كانت الفكرة التي نطق بها كيد مفاجأة وغير متوقعة، لكن في النهاية كان كيد هو القائد والمخطط الوحيد لهذا الفريق، لذا لم يكن أمام فورج سوى أن يقف على قدميه ويتوجه ليفعل ما أمر به قائده

لم يكن قد أغلق الباب بعد خروجه حتى فُتح مجددًا

كان كيد يرتدي المعطف الأسود الطويل الخاص به عندما تكلم قائلا:

"سِر!... سأتبعك"

لم يكن الشاب الطويل قد فهم المغزى مما يفعله قائده لكنه تابع دون اعتراض، وسار بطريقه نحو المكان الذي دفنت فيه الجثتان

***

كان قد مر ما يقارب نصف الساعة عندما دخل الثنائي من جديد

قام كيد بإلقاء معطفه الأسود على كرسي خشبي قديم، ثم تفقد المجموعة قبل أن يبدأ بالتكلم

"لدينا أكثر من أربع ساعات وأقل من ستة... يجب أن يحصل الجميع على أكبر قدر من الراحة في هذه المدة"

لم يكن قد انصرف بعد حينما قفز فورج على الفراش القديم وبدا أنه قد غط في نوم عميق

تبعه ايسيليان حينما أدرك أنه لا شيء يمكن أن يقوم به بمثل هذا البيت الرتيب، بينما بقي غارث الشاب الضخم متكتفًا حين سأل متوجها الى كيد

"أيمكنك أن تتفضل علينا بتفسير ما هي خطتك بالضبط؟"

لم ينظر كيد اليه حتى حينما أجاب

"سترى غدا"

صر الضخم على أسنانه، لكنه تجاهل الأمر وتوجه لفراشه لأنه كان يعلم أنه لا شيء يفعله يمكن أن يجعل قائده المتكتم ينطق بما لا يريد

اقترب كيد من إحدى الزوايا في الكوخ القديم، ثم أدار ظهره وجلس بصمت تام

ظل الرجل صاحبُ المنزل يراقبه لعدة دقائق، وبدا مستغربًا من حقيقة أنه لا ينام ولا يفعل أي شيء في الوقت ذاته

'هل هو يتأمل؟'

في النهاية قرر الرجل الغريب أن يقترب من كيد ليسأله

"اييه.. عذرًا سيدي، لكن لمَ لا تنام مثل رفاقك؟ ألست من أمر بهذا؟"

رفع كيد رأسه ثم راقبه للحظات قبل أن ينطق قائلا: "لمَ لا تنام أنت؟"

حك الرجل ذقنه وكان واضحًا على وجهه بعض علامات الخوف والترقب

"حسنا في الواقع... أنا غير واثق تماما من... أعني بصدق... ايه... هل... أنت متأكد أننا سنكون بخير؟"

نظر اليه كيد بعينيه القرمزيتين بنظرة باردة، ما أرسل قشعريرة تجري في العمود الفقري للرجل الأسمر

"لا... لا لست متأكدا"

تفاجأ الرجل من الرد غير المتوقع، ثم انسحب مباشرة إلى الوراء، ولم يطرح سؤالا على كيد بعدها. ذهب ومد جسده في فراشه ثم غطى جلده بوشاح بني. كان من الواضح انه لم ينم مباشرة لكن، يبدو أنه قد غاص في النوم في آخر الأمر

بقي كيد جالسا في الركن ذاته دون حراك، وظلت عيناه معلقة على الزاوية المقابلة

كان أي شخص يراه في تلك الحالة، سيتبادر الى ذهنه أنه قد فارق الحياة، ولم تزد بشرته الشاحبة على هذا الادعاء الا اليقين. لم ينفِ هذا الاحتمال الا جفنيه؛ إذ تحركت احداهما لتلتصق بالأخرى، كل دقيقة أو دقيقتين

لم يكن كيد يقوم بشيء شبيه بالتأمل أو حتى التخطيط، بل ببساطة كان يعد...

عد كيد الثواني على هذه الحال، واحدة تلو الأخرى حتى تجمعت لتصبح دقائق ثم ساعات

'خمس ساعاتٍ وأربع وعشرون دقيقة وثمان ثوان...

