في ساحةٍ سهلية صغيرة، أحاطت بها الأكواخ القديمة من كل النواحي. كانت الشمس أخيرا قد أعلنت حضورها لتشهد بمفردها على وقائع هذا المكان المنسي. وقف مئات القرويين من رجال وأطفال ونساء في حلقة واحدة متصلة.

أحاط بهم عدد معدود من العساكر، لكن الغالبية منهم كانوا يقفون بانتظام في وسط الحلقة.

تعامل الجنود بقسوةٍ غير مبررة مع أي شخص حاول القيام بفعل مشبوه - كالنظر حوله مثلا - أو حتى أولئك الذين فكروا بطرح استفساراتٍ عن سبب جمعهم هنا.

بعد ما كان من المفترض انه وصول آخر مجموعة من القرويين، أشار ضابطٌ قصير القامة الى الجنود الآخرين لينضموا إلى الصفوف في منتصف الدائرة

دفع الأخيرون بعض القرويين ليفسحوا لهم طريقا للمنتصف، وسرعان ما كانوا يقفون في الكتيبة العسكرية الصغيرة المنتظمة

كان كيد يراقب بحذر المشهد الواقع أمامه

رأى مئات من القرويين الذين أرغموا على الوقوف بجوار بعضهم البعض لتكوين حلقة واحدة.

كما رأى بعض الأطفال المذعورين يعانقون أجساد والديهم، ويتشبثون بها بقوّة. عثرَ على النساء والرجال، الأطفال منهم والعجائز، حتى لربما كان قد شاهد رضيعًا أو اثنين هنا أو هناك

'من يهتم بحق؟'

لم يكن كيد مهتمًا بدرجة كبيرة بدراسة عدد القرويين ووضعهم، بل ركز ببصره على دراسة ما غير ذلك

بالتحديد، على الكتيبة العسكرية الصغيرة..

وقفت كتيبة بسيطة لا تتخطى الستين جنديًا في منتصف الحلقة بتعابير صارمة وجادة، وحملوا معهم أنواع مختلفة من الأسلحة الرشاشة، لكن الغالبية كانت تحمل بندقية جِراس-7.

'ستكون هذه مشكلة للتعامل معها... '

كان كيد يعرف هذا النوع من البنادق معرفة مميزة. كيف لا وقد تعرض لإصابة لا تمحى من ذاكرته من احدى فوهاته سابقا؟

نظر كيد الى كتفه اليسرى، مستذكرًا لمحات من ذلك اليوم الذي تعرض به لرصاصة من هذه البندقية. وتذكر الألم المروع والمعاناة التي لحقت به بعدما اخترقت تلك الرصاصة عظم ترقوته

'ذلك البشري المجرد... سحقًا له! أتمنى لو يعود للحياة حتى أتمكن من قتله مجددًا'

كانت تفاصيل البندقية وشكلها محفورة في ذهنه، بلونٍ أزرق سماوي وفوهة طويلة، بمعدل إطلاق رصاصة واحدة في الثانية، ومدى لا يزيد على خمسمئة متر

لم تكن هذه البندقية قادرة على اختراق المدرعات القوية أو الفولاذ الصلب. نظريًا، كانت تتشابه بشكل كبير مع البنادق الأخرى العادية، إن لم تكن أدنى منها، لكن ما ميزها عن غيرها من البنادق هو تلك الرصاصة التي تطير من فوهتها لتحفر حفرة في جسد الهدف، كانت مصنوعة من معدن الأونيكس

لا شكّ أنه لم يكن أونيكس خالصًا كتلك التي تلقاها كيد سابقًا، كانت تلك الرصاصة جحيمية بحق، لكن هذه... كان كيد يعرف أنه لن يتم توزيع كمية من مورد الأونيكس الثمين على بعض الجنود من أصحاب القوى الخاملة، كان معدنًا نادرًا بعد كل شيء، لكن واحدا بالمئة فقط من كل رصاصة ستكون معضلة يجب التفكير في كيفية التعامل معها

لحسن الحظ، لم يبدو أن التعامل مع الجنود الخاملين سيكون مهمةً شاقة بالنسبة للوضع الراهن

ابتسم كيد بزاوية فمه...

