كانت الخطة التي قررها كيد تقوم على إرغام الأوراكا على تحمل ألم طويل ومستمر؛ ما يجبره في النهاية على التخلي عن سيطرته على جسد ايرايزر

لذا، كان عليهم استدعاء سلاح قادر على إحداث ألم مروع على المدى الطويل

وهنا كان دور فورج؛ باستدعائه لرمحه الخاص والذي تميز بقدرته على إحداث تيارات كهربائية تنبعث من رأس الرمح، كان سيتم غرسه في نقطة يصعب على الكائن الوحشي الوصول إليها، ثم دفعه إلى أقصى حدوده عن طريق تعريضه لألم مستمر لا يحتمل

لكن، رغم أن الخطة قد بدت نظريًا فعالة وفكرة ممتازة، إلا أنها لم تكن مثالية

فبعد كل شيء، لم تكن قدرة رمح فورج غير محدودة، إذ كان على الضخم شحن سلاحه بالريفا باستمرار وبكميات هائلة ومستنزفة، حتى يفقد الوحش قدرته على التحمل

وهو ما يمثل مخاطرة قد تنقلب عليه، وتُحول رأس السلاح إلى عنقه. فلم يكن الشاب الطويل الضخم متأكدًا من قدرته هو على التحمل أكثر من الكائن المسعور، وفي حال نفد جوهره قبل نفاد صبر الأوراكا... ستصبح الأوضاع أسوأ ما يكون بالنسبة له

لم يعد بإمكان فورج التفكير أكثر من ذلك في احتمالية نجاحه من عدمه، لأن الرمح كان قد غادر يده، وحلّق بقوةٍ نحو هدفه

لوهلة، كان يحاول إقناع نفسه بأن الأمور ستسير بسلاسة وأن الخطة ستنجح كما ينبغي لها

لكن الأمور لم تجري أبدًا كما توقع...

ليس لأن الرمح أخطأ هدفه فلم يصبه بدقة

وليس لأن قدرة تحمل الأوراكا كانت أكبر من قدرة تحمله

بل كان ذلك ببساطة...

لأن زِين وقف في طريق الرمح معترضًا إياه بجسده...

بثلاثة من أجساده إن صح التعبير، فلم يكن بإمكان جسد بشري واحد إيقاف ضربة تهدف إلى اختراق مدرعة من معدن سميك وصلب

طارت الأجساد الثلاثة ملتصقة ببعضها قبل أن تتهاوى أرضًا كقطعة واحدة

ظهرت علامات من التعجب والصدمة على وجوه كل الحاضرين

كان فورج، الذي قذف الرمح بنفسه، أكثر من أصابته غرابة الموضوع، لكن الآخرين لم يكونوا مستثنين منه أيضًا

حتى أن زِين - تجسيده الوحيد المتبقي - تطاهر بالانبهار للحظات، بينما ارتفع صدره وانخفض بحركة سريعة

توقف الكائن الوحشي أيضًا عن هياجه لثوانٍ، مستغربًا من الهجوم المفاجئ

لكنه لم يكن شديد التركيز حقًا، لذا سرعان ما عاد لتأدية حركاته المسعورة

تراجع زِين عدة خطوات سريعة للخلف، وأرسل تجسيدين ليلهيا الكائن الهائج، ثم جلس على الأرض ووضع يده على ذقنه مفكرًا، وظلّ يحدق بالوحش الضخم باهتمام

"لماذا فعلتَ ذلك؟"

سأل كيد.

لم تكن هذه نهاية الخطة بالنسبة للفريق، فلم يكن مكتوبًا على الرمح بخط عريض: "يستخدم مرة واحدة فقط"

لذا كان الرمح يتلاشى كالغبار بينما يستعد فورج لإعادة المحاولة مرة أخرى

"عفوًا؟"

رد زِين على استفسار كيد.

