لم يفرق المسخ الوحشي الخاص بايرايزر بين العدو الحقيقي، الذي كان عليهم مواجهته، وبين رفاقه في الفريق الذي كان عليه دعمهم
هاجَ في كلّ مكانٍ مدمرًا كلّ منزل حجري في القرية، وانقض على رفاقه بنية وشراهة قاتلة
ومع ذلك لم يحاول التهام زملائه في الفرقة كثيرًا، وظل منشغلًا عنهم، ليس لأنه لم يرهم كفرائس لذيذة، أو لأنه فرّق بينهم وبين العدو الأصلي، بل فقط لأن هدفه الأول كان زِين. ذلك الفأر الخبيث الذي قام بإزعاجه ومضايقته أكثر من غيره من الفئران. الفأر الذي كان محصنًا ضد الموت بأكثر الطرق غرابة وإرهاقًا
مهما قام ايرايزر بتمزيقه والتهامه، كان زِين ينهض بجسدٍ آخر وكأن شيئا لم يكن، وهو ما أجبر ايرايزر على تخطي حالته من الجنون الوحشي، ودفعها لمرحلة أخرى
ولم يكن كيد وباقي رفاقه، مما بدا، يحملون مشكلة مع ذلك
"فورج، استدعي حجرك"
تكلم كيد بصوت ثابت.
أومأ فورج برأسه وبدأت دوامة عامودية كنار حمراء تتحرك في كف يده
كان على كيد التعامل مع المدعو زِين بالطبع، لكن كان عليه أولًا إعادة رفيقهم المسعور لحالته الطبيعية، أو شله بشكل مؤقت وإيقاف حركته
كان زِين نفسه يقوم بإلهاء إيرايزر ويتصارع معه بتجسيداته المتعددة، وهو ما كان في صالح خطتهم المعدّة
لكن... كيف تحول رفيقهم لهذا الشيء من الأساس؟
حسنا، لقد كان كيد يعرف الإجابة بالطبع، فقد كان هذا هو أحد الأسباب الرئيسية لرفضه الوافد الجديد، وإصراره على طرده
الإيدن... وعاء الأوراكا
بالتفكير في الأمر، ما الذي عناه هذا الاسم؟
كانت فئة الإيدن هي الفئة الأخطر والأكثر تقلبًا من بين جميع فئات الريفا، لكنها أيضًا كانت الأكثر تميزًا واختلافًا
وذلك لأنها وعلى عكس باقي الفئات، فلم يكن مصدر القوة فيها نابعًا من روح الشخص نفسه، بل من كائن خارجي دخيل يستمدّ المالك قوته منه
كائنات الأوراكا...
لم يكن كيد يعرف من أين جاءت وكيف استقرت في أجساد مضيفيها... كان البعض يحمل هذه الوحوش الخشنة في روحه منذ ولادته، وقد تظهر حتى قبل استيقاظه، بينما حصل عليها البعض الآخر في مراحل متقدمة من حياته، وخضعت بعدها قدرته الخاصة لتحول عميق في طبيعتها ومتانتها
من نظرة أولى، قد يبدو وجود هذه الكائنات فعلًا مسالمًا وغير خطر، بل وحتى مساندًا ومعززًا لقدرة الفرد
فالشخص الذي يملك أوراكا في روحه يحصل على قوة ذلك الأوراكا ويستمدها منه، ربما لا يكون قادرًا على إخراجها والتحكم في تدفقها بشكل كامل ومتقن، لكنها بدت مساعدة لطيفة... إمكانية استخدام قدرة غيرك، والحصول على دعم وتبسيط في القدرة على التحكم بها وتوجيهها
لكن الخطر الحقيقي لم يكن هنا...
كان وجود الأوراكا في روح مالكها يناقض القاعدة الثابتة، والتي تنص على ملكية الروح لشخص واحد لا أكثر، واستحالة تشاركها بين كائنين اثنين
بلا شك، كان الأوراكا كائنا منفصلًا عن الوعاء الأصلي، ولم يكن جزءا من روحه أو مالكًا لها... لكنه كان متسللًا كطفيلي خبيث ينتظر فرصته المناسبة
فرصته للاستيلاء على جسد مضيفه...
