"ما هذا المخلوق!؟... "
كان أحد الجنود يصرخ بذعر بينما يشاهد أحد رفاقه يُسحق بوحشية أسفل القبضة الضخمة للكائن العملاق، وذلك قبل أن ينقض الكائن ليسحقه هو بذاته
كان الجنود متصلبين بأماكنهم، منعدمين القدرة على الحركة، إذ لم تكن الوقائع الجديدة قد دخلت أذهانهم بعدُ حتى هذه اللحظة
كان فورج - الوحش منه - يمسك برأس جندي، بينما كان الآخر يتلوى أسفل قبضته، ولم تكن قد مضت ثانية حتى قبل أن يتحول رأسه الى مزيج مقزز من الدم واللحم والعظام المتهشمة للجمجمة، بفعل الضغط الهائل للقبضة العملاقة
نظر أحد الجنود الى جثة رفيقه الملقاة على الأرض بخليط من مشاعر الخوف والفجع والتقزز، ثم حول نظره نحو الشيء المجهول ليراه قد اتخذ هدفًا آخر وبدأ يجري نحوه
نظر الجندي نحو يده، والتي كانت ترتعش وتهتز بشكل غير مألوف، وذلك قبل أن يتذكر أنه كان يحمل بندقية بين يديه.
شد الجندي قبضتيه بقوة على بندقية الجِراس-7 خاصته وأمسكها باحكام، ثم بدأ يرفعها ببطء
شعر الجندي بوزن العالم بين يديه لكنه تابع
حاول الجندي تصويب فوهة البندقية باتجاه الوحش الهائج، واندهش عندما أدرك أن ذلك كان أصعب مما توقعه بكثير، إذ رفضت يداه أن تطيعاه
حتى مع أن رفع البندقية كان حملا مرهقًا وأمرًا صعبا في هذه اللحظة، إلا أن حملها بيديه كان شيئا وتوجيهها شيئ آخر مختلف تمامًا
في كل مرة كان الجندي يحاول بها تحريك فوهة البندقية لتصبح بخط مستقيم مع الجسد الضخم، كانت قوته تنهار وسرعان ما تتحرك يداه بتموج غريب بفعل الثقل الذي كان يشعر به
كان الجندي خائفا لدرجة أن لا يستطيع توجيه سلاحه
'اللعنة على هذا الشيء! اللعنة على هذا الشيء'
كان فورج في تلك اللحظة قد انهى هدفه السابق وانزلقت قدماه بقوة نحو التالي
صر الجندي على أسنانه ثم باعد بين قدميه. كتم انفاسه وشد عضلاته ليصل لأعلى حدوده. أحكم امساك البندقية بين يديه ورفع فوهتها ووجهها نحو الضخم الذي كان يتحرك نحو هدفه السابع في هذه اللحظة... أم هل كان الثامن؟
'ومن يهتم بحق؟'
أجبر الجندي نفسه على تثبيت البندقية ومسايرة الهدف المتحرك، ليضع يده اخيرا على الزناد ويصرخ بأعلى صوته
"اذهب الى الجحيم... أيها المخلوق الـ.."
لم يكن الجندي قد أكمل جملته أو ضغط على الزناد عندما اخترق سهم جليدي رأسه
تغير لون السهم بعد أن خرج من مؤخرة رأسه، مصبوغا بالدماء وملطخا بنسيج الدماغ المثير للاشمئزاز
كان الجندي قد صب كل تركيزه على الوحش الهائج في محيطه، وتجاهل كل شيء ما عداه، ولذلك فهو لم يلحظ الأسهم الطائرة التي كانت تصيب وتخترق كل شخص تسوّل له نفسه أن يستخدم سلاحه على الكائن الضخم
وهكذا، سقطت الجثة في لحظة على الأرض كغيرها من الجثث الأخرى
لم يكن القريون معفون من حالة الصدمة والذعر، إذ لم يفهم أحدهم ما الذي يجري بعد، مع ذلك، كان منهم من قد غادر الحلقة وولى هاربًا
خلال لحظات قليلة فقط، تحولت الساحة إلى فوضى عارمة، من القرويين الذين بدأوا الهرب دون النظر خلفهم، الى الجنود الذين لا زالوا يحاولون تنظيم صفوفهم المشتتة
بدأ بعض الجنود تدريجيا باستجماع أنفسهم وتوجيه بنادقهم نحو الوحش الضخم، فقط لينتهي الأمر بهؤلاء القلة بأسهم في صدورهم أو نحورهم شلّت حركتهم قبل أن تقطع أنفاسهم للأبد
تمكن واحد أو اثنان من إطلاق النار من أسلحتهم الرشاشة نحو المخلوق الضخم لكنها ارتدت عن سطح جلده دون أن تترك حتى خدشا طفيفا. لم يكن للأسلحة العادية أي تأثير على الوحش الهائل، لكن المشكلة كانت في بنادق الجِراس-7، وهذا بالضبط ما دفع ايسيليان للتمركز أعلى سطح أحد المنازل والاستمرار بإرسال سهم تلو الآخر نحو حاملي تلك البنادق.