كان ترتيب الجنود وطريقة اصطفافهم المستهترة ستسهل عليه الكثير في المعركة القادمة. حاصر العساكر أنفسهم لوحدهم ومنحوا مجالًا للقرويين للهرب لحظة بدء المعركة. ليس وكأن كيد كان مهتمًا جدًا بالحفاظ على القرويين آمنين، لكن وجود العديد من المعيقات أمام الفريق كان شيئا مزعجا للتعامل معه

وبالطبع، لم تكن طريقة اصطفاف الجنود وتمركزهم مرميةً بالكامل على الحظ ليتعامل معها، بل كان هذا جزءا من لعبةٍ أعدها كيد سابقًا

اختار كيد هذا المكان بعناية مع فورج في اليوم السابق لوضع الجثتين فيه؛ ليضمن أن كل شيء يسير كما خطط له من قبل

كما لم يكن الموقع المدروس هو العامل الوحيد في خطة كيد، فقد كان واعيًا بشكل جيد بطريقة تفكير هذه الجماعات وتصرفهم

عرف كيد أن العساكر سيلجؤون الى ترتيب صفوفهم بالطريقة الأكثر ملائمة لهم، لا بالطريقة التي تضمن عدم هروب أي قروي

فبعد كل شيء، كان لدى العساكر ثقة مفرطة في خضوع القرويين لهم، كما لم يكونوا مقتنعين بفكرة حدوث تمرد داخلي أو مقاومة أو شيء من هذا القبيل، وفكرة هجومٍ خارجي كانت خارج نطاق تفكيرهم في الوقت الحالي

"هوي كيد!... "

همس ايسيليان بأذنه بعد أن رأى رفيقه شاردًا وغائب الحضور حتى مع تواجده معهم

التفت كيد نحو رفاقه الذين كانوا يراقبونه باهتمام

"انتهيت. استعدوا!... سنهاجم بعد ثوانٍ، تعرفون الخطة"

رمش ايسيليان وحك رأسه، ثم فتح فمه هو وغارث وفورج باللحظة ذاتها

"لا، لا أحد يعرف سواك"

نطق بها الثلاثة بأسلوب يدل على كون الجملة أمرًا روتينيًا قد اعتادوا عليه. لم يخبرهم كيد بخططه قط، ربما لعلمه بأنهم لن ينقادوا بشكلٍ كامل لأوامره ويتبعوها بحذافيرها، وحتى أنهم قد يحرفون الخطة بأكملها ويفسدوها، لذا فضّل أن يخطط بنفسه ويباشر التنفيذ، وبعدها سيتصرف رفاقه بما يناسب الوضع.

كان هذا الأسلوب غريبًا وقد يبدو غير عملي بعض الشيء، لكنه كان فعّالًا بطريقةٍ صادمة، وكان أفضل لكيد من أن يرى خطته التي أجهد خلايا دماغه للخروج بها تدمّر ويداسُ عليها بحماقة رفاقه وعنادهم

"حسنًا كما العادة... سايروني"

***

كان الصمت مخيّمًا في الساحة التي وقف فيها الجميع فلم يُسمع إلا صوت هزيز الرياح الخافت، وأنفاس الأطفال والنساء المتسارعة. صمت القرويين بسبب خوفهم من بطش الجنود، بينما صمت الأخيرون لانتظارهم رئيسهم أن يباشر الكلام.

الضابط القصير الذي تقدم بخطوةٍ واحدة أمام الجنود قرر أخيرًا المباشرة بالكلام

"كونوا لطفاء معهم! لا تقسوا عليهم! احموهم بأرواحكم!... هؤلاء اتباعنا، هؤلاء شعبنا، هؤلاء مسؤوليتنا...

أتعلمون كلام من هذا؟ انه كلام قائدنا الرحيم والحنون والطيب ذو المشاعر الفائضة... وأتعلمون من المقصود؟ انه أنتم، الشعب الذي قطعنا وعدًا بحمايته مهما قدمنا من دماء... السيد ويس يذكرنا كلّ يوم بواجبنا تجاهكم... أما أنتم... ماذا فعلتم؟"

