهد
"إذًا أيها المزيف... ألا تودّ الإفصاح عن هويتك؟"
بصق كيد على الأرض بغضب
"كنتُ سأطرح السؤال ذاته"
"هكذا إذن"
خلال ثانية واحدة انفصل جزءان عن جسد الرجل الغامض، وتشكلا على هيئة بشرية، ولم يكن البخار الساخن قد غادر أجسادهما بعد عندما انطلقا بسرعةٍ كلّ منهما نحو هدفه
قفز أحد الجسدين عاليًا وحاول توجيه ركلة نحو فورج، وانقض الآخر مخاطرًا بنفسه أمام فأس كيد
لم يتجنب الضخم الركلة الهابطة على جسده، وتلقاها بصدره الضخم. لم يكن من المفترض من ضربة عادية أن تؤثر على جسده المعزز، ولم تفعل.
ظلت قدمُ الرجل ثابتة على صدر فورج لأقل من لحظة، لكن هذه اللحظة كانت أكثر من كافية ليمسكه الضخم ويطرحه أرضًا بقوة سحقت الأرض من أسفله
أطلقت النسخة تأوهًا مكتومًا قبل أن تسحق جمجمتها ببشاعة أسفل ضغطة هائلة من قدم فورج
شاهد كيد عين الرجل الغريب ترتعش قليلًا بعد أن تم القضاء على إحدى نسخه، لكنه لم يُطل النظر، إذ كانت نسخةٌ أخرى تجري نحوه في تلك اللحظة
لوّح كيد بفأسه بحركة سريعة بينما كانت قبضة الرجل المشدودة تنطلق نحوه. مجددا، لم يسحب الرجل يده فانفصلت كسابقتها وسقطت أرضًا
لم يتراجع كالمرة الماضية وتقدمت ذراعه الأخرى نحو وجه كيد، أصابت اللكمة أسفل فكه فترنح كيد قليلًا، لكنه سرعان ما استعاد توازنه وقفز ليتفادى ركلة مستقيمة، لامست قدما كيد الرِجل الثابتة ووقف عليها لأجزاء من الثانية، ثم رفع قدمه بنفسه، وكأنما يدفعُ حصاة صغيرة دفع الرجل من ظهره للأمام
كان الرجل يتهاوى على وجهه عندما هبط كيد والتوى بجسده كاملًا ليقطع عنق الرجل بحركة واحدة
شعر بعدها بأقل من لحظة بألمٍ في جانبه ثم طار وتدحرج عدة أمتار
'سُحقًا'
أدرك كيد سريعًا أن نسخة أخرى تقترب منه في هذه اللحظة، لكنه لم يكن قد نهض بعد، التف بقدميه ليُبصر النسخة تقفُ أمامه وتقترب من وجهه وتسحب قبضتها لتوجه لكمة هابطة
توسعت عينا كيد تدريجيًا وهو يشاهد القبضة تسير بسرعة خاطفة لتلامس بشرته. اصطدمت القبضة الصلبة بمقدمة وجه كيد ساحقة ملامحه، لكن الرجل بدوره كان قد أهمل الفأس الصاعد نحوه
كان وجه النسخة قريبًا أكثر من اللازم، لذا اضطر كيد إلى إمساك الفأس من مؤخرة نصله، وسحب المقبض من نهايته ودفعِ النصل في اللحظة ذاتها، ليخترق ويمزّق النسخة من فكها لجبهتها
تسمرّت الجثة في مكانها واندفعت الدماء على وجه كيد بمشهد مقزز، قبل أن يركل الجثة مبعدًا إياها عنه
نهض كيد وبدأ ينظف حلقه
'سحقًا، أنا على يقين أن بعضها قد دخل فمي'
عدل كيد ظهره وبدأ يتحسس بشرته المتضررة وهو يراقبُ الرجل من مسافة ليست بعيدة، كانت المزيد من الأشكال تخرج وتتمزق من جسده مكونةً نسخًا أكثر من السابق
اعتقد كيد أنه استطاع فكّ لغزٍ جديد. لم يكن قيمًا لدرجة كبيرة من ناحية معرفية، لكنه قد يكون نافعًا في القتال مع الرجل الغريب ونُسخه
شعرَ أنه فهمَ النواة الأساسية لأسلوب قتاله والأساس لتوقع حركاته.