خمس ساعاتٍ وأربع وعشرون دقيقة وتسع ثوان...

خمس ساعاتٍ وأربع وعشرون دقيقة وعشر ثوان... '

وأخيراً سُمع صوت طرقٍ على الباب...

حوّل كيد نظره من الزاوية المقابلة إلى الباب الخشبي المتهالك، ثم نهض ووقف على قدميه وسار إلى الأمام بهدوء بالغ

أصبح الطرق على الباب أشد وأعنف، وانتشر صداه في أرجاء الكوخ

نهض صاحب المنزل فزعا بعد أن سمع الصوت، وتوجه وهو يرتجف نحو الباب، ليقوم كيد بسد طريقه

خطى كيد خطوتين نحو الباب وفتحه في وجه الزوار

كان أحد الجنديين اللذين يقفان على الباب يرفع ساعده ليوجه ضربة أقوى من سابقتها للباب الخشبي. قابله كيد بابتسامة مصطنعة

"مرحبا!... كيف يمكنني مساعدتكم؟"

تفاجأ كلا العسكريين من ردة الفعل الغير متوقعة للقروي المزعوم. تأتأ احدهم قبل أن يقول: "ستأتي معنا الآن"

ثم نظر من خلف الشاب الذي يقف أمامه ولاحظ أربعة آخرين بين من يقف على قدميه ومن لا يزال نائما، وقال بلهجة غليظة: "سيأتي الجميع... حالًا"

***

سار الفريق في مجموعة واحدة ورافقهم الرجل مجهول الاسم. أحاط بهم من الأمام والخلف عسكريان مسلحان بأسلحة ثقيلة، تختلف عن تلك التي رأوها في الليلة الماضية

نظر كيد حوله متفحصًا ليلاحظ مجموعات أخرى مماثلة تسير بمسافات ليست بعيدة عنهم، ثم القى نظرة طويلة على كلا العسكريين، كان كلاهما يرتديان الزي الرمادي ذاته الذي شاهدوه مع عسكريّي اليوم السابق.

كان الجندي المسلح الذي يسير أمامهم ذو أكتاف عريضة لا تتلائم مع بدلته العسكرية، وكان الآخر خلافًا له ذو بنية نحيلة.

كانت الشمس تنسج خيوطها الأولى لتعلن عن فجرٍ جديد يطل على هذه الأرض المقفرة، فاستطاع كيد بفضلها أن يدقق نظره بشكل أوضح في وجوه القرويين البائسة.

كانوا جميعهم متعبين ومرهقين و... خائفين... في النهاية لم يكن أحد منهم يعرف السبب المجهول خلف هذا التجمع الإجباري. بل فقط فوجئوا من حيث لا يتوقعون بعساكر يطرقون أبواب منازلهم ليخرجوهم بالقوة الغاشمة من أكواخهم، ويجرّوهم إلى مكان مجهول

كان الخوف أمرًا طبيعيا في هذه الحالة... كما كان الخوف أمرا روتينيا في هذه القرية

نظر كيد إلى فورج. كان الشاب الطويل قد تخلص من جزء من النعاس الذي طارده، وحتى مع أنه كان جزءا صغيرا فقط، إلا أنه بدا أكثر نشاطًا وحيوية مما مضى

ظهرت ابتسامة خافتة على وجه كيد

'جيد'

ثم ألقى نظرات أخرى على رفيقيه الآخرين وتجاهل الرجل الخائف بجواره. كان رفيقيه يبدوان بأفضل حال، ولم يبدو وكأنهما مباليان جدا بما يحدث

أخذ كيد نفسًا طويلًا ثم مد يده اليمنى...

ببطء لكن بثبات، بدأ شررٌ غير ملحوظ يخرج من كف يده، نما عدد الشرارات تدريجيا حتى بدأت تتماسك وتتلاصق فيما بينها. خرجت بعد ثانيتين عصا طويلة من خشب متين لتتشبث بيده بإحكام، ثم بدأ يخرج من مقدمتها معدن أسود صلب ليكوّن نصلًا حادًّا لفأس متوسط الحجم

لاحظ الجندي الذي سار خلفه العملية الغريبة لتكوّن الفأس العجيب في يد كيد، فنطق متعجبًا

"لحظة! ما هذا ال..."

