ارتعش الرجل ولم يجرؤ على اتخاذ حركة بسيطة
"مهلا لحظة!... انا لا..."
شعر بنصل الفأس الحاد يشد على رقبته أكثر فصمت وابتلع كلامه، ثم نطق بعد لحظات بتوتر شديد: "زينين!... هل أنتم من زينين"
أحكم كيد يده على مقبض فأسه المعدني وثبت عينيه على عيني الرجل الغريب، ثم نطق قائلا: "من السائل؟"
سار العرق على وجه الرجل وشعر بالضغط الهائل لنظرة كيد الموجهة عليه قبل أن يحرك شفتيه قائلا: "كنتُ... كنا ننتظر قدومكم... نحن سكان القرية... انا هو... من أبلغ عن ويس أنا..."
أرخى كيد فأسه قليلا وأراح جسده ثم التفت إلى فورج وقال بهدوء: "أخفي الجثتين". ثم التفت مجددا للرجل وقال بلهجة آمرة: "انطق!". رد الرجل بلعثمة واضحة: "لـ-لم لا تتفضلون على منزلـ... منـز-لي؟... يمكننا خوض حديث مطول هناك"
***
كان الأربعة يجلسون على فراش قديم وبالي أسفل سقف كوخ حجري بني بطريقة بدائية. كان عليهم انتظار انتهاء فورج من مهمته قبل تلبية دعوة الرجل المجهول؛ فلا يمكن عقد اجتماع دون وجود كامل أعضاء المجموعة
لم يستغرق فورج الكثير من الوقت، فعشر دقائق كانت أكثر من كافية ليذهب لمكان بعيد عن الانظار ويحفر حفرتين ويخفي الجثتين فيهما
كان الغريب يجلس أمامهم بتعبيرات متوترة. انسدلت بعض الخصلات من شعره الأسود على جبينه، فكادت ان تضيع في وجهه الأسمر، ورسمت عيناه السوداء وفمه المرتجف ملامح الخوف والقلق على وجهه، وكان كثيرًا ما يلقي نظرات من حين الى اخر على النافذة الوحيدة للكوخ القديم. ربما كان خائفا من مراقبة أحد لهم
وقف على عجل ثم قال بخجل بالغ: "لمَ لا أعد لكم الشاي؟... سـ-أعود بعد لحظات..."
قاطعه كيد قائلا: "لا نريد الشاي، فقط اجلس وخض في الموضوع مباشرة"
سمع الرجل أمره فجلس، تردد قليلًا ثم نطق قائلا: "حسنًا، الموضوع وما فيه... لقد شاهدتكم وأنتم تقتلون ذانكَ العسكريين... لا تسيئوا فهمي! أنا لست غاضبًا من هذا بطريقة ما، بل فقط... أنا حقًا ممتن لكم!... ربما لا تعلمون لكن أولئك الجنديين كانا جزءًا من الجنود الذين يسيطرون على قريتنا... انهم وحوش حقيقيون... و... نعم... أنا من أبلغت عن وجود ذلك الشخص المدعو ويس باردي هنا... لم أعلم من هو فنحن بقريتنا معزولون عن باقي العالم تقريبا... كان من المستحيل علي طلب المساعدة، لكن عندما ظهرت لي فرصة صغيرة قررت استغلالها... واستطعت بطريقة ما الابلاغ عنه للمنظمة الوحيدة التي اعتقدت انها ستساعدنا... زينين... لا أعلم ما الشيء المميز بخصوصه لكنني لاقيت اهتمامًا مبالغًا نحوه من المنظمة... ربما هو مطلوبٌ للعدالة أو شيء من هذا القبيل... أيا كان انا حقًا ممتنٌ لأنكم قبلتم مساعدتنا..."
تجاهل كيد النقطة الأخيرة للرجل..
'مساعدة؟ مطلوب للعدالة؟...'
لم يكن كيد جاهلا، وكان يعرف أن السبب الوحيد الذي دفع المنظمة لارساله الى هنا هو ويس باردي فحسب، وليس مساعدة سكان القرية المضطهدين أو التصرف كأبطال أو منفذين للعدالة، فقد تركوا هذه الأمور لأصحابها
ولم يكن كيد بنفسه مهتمًا بتطبيق العدالة وملاحقة المجرمين... وحتى أن تعريف العدالة قد كان متغيرا بدوره
كان الهدف الوحيد الذي دفعه للتواجد هنا هو التخلص من ويس باردي وتنفيذ المهمة التي طُلبت منه لا غير، ربما كان لديه القليل من الدوافع والأمور الصغيرة التي تجعل تصفية حساباته مع ويس أمرا شخصيا قليلا، لكن الدافع الأكبر كان تنفيذ مهمته على أكمل وجه
علق بعد صمت على كلام الرجل قائلا: "لا أدري من أين أخرجت هذه المقالة الطويلة، لكنني لم آتي الى هنا لسماع ثرثرتك المزعجة، لذا أدخل في صلب الموضوع"
بدا من ملامحه أن الرجل قد تحسس قليلا من كلام كيد، فصمت قليلا ثم رد قائلا: "اوه... حسنا، أعتذر لذلك حقا... كما تعلمون باختصار... قبل أكثر من عشرة أعوام قررنا أنا ورفاقي نقل سكننا مؤقتا لهذه المنطقة... كما تعلمون... مورد الأونيكس الثمين وما إلى ذلك... ومع الوقت بدأ المزيد ينضمون إلينا... "
صر كيد على أسنانه ضجرا، بدا أنه لم يكن مسرورا بسماع القصص المملة والمكررة من هذا النوع، فقد حفظها عن ظهر قلب منذ سنوات عدة
كانت القصص التي لطالما سمعها في كل مكان، تروي عن عيشهم بأمان لفترة قصيرة ثم مجيء منظمة أرجيمنت، لتستعبدهم وتضطهدهم وتقتل منهم هنا وهناك، يعملون لساعات طويلة في المناجم، ويعيشون تحت ظلهم لسنين
كان يعرف الطريق الذي ستسلكه حكاية الرجل الغريب بكامل منعطفاتها، ولم يكن مستعدا لسماع النسخ الباهتة من القصة الواحدة التي انتشرت على ألسن ساكني الأرض جميعهم
"ما الذي لا تفهمه من 'ادخل في صلب الموضوع'؟"
ضحك ايسيليان الذي كان يقضم تفاحة حمراء في مكان ما في المطبخ الصغير. وشخر فورج الذي كان يغط في نومٍ عميق منذ لحظات. لم يكن سوى كيد وغارث هما من يجلسان ليستمعا للرجل.