تذكر كيد فجأة
'مهارة وأسلوب قتالي مميز دفعت المزيد للقدوم لمشاهدته'
كان هذا ما قالته الطبيبة لتصف الأسلوب القتالي الذي اتبعه الرجل ذاته عندما كان في المقر. وعند التفكير بالأمر، ما الذي قد يكون أكثر تميزًا وإبهارًا من أسلوب يعتمد بالكامل على المخاطرة
لم يكن الرجل هذا سيبالي لو تلقى لكمة أو اثنتين في سبيل تقديم واحدة لخصمه بنفسه، وهو ما قد يبدو بالنسبة للبعض شجاعة وإقدامًا، ما قد يثير إعجابهم، لكن كيد كان يعرف أن الأمر لم يكن كذلك أبدًا
لم يعطي الرجل اهتمامًا كثيرًا لفقدان ذراع أو لاختراقه من نصل حاد، لأن الضرر الذي سيتعرض لهُ في جسد معين لن ينتقل لأجساده الأخرى، كان الأمر وكأن تلك الأجساد لأشخاص آخرين مختلفين عنه، وهو لا يقوم بشيء سوى التحكم بها كالدمى
أو كأنها قرابين يقدمها للنجاح بتحقيق هدف أكبر
وطبعًا في كلا الحالتين، كان سيرمي بها لخطر مميت دون أن يرفّ له جفن
كانت القوة الجسدية للرجل الغريب أعلى من الحد الطبيعي للبشر، وكان ذلك واضحًا من الضربات التي تلقاها كيد منه، لكنها بنفس الوقت لم تكن بنفس الدرجة من المتانة التي كان عليها كيد نفسه
كما كان هنالك القوة الخام، كان هنالك أيضًا المهارة والرشاقة التي أيضًا تفوق بها كيد، لكنّ المشكلة لم تكن بأيّ من ذلك بل بالأسلوب المتبع في القتال، والقدرة الخارقة
كان قتالٌ شخصٍ - أو أشخاص - سيلقي بنفسه للموت في سبيل تقديم ضربة مؤلمة، سيكون أمرًا مزعجًا ومرهقًا لكيد، كما أنه لم يكن يعرف ما هي الحدود والشروط لهذه القدرة، فحتى هذه اللحظة كان هناك أكثر من عشرة نسخٍ تحيط كلها بما بدا أنه الجسد الرئيسي
قلب كيد فأسه بين يديه
'هو ليس الوحيد الذي يملك قدرةً على أية حال'
انطلقت أربعة من النسخ نحوه بتسارع بينما كان البخار لا يزال يتصاعد منها، وانطلق الباقون نحو الجسد الضخم لفورج
فعل كيد المثل وسحب فأسه خلفه بينما يجري نحو نسخ القرابين
انحنى ليتجنب لكمة من الأول وقدم له ضربة من فأسه في خاصرته، ثم دار مباشرة ليجرح جانب وجه الآخر، ودون أن يتوقف عن الجري حرّف ضربة من الثالث ووجه ركلة للرابع دارت لتعود وتصدم بالثالث مجددًا
لم يكن الهدف من هذه الضربات هي قتلُ النسخ بشكل مباشر، بل كان الهدف الأساسي هو التكيف مع أسلوب القتال الغريب، والاعتياد على تجنب ضربات التضحية مع تقديم لمسة بسيطة ومعيقة لكلّ نسخة
وذلك لأن تلك اللمسة كانت أكثر من كافية لإشعال اللهب في أجسادهم...
أطلقت جميع النسخ صرخاتٍ في الوقت ذاته، بعد أن خسرت قدرتها على التحمل أمام النيران السوداء الحارقة، وسقطت أرضًا، كما صرّ الجسد الناسخ على أسنانه وارتعشت يده بشكل طفيف
أُحرقت النسخ التي انقضت نحو كيد وتلوت على الأرض بمعاناة رهيبة، لكن ذلك لم يكن بلا ثمن، فقد أُحرقت كمية لا يستهان بها من جوهر كيد في هذه العملية
بعد ثانيتين، توقفت الجثث عن الحركة في موعدٍ سبقَ موعدها المتوقع لمفارقة الحياة
'هل يُعقل أن مقاومة النسخ ضعيفة؟'
حوّل كيد نظره ليرى الرجل الذي لا يزال يجهلُ اسمه قد اتسعت عيناه وفتح فمه ببعض الذهول
"لأول مرة منذ عقود، ينتابني إحساس بأن نظرياتي قد تكون خاطئة. أنا حقًا أتساءل... من تكون أيها الشاب؟"
وضع كيد فأسه على كتفه
"أنا كيد، وهذا السؤال يلزمُ عليك أنتَ أن تجيبه... من تكون؟"
ابتسم الرجل، ثم قفز للخلف بخفة ليتفادى جسدًا انطلق نحوه كقذيفة مدفع، واحتك بالأرض لعشراتِ الأمتار قبل أن يتوقف
ألقى نظرة نحو فورج الذي كان قد ألقى إحدى نسخه عليه، ثم قال:
"ألا ترى أننا نخوض في أمر هامٍ هنا؟ لن أغادر لأي مكان، يمكنك قتلي في أي وقت ترغب به... لكن ليس الآن إذا تفضلت"
عبس فورج وفجر رأس جسدٍ آخر كان يحمله أسفل قبضته
عاد الرجل لكيد وتابع مجددًا:
"أجل أين كنا؟ أوه صحيح فبخصوص اسمي..."
قاطع كلامه صوت تحطم في مكانٍ ما في القرية، جعل كيد أيضًا يلتفت نحو مصدر الصوت
كان هنالك غبار كثيف يتصاعد في مكانٍ ما ليس بعيدًا جدًا
ابتسم الرجل:
"أجل بخصوص ذلك، يمكن لرفيقك هناك أن يخبرك، أما أنا..."
هذه المرة كان كيد هو من قاطعه، إذ مزق حنجرته بضربة واحدة من نصله
"سحقًا!"
نطق فورج من مكانه:
"تقتله ثم تقول سحقًا؟"
التفت كيد نحوه ثم نفض فأسه من الدماء وقال بغضب:
"لا أقول سحقًا لهذا الأمر... بل لذاك"
أشار بيده نحو مكان الغبار المتصاعد.
"لا تخبرني..."
"على الأرجح نعم"