نطق الرجل الذي لا يزال اسمه مجهولًا بينما كان يفرقع أصابعه:
"أنظر إلى ذلك، من كان يتوقع أن تذهب الأمور إلى هذا الحد؟... لكن يا الهي كم هو فظيع ومقزز... فظيع ومعيبٌ وناقص... ليس قريباً، ليس قريبا حتى ليكون كائنًا من المستوى الأدنى... لا يجب أن يشعر صانعه بعظمة إنجازه، لا يجب أن يشعر سوى بالذل"
لم يفهم كيد شيئا مما قاله الرجل الغريب... اللعنة على ذلك، فهو لا يفهم معظم ما يجري حتى
قفز يمينًا متفاديًا الضربة الوشيكة من مخلب المسخ الهائل، ثم قال بهدوء يتناقض مع الأوضاع الحالية:
"أنت لا زلت... لم تعرّف عن نفسك بعد"
ابتسم الرجل من بعيد ثم قال:
"أوه! ألم أفعل؟"
جذب حصاة قريبةً برجله لتستقر في كف يده، ثم قذفها بقوة نحو الوحش الهائل مصيبةً جبينه بصوت ارتطام رنان
لم تكن الضربة بتلك القوة... بل لم تكن حتى قوية لدرجة أن تحدث أذى بسيطا، لكنها أدت مهمتها بجذب انتباه الرجس الغاضب
قال الرجل بينما كان المخلوق يتوجه نحوه بأرجله الأربعة:
"أجل بخصوص اسمي... لا مهلا! مجددًا ألم أكن قد أخبرتك أن تسأل صديقك هناك؟"
انقض الكائن الضخم عليه، والتهم جسده ثم خرج اثنان من مكانه، متشبتين بالجلد الصلب بأياديهم النحيلة
أطلق كيد لعنة في داخله ثم التفت إلى ايسيليان. لم يكن مهتمًا جدًا بمعرفة اسم عدوهم المختل في هذه اللحظات، لكنه استفسر بحركة من رأسه مع ذلك
رد ايسيليان عليه:
"أجل لقد قال أن اسمه شيء مقارب لـ... زوس أو ما شابه"
صرخ الرجل بينما كانت عظامه تسحق أسفل الوزن الهائل للمسخ:
"من زوس أيها المغفل؟ زين، زين!... كيف حتى يمكنك أن تخلط في ذلك؟"
وسرعان ما تفتت جسده أسفل الضغط المريع، وانفجرت قنبلة من السائل القرمزي في الأنحاء، وخرج جسد آخر ليحل محل الجسد الراحل
عبس كيد قليلًا محاولًا معرفة إن كان هذا الاسم يذكره بشيء
لا... لم يكن يفعل. ليس مما يتذكره من حياته التي بدأت منذ عقد وبعض على الأقل
ربما في ماضيه المنسي القديم، كان هنالك ذكرٌ لهذا الإسم لكن كان كيد عاجزًا عن استحضار الذكرى... إن وجدت
'مهلًا لحظة!...'
لم يتذكر كيد شيئا معينًا عن صاحب هذا الاسم، ولم يرى لمحة من ماضيه الخاص، لكنه عرف... لقد عرف وأصبح شبه متيقنٍ من أنها وجدت
ذكرى معينة غامضة ومبهمة تحمل هذه الحروف الثلاثة في طياتها
سمعَ كيد الاسم وتأكد بعد لحظات من هذه الحقيقة. لقد كان هذا الشخص موجودًا بالفعل في ماضيه... في طفولته وحياته القديمة
لكن دون فائدة... كان الأمر عديم الجدوى، فمهما حاول، لم يكن كيد قادرًا على استحضار هذه الذكرى. لم يكن قادرًا على استحضار أيّ من ذكرياته المنسية، مهما شعر أنها قريبة
إلّا لو أراد الدخول في حالة مثيرة للشفقة من
المرض العقلي المرهق...