حكّ رأسه، ثم قال بابتسامة صغيرة، دون أن يبعد نظره:

"أنت تراه أليس كذلك كيد؟... لقد سبق وقلتُ أن هذا الشيء فظيع ومعيب وناقص. أنا أبتلع كلامي... أنا الفظيع والمعيب هنا... لا ربما... ربما يكون معيبًا وناقصًا بعض الشيء... لكنه لا يزال... أنا لا أصدق ذلك. كيف لم أفكر بهذا من قبل؟"

لم يفهم كيد ولو كلمة واحدة مما أراد الرجل المختل الإشارة إليه، لكنه استطاع إبصار لمحة من الإلهام في نظراته

كان زِين يرى ويبصرُ شيئا عجز كيد عن إبصاره، وقد بدا هذا الشيء ثمينًا، لدرجةٍ دفعته إلى حماية الوحش المسعور بجسده

نظرَ بطرف عينه، مشاهدًا ارتباك كيد، وقد زالت الابتسامة عن وجهه:

"أجل، أنسى أحيانًا أنك لست كيد... أيًا يكن، لا أعتقد أنك ستستوعب ما أحاول قوله"

قال كيد مستفسرًا:

"لا زلتَ لم تعطني إجابة نافعة، لماذا حميتَ ذلك الكائن بجسدك؟"

"لأنني أمتلك أكثر من واحد"

قالها زِين بارتياح وبساطةٍ مبالغ فيهما، ما أشعر كيد أنه أمر اعتيادي لا مجال للنقاش فيه

أزاح نظره عائدًا لمتابعة المعركة بين تجسيداته والوحش الضخم

ثم وقف بعد لحظات وقد تصاعدت شرارة الاهتمام في عينيه

"إنه يحدث حقًا!"

اتسعت ابتسامته

ربما اتسعت أكثر حتى من أي وقت مضى. بشكل مروع، شقت الابتسامة طريقًا لأسنان بيضاء مثلثة، من أذنه حتى الأذن الأخرى

لم تضق عيناه بل اتسعتا مع اتساع شفتيه

شعر كيد بإحساس غريب ومشؤوم ينبعث بغزارة من تلك الابتسامة البيضاءَ ظاهريًا

ولم يكن شعوره خاطئًا أبدًا...

في تلك اللحظة، سقطت النسخ التي أرسلها زِين لمواجهة الوحش، ووجه المسخ نظراته إلى الجسد المبتسم

قابله زِين بنظرة مشابهة... بل ربما أكثر خبثًا حتى

تضخمت عضلات ظهره وانفصلت ثم ظهر تجسيدان آخران، ثم آخران... وآخران

بمرور لحظاتٍ، كان أكثر من عشرين جسدًا ونسخة متطابقة، يقفون كمجموعة ثابتة وقد دار البخار الساخن حولهم جميعًا

دون تفكير، كان زِين هو من انقضّ هذه المرة نحو المسخ العملاق، ككتيبة انغماسية صغيرة

ثار الوحش بغضبٍ وداس عدة أجساد تحت أقدامه، تسلق البقية جسده الشاهق وانهالوا عليه بلكماتٍ وركلاتٍ ساحقة

لكن، ومع أن ضرباتٍ كهذه ستكون شبه مميتة للبشر، إلا أنها لم تكن ذا نفعٍ عند توجيهها لكائن بضخامة وقسوة كهذه

"ما الذي يحاول فعله؟"

تساءل ايسيليان.

نظر كيد نحوه بارتباك ثم أجاب:

"لا فكرة لدي..."

صمتَ قليلًا ثم حول نظره مجددًا نحو النسخ المتناثرة

برز عِرقٌ على جبينه، واتسعت عيناه، ثم صر على أسنانه بغضب

"ولا حتى فكرة واحدة... هذا الرجل... معتوهٌ ومجنون تمامًا... إنه يدفعني إلى حافة الجنون"

بينما يتكلم كيد سُحقت نسختان من زِين، وظهر مكانهما أربعة آخرون

الآن وبعد أن تخلى عن تحوله مؤقتًا بداعي الترشيد، عاد تثاؤب فورج مرة أخرى، وشعر برغبة شديدة بالنوم

استفسر قائلا:

"بالمناسبة، هل استنتج أحدكم شروط قدرته؟ لا يعقل أن يكون شيء كهذا بلا أية قيود... هل رأيتم حدثًا أو فعلًا غريبًا؟"

دون الكثير من التفكير، أجاب ايسيليان:

"نعم، نعم رأينا شيئا كهذا"

تابع غارث عوضًا عنه:

"عندما رأينا زين لأول مرة، قبل تحول ايرايزر، كان... كان ذلك الشخص كيف يمكنني شرحها؟ كان الأمر أشبه بأنه يقوم بالتهام شخص ما! طبعا ليس بفمه كان الأمر غريبًا حقًا"

ارتعشت عين كيد قليلًا.

'اللعنة على ذلك المختل!'

كان الأمر واضحًا، لقد كان عدوهم الغريب يصنعُ أجسادا بعدد ما استوعبه من بشر!