في معظم الحالات، كان الأوراكا كائنا أكثر قوة وشراسة من مضيفه، لكن كانت الروح متصلة ومتأصلة بالمالك الأصلي أكثر من الكائن الدخيل
كان نصيب الأوراكا كثغرة بسيطة في تجسيد روح المالك
لكن، عندما تضعف قبضة شخص على روحه، يصبح الاستحواذ عليها وتملكها أمرًا أسهل، وبما أن الروح كانت مرتبطة بالجسد، تنعكس الأدوار ليصبح المالك الأصلي في مكان الكائن الدخيل
ويصبح المخلوق الوحشي متجسدًا بهيئته الحقيقية
تعددت الطرق التي يمكن أن تقلل من تماسك الروح وارتباطها واختلفت. لكن، ربما كان أبرزها هي تلك التي تتعلق بالمشاعر القوية الفياضة
كان من الكائنات الروحية ما يتغذى على الخوف، ومنها ما يتغذى على الغضب، أو حتى المشاعر الإيجابية في بعض الحالات
لم يكن كيد على علم بالكيفية التي يحدث بها هذا بالضبط، فلم يكن كليّ العلم في آخر الأمر. لكنه كان يعرف أن مشاعر الشخص تؤثر على روحه وتضعفها، أو ربما تعزز من قدرة الأوراكا على تملكها
ومع أن المشاعر كانت السبب الأبرز لتجسد الأوراكا، إلا أنها لم تكن السبب الوحيد. كان هنالك الألم الجسدي والضعف ونقص جوهر الروح المتمثل بجزيئات الريفا... اللعنات، الضرر الروحي والعديد مما لا يعرف كيد شيئا عنه
باختصار، أي شيء أضعف سلطة الوعاء على روحه، كان كفيلًا بأن يعطي الفرصة للكائن الدخيل بأن يخرج من مخبأه
لم يدرك كيد بعد ما الخلل الذي أدى إلى إرهاق روح العضو الجديد. هل كان نوعًا من الألم؟ أو مشاعرًا مستعرة لحد الجنون؟ أو أي من المسببات الأخرى
لكنه أيضًا لم يكن مهتمًا جدًا في الواقع
ما الفائدة التي قد ترجى من هذه المعرفة؟ كل ما كان عليهم فعله هو إعادته لطبيعته أو إيقافه عن الحركة لا أكثر
بعد لحظات، كان فورج قد أنهى استدعاء سلاحه
كان رمحٌ ثقيل بخشب مهترئ ورأس مدبب حاد من الفضة الخالصة، يستقرّ الآن بين أصابعه
نطق كيد:
"أعلى ظهره. انتظر حتى يكون مشغولًا بتمزيق إحدى الجثث... قم بشحن الحجر، ولا نريد ضربة مميتة"
أومأ فورج برأسه وقام بسحب الرمح للخلف
كانت الخطة التي اعتمدها الفريق بسيطة التفاصيل
ففي حين لم تكن إعادة سيطرة المالك على روحه بنفسه سهلة في أغلب الأحيان، إلا أن إجبار الأوراكا على التخلي عن التحكم بنفسه لم يكن أمرًا مستحيلًا
ولم يكن هناك شيء أجدر بهذه المهمة من الألم
ألم طويل وعذاب مستمرٌ كظل لا يفارقه، ما دام يرفض التخلي عن تجسده والعودة ليختبئ في جحره الصغير
على بعد عشرات الأمتار، كان زِين لا يزال يتقاتل مع المسخ القبيح
ربما لم يكن القتال هو التعبير الأفضل عن حالته، لأنه بدا وكأنه يتسلى به...
بتلك التصرفات والابتسامة البلهاء على وجهه، كان زين كمصارع ثيران يلعب مع ثور عملاق وضخم، فقط ليبهر الجمهور ويرفه عنهم بتصرفاته وحركاته البهلوانية
لولا حقيقة أن مصارع الثيران لم يكن يموت عشرات المرات ثم يعود للحياة بجسد آخر أثناء تقديم عرضه
عندما انقض المسخ الوحشي على إحدى نسخ زِين وثبتها أرضًا، صرخ كيد بأعلى صوته:
"الآن!"
قذف فورج رمحه!
كان الكائن الوحشي ضخمًا وبجلد قاسٍ وصلب، في الواقع، لقد كان أشبه بمدرعة تسير على الأرض. مدرعة من النوع الذي يملك مخالبا وأنيابًا ويقطع مسافاتٍ هائلة في لحظات
لذا كان على فورج رمي رمحه بقوة قادرة على إختراق مدرعة محصنة. وبأخذ طلب كيد في ألا تكون الضربة مميتة، لم تكن رمية فورج أقوى ما يمكن تقديمه من عملاقٍ لآخر
ومع ذلك، كانت الضربة خارقة لأبعد الحدود...