حتى مع ذلك، كان الأمر أقرب لمخاطرة شبه معدومة الاحتمالات، فلم يكن واثقًا أبدًا من قدرته على الوصول لنتيجة مرضية في النهاية
مهما شعر أنها قريبة...
كان كيد في لحظاته هذه أقرب ما يكون لماضيه، وأقرب حتى مما أمل في الوصول إليه
كان رجل يحمل علاقة مجهولة بماضيه المجهول هنا أمامه... يصارعُ وحشًا هائلًا تحول إليه مرؤوسه الجديد
لم يكن متأكدًا إذا كانت ستتاح له فرصة مشابهة في أي وقت قريب
لم يكن مجبرًا حتى على إجهاد عقله لاستعادة ذكرياته المطموسة، كانت الذكريات هنا... فوق الأنقاض الحجرية
كما كان لها فم!
ربما لم يكن بإمكانه التذكر، لكن المعرفة كانت واردة. كان بإمكانه استخلاص المعرفة من فم الرجل الغريب
بأي طريقة ممكنة لذلك
لكن في الوقت ذاته، لم يكن كيد متأكدًا من رغبته في ذلك... أي في استعادة ذكرياته أو جزء منها
أو ربما لم يكن لديه الدافع الكبير والرغبة لهذا الأمر فقط
فهل كان الأمر يستحق حقًا أن يرهق دماغه المجهد من الأساس، ويوصله لمرحلة يكون بها في خطر وضعف حقيقي؟
أو هل كان الأمر يستحق أن يجرب كل الطرق المختلفة لجعل خصمه ينطق بما يعلم... مهما كان الشيء الذي يعلمه... فقط لأجل أمل طفيف في تذكر شيء لم يكن متأكدًا إن كان سيعود عليه بالنفع
'لا'
لا، بل ليس فقط أن هذا الفعل قد لا يكون ذا نفع له، بل حتى أنه قد يعود عليه بضرر كان كيد رافضًا لحدوثه
فكر كيد كثيرًا بهذا الأمر، احتمالية أن تعود ذكرياته القديمة لمكانها الطبيعي ويستذكر ماضيه بين ليلة وضحاها... ماذا سيحدث حينها؟
لم يكن كيد يعرف مقدار ارتباطه بموطنه الأصلي، لكن هذا الارتباط كان موجودًا بلا شك
ولم يكن يعرف مقدار ارتباطه بشخصيات عالمه المنسي، لكنه كان موجودًا أيضًا... هناك في مكان ما في أعماقه
ولم يكن يعرف طبيعة شخصيته القديمة - عندما كان طفلًا، أفكارها سلوكها مشاعرها أو ربما حتى أهدافها
كان كل ذلك محشوًا في داخل أعماق روحه أو دماغه محاطًا بحواجز لا يمكن اختراقها أو تفاديها
لم يكن بإمكان أي منها الخروج، لكنه تساءل عما سيحدث إذا فعل... إذا خرج كلّ ما هو مقيد في داخله
ليستحوذ عليه
هل كان كيد سيبقى كما هو الآن؟ بنفس تصرفاته وأفكاره؟ علاقاته وارتباطاته؟ مشاعره وحتى طبيعته نفسها؟
كانت الإجابة بسيطة...
لا
لا، لم يكن ليفعل. كان كيد متأكدًا أن كل شيء في داخله، في تلك اللحظة - إن حدثت - سيخضع لتغير عميق لا يمكن تجاهله، كما لا يمكنه استعادة طبيعته السابقة... أو الحالية
بلا شك، كان كيد سيحتفظ بذكرياته عن حياته الحالية، وربما بعضًا من نظراته ومشاعره تجاه ما يحيط به. لكن كانت كلها ستخضع لتحول جذري، حتى أنه قد يحدث تحوّل لشبكة علاقاته الصغيرة والمعقدة، تبعًا لتغير مشاعره تجاه أشخاص معينين، ونظراته الجديدة لهم
لم يكن كيد قادرًا حتى على تخيل كل ما قد يحدث أيضًا إذا استعاد ذاكرته
طبعا، كانت كل هذه افتراضات غير قائمة على نقاط واقعية مذكورة... لكن كانت احتمالات هذه الافتراضات مرتفعة
إذا استعاد كيد ذاكرته، كان ببساطة... سيخسر نفسه
سيخسر نفسه وطبيعته وجوهره لشخص غريب لا يعرف شيئا عن ماضيه... سيستحوذ ذلك الشخص على جسده، وكيد... كيد هو... كان سيختفي!