كانت هذه الفكرة عجيبة وبشعة في الوقت ذاته

كان الشرط الذي وجَب عليه لتفعيل قدرته، شيئا خبيثًا وشريرًا لأبعد ما يمكن تصوره

لم يستطع كيد تخيل عدد الناس الذين قتلهم هذا الشخص المريض، أو الجثث التي التهمها... ولم يرد ذلك

'ولكن... '

طبعًا لن تكون قدرته محددة بهذا الفعل فحسب، كان جوهر الريفا خاصته محدِّدًا أيضا

وإلا لأطلق كل أجساده دفعة واحدة...

أليس كذلك؟

حسنًا... لقد تم الإجابة على بعض تساؤلاته بعد لحظات فقط من طرحها على نفسه

لأنه وبينما كان كيد يفكر، تضاعف عدد الأجساد التي نسخها زِين، حتى تخطت المئة جسد

'هذا جنون!'

مع عشراتِ الجثث الملقاة على الأرض، وعشرات الأجساد يتشبتون بالمسخ الهائل، كان الأمر أشبه بجيش من الفئران الصغيرة، ينتقمون من قطة مفترسة

أُخترق الجلد الصلب وسال الدم منه، بينما دفع الوحش وألقى عددًا من الأجساد ليقفز مكانهم آخرون

كان مسخ ايرايزر منيعًا ومحصنًا ضد معظم الضربات، بسبب جلده السميك الأشبه بالفولاذ الصلب

لكنّ هذه السماكة بدأت تتلاشى مع كل عشر ضرباتٍ يتلقاها

حاول الوحش الجري لكن ثقل حمله الهائل منعه

قامت نسختان بدفع ما تبقى من سهام ايسيليان أعمق وأعمق

سقط الوحش وأطلق صوتًا مروعًا، لكنه لم يكن زئيرا شرسًا هذه المرة، بل يائسًا

سال دم أكثر من جسده

حتى أن كيد شاهد إحدى نسخ زِين تحاول غرس أسنانها في عنق الكائن الضخم

كان الكائن عاجزًا!

وبالتفكير بالأمر، كان كيد قد لاحظ أن مسخ ايرايزر لم يستخدم قدرته الخاصة بعد

كان يعرف أن ايرايزر حصل على قدرة خارقة من كلام رفاقه، لكن هل يُعقل أن الأوراكا خاصته لا يعرف كيفية استخدامها؟

ولسوء الحظ، لم يكن مقدرًا له أن يعرف إجابة سؤاله

لأنه وفي تلك اللحظة، حاول الكائن النهوض لكنه سقط مجددًا

كانت الضرباتُ المنهالة عليه كمطر غزير من المطارق الحديدية، لذا، وبعد عدة محاولات يائسة

سقط مسخ ايرايزر... جثة هامدة

اتعست عيون الجميع صدمةً وانبهارًا من سرعة الحدث المفاجئ

لكنّ قائد الفرقة الكبيرة من المتشابهين، لم يبدو راغبًا جدًا بترك الكثير من الوقت لهم للانبهار

قبل مرور لحظة من خروج آخر نفس للمسخ العملاق، كانت نسخةٌ تقف الآن أمام فورج

مدّ زِين يده نحو الجسد النحيل مستهدفًا قلبه، كان يجبُ عليه التخلص من فورج قبل أن يعود لتحوله الضخم المزعج

تقطير... تقطير... تقطير...

سالت الدماء على الأرض بهدوء في البداية، كقطرات من المطر اللطيف، قبل أن تتحول لنافورة متطايرة عندما سُحبت اليد، التي كانت قد اخترقت قلب الشاب الطويل

وتمامًا كتلك المرة في المقر...

نجحَ زِين في هدفه

بعيونٍ سوداء متسعة، سقط فورج ورحّبت به الأرض بعناقٍ أبدي

ظل كيد صامتًا للحظات...

ابتلع ايسيليان ريقه وفتح غارث فمه.

لأول مرة منذ عامين... فقد كيد أحد رفاقه

بل اثنان حتى... وفي اليوم ذاته. كان يفترض أن يكون الأمر صعبًا حقًا

هل سيكون كذلك؟ سيعود كيد للتفكير بهذا الأمر في وقت لاحق...

إذا بقي حيًا

كانت عشراتُ النسخ تقف الآن أمام الثلاثة المتبقين بنظراتٍ ثابتة

صرخ كيد بأعلى صوته:

"أهربا!... الآن!"

2026/04/16 · 3 مشاهدة · 1359 كلمة
نادي الروايات - 2026