لم يكن كيد ليسمح له بإنهاء جملته

في لحظة، حلق رأس العسكري النحيل في الهواء، وما لبث حتى سقط وتلوث بالتراب الخشن

تدحرج مرتين أو ثلاثة ثم توقف مستسلما لاحتكاك الأرض الباردة

التفت الجندي الضخم برأسه بعد أن سمع جملة رفيقه التي لم تكتمل

"هل قلت شيـ.. "

قاطعه غارث الضخم الآخر بعد أن انقض بذراعه على الفك العريض للعسكري. أمسك به بكفه الغليظة فلم يسمح له بالتكلم أو حتى التنفس

رفعه غارث بقوة لاانسانية وثبته عاليًا في الهواء. حاول الجندي المقاومة، لكن ذراع غارث كانت تقريبا لا تتزحزح، كانت صلبة ومتينة كالمعدن، وضغطت على جانبي فكه كأنياب وحش بري هائج

تذكر أخيرا أنه يحمل سلاحا في إحدى يديه فحاول تحريكه والضغط على الزناد، لكن غارث رفض أن يعطيه الإذن بذلك؛ حرك ذراعه الأخرى وامسك اليد التي كانت ستضغط على الزناد

ضغط غارث بابهامه على رسغ الجندي الضخم، ثم غرسه بكل قوته قاطعا الأوتار بين كف الرجل وساعده. شعر الرجل بألم كالجحيم وأراد أن يطلق زعيقًا حادًا لكن فمه المغلق منعه من ذلك

حرك ذراعه الأخرى للخلف ثم لوح بها بكل قوته للأمام محاولا ضرب غارث على وجهه

لم يتزحزح الضخم الآخر

أعاد الجندي ذراعه للخلف مرة أخرى وقدم لكمة ثانية لكن بلا فائدة. لم يكن فرق الحجم بين الضخمين كبيرًا، لكن غارث كان أقوى وأكثر صلابة بعدة مراحل

بعد أربع لكمات شعر غارث بألم طفيف على خده، فترك الذراع المشوهة للجندي وحرك ذراعه ليمسك باللكمة الخامسة التي كانت تحلق بالفعل إلى وجهه

أمسك غارث ذراع الجندي ثم لواها بحركة بسيطة منه. شعر الضخم مجددا بألم لا يطاق، لكنه عجز عن التعبير عنه سوى بتشنجات محدودة

كان كيد يراقب حولهم ليتأكد أن لا أحد لاحظهم. كان قد تأكد أنهم معزولون عن الجميع في ظل منزل قديم، قبل أن يطلق الشرارة الأولى عبر قتل الجندي الهزيل.

كان ايسيليان منغمسا تقريبا ومنبهرا بالمواجهة القمعية لرفيقه، وكان الرجل الذي استضافهم يركع خائفا مما يحدث، أما فورج فقد كان يراقب بملل بالغ، حتى أطلق تثاؤبا قصيرا وقال: "فقط أنهى الأمر"

كان الرجل يتخبط ويتلوى في محاولة يائسة للنجاة. ازرقّ وجهه. كان يحتاج لأخذ نفس بشكل عاجل أو سيهلك على ذراع الرجل المجهول. لكن غارث لم يكن شخصًا قاسيًا لدرجة أن يقتل أحدًا عن طريق قطع نفسه

خرج صوت تشقق خفيف من فك الرجل، ثم فجأة...

فتتت عظامه بالكامل أسفل الضغط المهول للذراع الساحقة... اختفت كل المقاومة من الجسد الضخم وسقط رأسه متراخيا

أرخى غارث بدوره كف يده لتسقط الجثة على الأرض، وظهرت ابتسامة انتصار متعجرفة واسعة على وجهه

التفت الى كيد وقال بحماس:

"أجل!... ماذا الآن؟... "

2026/03/11 · 17 مشاهدة · 1314 كلمة
نادي الروايات - 2026