أو هكذا كان تصوّره للأمر
كانت ملامح كيد كقناع صخري من القتامة الباردة غير المفهومة، والتي تبعث شعورًا مقلقًا وهالة ساحقة... ليس بسبب طغيانها، بل بسبب نظراته التي بدت أكثر عمقًا، وصوته الذي بدا أكثر رعبًا
وكلماته التي بدت أكثر متانة وغرابة وتهديدا من أي شيء شهده رفاقه
قال مخترقًا بعينيه زين الذي كان يقاتل مسخ ايرايزر بأربع نسخ مغطاة بالدماء:
"يا ذو الشعر الخريفي، كنتَ قد سألت سابقًا... إن كنتُ أنا كيد، لا يهم بأي صيغة كانت كلماتك، المهم أنني سأجيبك... لا... لا، لستُ كيد، أنا بعيد جدا عن ذلك الأحمق المقيت الضعيف... بعيد كل البعد. لقد دستُ عليه وسحقته واستحوذت على جسده الخاص وتملكته لنفسي... في الواقع، لا أدري ربما لا يزال ذلك المغفل مسجونًا في مكان ما في أعماقي، لكنه أمر غير وارد أن يتمكن من الخروج... أجل، ووددت أن أشكرك ففي الواقع كنتُ قد نسيتُ اسمه، فلم يكن يملك شيئا مميزا يجعلني أرغب في تذكر اسمه... مجرد طفلٍ كريه ضعيف سخيف وربما منبوذ... لا أعلم كثيرًا عن النقطة الأخيرة لكنني متأكد منها كما أنا متأكد من سابقيها... كما أنا متأكد من أحقيتي في هذا الجسد... باختصار، إن كنت قادمًا لتبحث عن ذلك المدعو كيد فأحب أن أطمئنك بأن جهودك ذهبت سدى، وأنك قطعت كل هذا الطريق - أيًا كان الطريق الذي قطعته - فقط لتعود خالي الوفاض... هذا إن كنت ستعود أصلًا"
نظر رفاق كيد الثلاثة نحوه بتعبير مذهول ومصدوم للحظات، ولم يعرف أحدهم إن كان عليه التدخل
كان زين محصورًا على الأرض وقد سقطت تجسداته الثلاثة في وقتٍ ما، والمسخ الهائل يثبت جسده بينما يحاول التهام زين وتمزيقه بفكيه
كان الرجل المختل يمسك أنياب المخلوق بيديه، مانعًا إياه من الإطباق على جسده
ارتسمت ابتسامة تحمل قليلًا من المفاجأة على وجهه الملطخ، ثم اتسعت الابتسامة لتكشف عن شيء أكثر خبثًا وشرًا و... تسلية
خرجت شهقة من حنجرته ثم اهتزت أسنانه بضحكة خافتة ومشؤومة. تعالت الضحكة تدريجيا، ثم تعالت أكثر وأكثر
بينما يراقبون المشهد، تجمد رفاق كيد وتسلل خوف غريب وغامض إلى أجسادهم. ربما شعر كيد بالشيء نفسه، لكنه ظل هادئا وغير مكترث في مظهره
قال زين بصوته الماكر:
"هذا بلا شك، سيكون..."
التفت برأسه نحو كيد بينما كان يصارع مع المخلوق الضخم، ليكمل جملته قائلا:
"انفجارًا من المتعة"
وما لبث أن أنهى جملته حتى أغلق ايرايزر فكه الوحشي عليه، فاصلًا جسده وممزقًا إياه