ظهرت بعض التعبيرات المصطنعة بشكل ساخر على وجه الضابط وبعض الجنود ممن خلفه

كان كيد يعلم أن ما يتكلم به الضابط مجرد هراء لا معنى له، وعلم ذلك الضابط بنفسه وكل القرويين، لكنهم كانوا مجبرين على مشاهدة المسرحية السخيفة حتى انتهائها. فبعد كل شيء، لم تكن منظمة أرجيمنت قد جاءت الى هنا بطلبٍ من القرويين أنفسهم، بل جاءت وفرضت نفسها عليهم بالقوة الغاشمة والإخضاع

اقترب الضابط من أحد القرويين مسرعًا فتراجع الآخر خطوتين للخلف بذعر

أشار الضابط اليه وقال: "أنت!... ألم نقم بواجبنا تجاهكم؟ ألم نقدم كل ما بوسعنا لهذه القرية؟"

ظل القروي الخائف صامتًا ولم يجب

اقترب الضابط القصير منه أكثر، ثم رفع يده وأمسك به بخفة من مؤخرة رأسه

"ألم نفعل؟ فعلنا أليس كذلك؟"

قال الرجل بعد تردد دام للحظات: "بلا يا سيدي... بالطبع!"

تراجع الضابط قليلا قبل أن يتابع مشيرا الى الجثتين الممددتين على الأرض

"إذا لماذا؟... أمس... فقدنا رجلين شهمين وشجاعين... كانا من أشجع رجالنا... قتلهم مُختلٌّ مجهول بدم بارد... لا أعرف كيف طاوعه قلبه على قتل جنديين شجاعين كرسا حياتها للدفاع عن القرية وسكانها من الأشرار المعتدين... "

سئم كيد من المسرحية الطويلة المملة، لكن لم يكن لديه الخيار في الوقت الحالي، كان مجبرًا على سماع جزء كبير من المحاضرة حتى يأخذ الجميع مواقعهم.

كان كيد قد قفز عن سطح المنزل الذي كانوا يراقبون منه منذ ثوانٍ وبدأ يتسلل مقتربًا أكثر من التجمع. بينما اتخذ ايسيليان موقعه في سطح أعلى منزلٍ قريب، كان يعلم انه يجب عليه التمركز في مكانٍ يسمح له بممارسة الرماية بحريةٍ كاملة. لم يغير غارث موقعه إذ لم يطلب منه كيد ذلك - كما لم يطلب من أحد آخر- أما فورج... فقد كان يسيرُ مباشرة نحو خط الجنود

"... سيصدمكم كلامي كما صُدمتُ أنا نفسي... لكن... المجرم الذي قتل البلطان الشجاعان..."

وضع الضابط يده على وجهه وكأنه يتحسر

"نحن متأكدون أنه احدكم... شخصٌ كنا نحميه بأرواحنا ونقدم كل ما لدينا له... قتلهما لمطامع شريرة... اوه كم هذا مؤسف... اتمنى من القاتل أن يُظهر نفسه قبل أن تسوء الأمور أكثر..."

حل صمت لم يدم سوى للحظة واحدة، وذلك عندما اخترق سهمٌ حاد مصنوع من الجليد البارد الهواء بسرعة رصاصة، فقطع صوت الضابط البائس للأبد...

دخل السهم من بين أسنان القصير عندما كان يستعد لالقاء كلمته التالية وخرج من مؤخرة رأسه

همس ايسيليان من اعلى سطح أحد المنازل محدثًا نفسه مع ابتسامة ساخرة

"لك ما تريد... حضرة الضابط"

لم تكن جثة الضابط قد لامست الأرض بعد، ولم تكن أعين الجنود قد أبصرت ما حدث حتى تلك اللحظة، حين ظهر بشريٌ بجسد ضخم، بل حتى مهول. ثلاثة أمتار كانت قد فصلت بين أسفل ذقنه وكلتا قدميه. كانت عضلاته تبدو وكأنها ستنفجر من ضخامة حجمها، وبدت العروق وكأنها تحترق تحت جلده، كان فورج أقرب إلى الوحش منه إلى البشري في تلك الهيئة، ولم يكن وحشًا فقط بمظهره

انقض العملاق على العساكر كما ينقض المفترس على فريسته...

ازدادت حرارة الهواء المحيط بالجنود بشكل طفيف لكن ملحوظ...

وسرعان ما تحول الهدوء إلى إعصار طائش يدمر كل شيء أمامه

2026/03/11 · 21 مشاهدة · 1319 كلمة
نادي الروايات - 2026