كان ايسيليان يقضم قطعة من التفاحة بفمه عندما نطق قائلا: "صديقي لا يحب الثرثرة الزائدة لذا حاول الاختصار، وركز فقط على الأمور التي قد تساعدنا بمهمتنا"
سَمع الشاب الوسيم صوتًا من مكان نوم فورج وعندما ركز سمعه قليلا أدرك أنه يتكلم في نومه بينما يضحك بسخرية
"كم أنا مغفل، كم أنا مغفل..."
سقطت التفاحة من فم ايسيليان على الأرض، ثم رمش مرتين وزم شفتيه بابتسامة منزعجة
'اللعنة على هذا الأمر'
التفت الرجل الى كيد ثم قال
"عذرا يا سيدي أعتقد أنني فهمت لكن... ما الذي تريد سماعه بالتحديد؟"
خرجت تنهيدة ثقيلة من بين شفتي كيد قبل أن يقول:
"عدد العساكر، أماكن تمركزهم، وموقع زعيمهم بالطبع ... ويس باردي"
***
مرت دقائق كان الرجل فيها يشرح ويوضح بتفصيل بالغ كل شيء طلبه كيد
كان عدد العساكر مائة وبضعة وخمسون فردا. كان هذا العدد كافيًا بلا شك لإخضاع بضع مئات من المدنيين العزل
كان يجب عليهم جميعا التناوب فيما بينهم في مناطق مختلفة بين الحين والآخر، وأول هذه المناطق هي القرية، والتي كانت الأقل تمركزًا للجنود. بُدل الثنائي المراقب كل ثماني ساعات، وكان يجب أن يبدل مرة أخرى بعد خمس ساعات من الآن حسب كلام الرجل
أما المنطقة الثانية فقد كانت المنجم، والذي كان على رأسه خمسين من الجنود المسلحين. وقف كل ثنائي على قمة مكان مرتفع في القمم الشاهقة بتمركزات دفاعية مدروسة، كان يجب عليهم الاحتياط لأي هجوم خارجي مفاجئ.
ربما كان العدد كبيرا نوعًا ما لحماية مجرد "منجم". لكن كيد كان يعرف الأهمية التي تقبع داخل هذه الجبال، ولأي مدى كان المسؤولون عنها مستعدون للتمادي لحماية مواردهم الثمنية
كان التسلل إلى هناك للقضاء على القوة الدفاعية المتمركزة أمرًا قريبا من المستحيل، فحذفه كيد مباشرة من الخيارات المطروحة
وطبعًا، كان يجب أن تتم تبديل المناوبة كل ثمانِ ساعات، ليذهب الذين انتهت فترتهم لإراحة أبدانهم في القلعة ويأتي غيرهم ليحلوا محلهم
والمنطقة الثالثة كانت القلعة
على قمة أحد الجبال، وقفت قلعة قديمة محصنة تبدو غير قابلة للاختراق. لو تمركز بضعة جنود على أسوارها بهدف الحماية لكان من المستحيل تقريبا على اي أحد أن يصل لأبوابها، لكن لحسن الحظ، لم تكن القلعة بمثابة حصن دفاعي أو ما شابه، بل تم استخدامها فقط بوصفها معقلًا للجنود ومكانًا للاستراحة، وطبعًا، كان يجب أن يكون هناك...
تمامًا كجنوده، كان ويس باردي مقيمًا في القلعة بذاته
بعد أن انتهى كيد من الانصات للرجل وحصل على كل ما يحتاجه منه، أغمض عينيه وبقي صامتا لفترة ليست قصيرة
كان هناك الكثير من المعلومات لهضمها وترتيبها ومعالجتها، لذا استغرق كيد بعض الوقت للتفكير والتخطيط
وبعد دقيقتين فتح كيد عينيه الحمراوين ثم نطق قائلا بهدوء: "فورج، الجثتان اللتان أخفيتهما... اذهب حالًا وأعدهما لمكانهما"
التفت كل من الرجل الغريب وغارث وايسيليان بنظراتٍ حائرة إلى كيد، أما فورج... فقد كان لا يزال نائما
زم كيد شفتيه وأعطاه نظرة متفحصة، ثم زجره بلمسة خفيفة من قدمه لكنه لم يتحرك، لذا زجره مرة أخرى بقوة أكبر ولم يبدِ ردة فعل بسيطة، انتهى الأمر بكيد بركله أخيرا بقوة ليستيقظ فزعًا ويبدأ بالالتفات والنظر حوله
"ماذا!؟... ماذا يحدث؟ من هناك؟"
"فورج!... اذهب الآن وأعد الجثتين..."
"هااا!؟"