أطلق الشاب الوسيم تنهيدة قصيرة بينما كان يدرس ساحة المعركة
"ثلاثمئة وواحد واربعون مترًا لا تكفي لاخفاء نفسي بالقدر الكافي... هممم. هل يجب علي الابتعاد أكثر؟..."
أفلت الشاب سهمًا ليأخذ مكانه بين عيني أحد الجنود، والذي كان يفكر بحمل سلاحه وإطلاق النار، ثم تابع تفكيره المسموع
"همممم لكن!... حينها قد أضيع الكثير من الوقت في بحثي عن مكان أخر..."
زفر الشاب الساحر بحدة عندما تفادى بالكاد رصاصة كانت قادمة لتحفر نفسها في دماغه، قاطعةً سلسلة التفكير العميق والمعقد الذي كان يقوم به
رفع ايسيليان كلا حاجبيه وصر على أسنانه بتعبير غريب ظهر على وجهه
"سحقا!... لم أتوقع أن يُعثر علي بهذه السرعة"
دون لحظة تفكير واحدة، بدأ الشاب بالجري بينما يحمل قوسه الجليدي البسيط بيده اليمنى
بعد لحظة، كانت قدماه قد استقرت على حافة السطح المرتفع، ليقفز برشاقة من سطح منزلٍ لآخر متفاديًا رصاصة أخرى كانت قادمة نحوه
تموجت خصلات شعره البيضاء بفعل مقاومة الرياح وكشفت عن جبهته البيضاء بالكامل. أدار ايسيليان رأسه وهو يحلق في السماء بحثًا عن مُطلق النار، حتى عثر عليه أخيرا مختبئا بين الحشود
ما ان لامست قدما الشاب السطح الخشن حتى بدأ بتقليل اندفاعه وتوجيه جسده للاتجاه المعاكس متفاديًا الرصاصة الثالثة بصعوبة
لم يكن حينها قد مر أكثر من ثانيتين على الرصاصة الأولى، أنهى السهم الجليدي الحاد أخيرًا تكوين نفسه واستقر على الخيط الرقيق للقوس اللامع البسيط. لم يضيع ايسيليان لحظة واحدة، رفع قوسه وسحب الوتر برشاقة بالغة دون أي عناء يذكر
صوب الشاب الساحر عينيه الزرقاوين على الجسد الذي بدا كنملة تبعد عنه أكثر من ثلاثمائة متر، ثم ترك يده لينطلق السهم مصارعًا الرياح. انتفض الغبار الجليدي ببريق لامع مع انطلاق السهم نحو هدفه، وزيّن محيط الشاب ليكوّن مشهدًا لافتًا للنظر، مبهرًا للعين، ومتناسقًا مع ذاته الباردة الجميلة.
ارتج الخيط المنسوج من الجليد بعد أن ودعه السهم مغادرا، ثم عاد ببطء مستقيما بين حافتي القوس
وعلى بعدٍ منه، توقف قلب الجندي وهو يشاهد السهم يحلق نحوه بسرعة، لكن ردة فعله التلقائية كانت سريعة أيضا. استطاع الجندي أن يتفادى السهم القاتل ويخرج فقط بإصابة سطحية في خاصرته.
في الوقت الحالي كان الجندي يسقط على الأرض بفعل القصور الذاتي بعد محاولته اليائسة لتفادي السهم
حتى مع محيطه الفوضوي، ولسبب مجهول، بدا أن هذا الجندي قد كان أكثر هدوءا وتركيزا من غيره حتى في اللحظات الحرجة والخطرة
لم يكن الجندي يستطيع منع سقوطه على الأرض لكنه استطاع على الأقل أن يرفع سلاحه ويوجه فوهته أثناء ذلك نحو المكان الذي كان يتذكر ان مُطلق السهام وقف فيه
أطلق الجندي الرصاصة الرابعة دون أن ينظر حتى للمكان الذي كان يطلق نحوه
صُدمَ ايسيليان من الرصاصة المخادعة وغير المتوقعة، فانزلقت قدماه بينما كان يحاول تأدية تفادٍ عاجل وغير مدروس، ثم سقط جسده للخلف
نجا ايسيليان من الرصاصة ولم تخدش إلا سطح قوسه الحاد قبل أن تتابع طريقها، لكنه كان ممدّدًا على الأرض وفاقدًا لتوازنه، بينما كان الجندي يعدل نفسه ويستعيد توازنه بمعدلٍ أسرع.
حاول ايسيليان الوقوف لكن حركاته كانت تحمل بعض العشوائية وقلة التوازن الناتجتين عن تصرفه المستعجل، فتعثر وسقط مجددًا، وكان الجندي قد سبقه في العودة لوضعه
رفع الجندي بندقيته ووجهها نحو السطح البعيد للمبنى القديم واستعد للضغط على الزناد. رفع ايسيليان قوسه وغطى به وجهه كمحاولة اخيرة يائسة للدفاع عن نفسه
'اللعنة! كيف وصل الأمر لهنا بحق؟'
كان الجندي قد تجاهل محيطه بالكامل أثناء انخراطه بمعركته القصيرة، ولم يعر انتباها لسحق الجنود من حوله على يد الوحش الضخم، ولم يعر انتباها حتى لجسد رفيقه الذي كان يحلق نحوه كصخرة تم إطلاقها من منجنيق، بل صب تركيزه فقط في الرصاصة التي كان سيطلقها
ارتطم الجسدان ببعضهما فطارت البندقية من يدي الجندي وسقط بألم حاد على الحجارة، وسقط فوقه رفيقه الآخر.
أخذ الجندي المتألم ثوان ليجمع أفكاره ويستوعب ما حدث، ثم ثوانٍ أخرى لدفع الجثة التي نامت فوقه
'سحقا! ما هذا الألم؟.. أوه لم أعاني هكذا في حياتي.. '
ربما كان لدى الجندي بعض الأضلاع المكسورة التي يجب التعامل معها... لاحظ سلاحه الملقى على الأرض على بعد عدة أمتار وبدأ يزحف نحوه بعجز
وصل الجندي أخيرا بعدما بدا أنه معاناة جحيمية لا تقاس
لكن... ولسوء الحظ، قبل أن تلامس يدا الجندي سطح بندقيته الخاصة، قطع تدفق دمه مع نفسه
أخذ سهم جليدي مكانه في ظهره وحفر حفرة عميقة ليصل إلى قلبه وينهي حياته
كان ايسيليان يتنفس بطريقة مضطربة
"أخيرا!... ظننتُ أنني هالك لا محالة. كم هو قناص بارع... همفف يا الهي.. ربما يجب أن أحتاط أكثر في المرات القادمة
سحقا! لقد نسيت.. "
فجأة بدا أن ايسيليان تذكر شيئا، فحوّل نظره بسرعة لمكان آخر
أخذ نظرة أوسع على ساحة المعركة ثم أطلق بعد لحظات تنهيدة ارتياح خافتة
"هووه... يبدو... يبدو أنهم تعاملوا مع غيابي بشكلٍ ممتاز... يبدو..."
كان فورج مستمرًا بسحق الجنود وكانوا لا يزالون مرتبكين وصفوفهم مبعثرة، ربما ليس بالقدر نفسه في البداية، لكن بالقدر الذي يبقيه مسيطرًا.
وقبل ذلك بفترة قصيرة، كانت الحرارة في الساحة ترتفع بوتيرة هادئة.
ببطء ولكن بثبات في وقت ما خلال المعركة، طوقت نارٌ سوداء كالظلال مجهولة المصدر الساحةَ بالكامل، ومنعت الجنود من الهرب وحاصرتهم داخل نطاق الوحش الهائج
فكر العديد من الجنود بمغادرة ساحة المعركة لكن تلك النار قد منعتهم.
وبالطبع، لم تكن المهمة الوحيدة التي قررها كيد للنيران السوداء هي منع الجنود من الفرار والنجاة بحياتهم، بل عملت أيضا على تشتيت صفوفهم وتفكيرهم، وإجبارهم على القتال في بيئة غريبة لم يعتادوا عليها، وبلا شك، تعقيد المهمة المتمثلة في معرفة مصدر السهام الجليدية.
كان كيد يجلس على ركبتيه خلف حلقة النار السوداء ويضع كلا كفيه على التراب. بعينيه القرمزيتين كان يراقب ساحة المعركة بلا حراك وبدت يداه كما لو أنهما يرسلان الأوامر للأرض ذاتها. راقبت عيناه كل تفصيلة صغيرة كانت أو كبيرة تحدث في أرض المعركة.
كان جميع الجنود اما هالكين واما يقاتلون المخلوق الوحشي الذي تحول اليه فورج بيأس بالغ. هرب معظم القرويين وبقي بعضهم مترددًا بعد أن رأوا النيران تستعر أكثر فأكثر.
في إحدى المرات، تشجع أحد القرويين وقفز من مكانٍ لم تصبه النيران كثيرًا، فاحترقت سترته مباشرة، فخلعها بهلع والقاها على الأرض وهرب جزعًا.
لكن كيد لم يرى أيا من هذا لأن عينيه كانتا في مكانٍ آخر. بالقرب منه، خرج جندي من بين النيران ووقف الى جواره للحظات بينما كانت أنفاس الجندي تتكسر في صدره
أعطاه الجندي نظرة جانبية سريعة لكن لم يعره أية اهتمام وتحرك ليركض دون أن يلتفت برأسه حتى
أطلق كيد تنهيدة خفيفة وأغمض عينيه، ثم رفع يده وفتح كفه وحرك أصابعه النحيلة، ليوجهها نحو جسد الجندي المسرع، قبل أن يبتعد الآخر عنه كثيرا
عندها، التقت نظرة الجندي المذعور بما خرج من كف كيد، ولم يستطع حتى التلفظ بكلمة واحدة. اشتعل لهب أسود في المسار القصير بين أصابع كيد وجسد الجندي، قبل أن تكتسح تلك النيران الجلد الشاحب وتلتهمه، لتُسمعُ بعدها صرخة ألم مدوٍ في جميع الأنحاء
كانت صرخة شخص غرق في النيران المستعرة التي لا ترحم...