أفتح عيني ببطء، فتضرب أشعة الشمس وجهي كصفعة دافئة. أشعر بجفاف في حلقي، كأنني ابتلعت حفنة من الرمل. أستدير نحو اليمين، وأحدق في الرزنامة المعلقة على الطاولة القريبة—اليوم هو الأول من الشهر السادس، ذروة موجات الحرّ في التقويم الإمبراطوري.
أنهض متثاقلًا من السرير. قدماي ترتجفان قليلًا حين تلامسان أرضية الغرفة الباردة. نظري يتجه نحو الساعة، إنها السابعة وسبع وعشرون دقيقة. اللعنة.
أندفع نحو الحمام، أجري طقوسي الصباحية على عجل، وكأنني أخشى أن أضيع ثانية واحدة أكثر مما ينبغي. بعد الاستحمام، أرتدي بزتي الرسمية: قميص رمادي باهت، بنطال ذو طيات مشدودة، ومئزر المختبر الأبيض الذي تفوح منه رائحة المعقمات. أضع الكمامات، شبكة الشعر، وأتأكد أن كل شيء في مكانه. الأوراق البحثية بين يديّ، مجعدة بعض الشيء لكنها لا تزال صالحة. أخرج من المسكن دون أن أتناول فطوري. الجوع لا يقتل… التأخير يفعل.
الهواء في الممرات الخارجية للمجمع خانق، لا بسبب الحر فقط، بل بسبب الصمت المطبق الذي يخترقه أحيانًا صوت صفارات الإنذار الآلي أو خطوات متسارعة لموظف تأخر عن نوبته. حين أصل إلى بوابة المختبرات، أُجبر على التوقف.
يبدأ الفحص الروتيني المعتاد: بصمة العين، تحليل العرق، ومسح عقلي سريع. كل شيء هنا محسوب، مدروس، باردٌ كالمشرط. يُفتح الباب المعدني الهائل ببطء، كأن المختبر يبتلعني.
الداخل… مختلف.
درجة الحرارة مضبوطة على نحو يخنق العظام، لكنك لا تتعرق. الجدران ناصعة البياض، لا تشوبها شائبة، كأن العقم قد تجسد في المكان. الأضواء الفلورية لا ترمش ولا تومض، بل تسلط سكونها القاسي فوق كل شيء، كأنها تراقب وتدين.
الكل هنا يتحرك وفق نمط دقيق، خطوات موزونة، نظرات محدودة، كلمات محسوبة. لا أحد يضحك. لا أحد يهمس. هذا ليس مكانًا يُحتمل فيه الخطأ. ليس عندما يتعلق الأمر بـ الفراغيين.
أُمرّ عبر ثلاث بوابات أمنية أخرى حتى أصل إلى القسم الداخلي، حيث تُحتجز العينات.
أقف أمام الزجاج المدرع، أراقبهم.
لا يتحركون كثيرًا، لكنك تشعر بهم.
أحيانًا، تظن أنك تراهم يفتحون أفواههم ليصرخوا… لكن لا صوت يخرج.
ذلك ليس زجاجًا… بل صمت متجمد.
وجودهم في هذا المكان يشبه وجود شق في الواقع، فتحة صغيرة تنبعث منها كوابيس لا شكل لها. الفراغيون... ليسوا مخلوقات. ليسوا بشرًا. ليسوا حتى كائنات قابلة للفهم.
وظيفتنا؟ التأكد أنهم لا ينادون أحدًا.
كل خطوة في المختبر مخصصة لمنعهم من إرسال إشارة استغاثة… حتى مجرد ذبذبة.
نعزلهم بطبقات من الفولاذ، الحقول الكهرومغناطيسية، الجدران المشحونة بالبلازما.
ولأن كل ذلك قد لا يكون كافيًا… نحن هنا.
لنراقب.
لنحسب.
ولنمنع العالم من السقوط في الفراغ.
أحدق عبر الزجاج، لكن نظري بدأ ينزلق.
ليس على المخلوق نفسه… بل على الفراغ حوله. كأن ذهني يفلت مني، يسقط بين ثنايا التفاصيل التي لا تُرى، حيث تُهمَس الأشياء ولا تُقال.
أنسى نفسي لوهلة.
لا أدري كم من الوقت مضى.
قد يكون ثانية… أو ساعة.
ثم سمعت صوته.
هادئ، جاف، ومألوف كالخوف القديم.
"لقد شردتَ مجددًا يا بولايس. عقلك أضعف مما توقعت."
أدرت رأسي بسرعة.
كان هناك، كعادته. واقفًا بهدوء قرب طاولة العمليات، يقرأ من أحد ملفات التشريح وهو لا ينظر إليّ.
البروفيسور.
بذلته ذات الطابع الأكاديمي لا تتسخ أبدًا. وجهه مجعّد، كأن الزمن مرّ عليه مرتين.
نظارته نصف منزاحة عن أنفه. وصوته دائمًا يحمل نبرة احتقار خفي… لكن عادل.
"لم يكن الوقت مناسبًا للتفكير الوجودي. لدينا جثة."
سرت رجفة باردة في عمودي الفقري.
جثة الفراغي.
كانت لا تزال هناك، في الحوض الزجاجي المليء بمحلول الحمض.
البخار يتصاعد منها، رائحته لزجة، كأنك تغلي لحمًا نَسي أنه كان حيًا.
هيكله لم يكن واضحًا. عضامه انصهرت جزئيًا، وجلده كان أشبه بشبكة من اللحم المتشقق المتشابك، كما لو أن جسده كان محاولة فاشلة لترجمة كابوسٍ إلى مادة.
الفم… أو ما كان فمًا… لا يزال مفتوحًا.
وكأنّه صرخ في اللحظة الأخيرة، لا طلبًا للنجدة… بل للإرسال.
"متى مات؟" تمتمت.
"منذ خمس عشرة ساعة. الحمض عطّل قدرته على التجدد. مفاجئ، أليس كذلك؟"
قالها وهو يقلب إحدى الصور، دون أن يرمش.
اقتربت أكثر. حدّقت فيه. لا، في نفسي. لا، في الشيء.
"هل هو ميت حقًا؟"
البروفيسور لم يجب.
بدلًا من ذلك، مشى بهدوء إلى اللوحة الرقمية على الجدار، وكتب شيئًا.
لم أقرأه. لم أكن أريد أن أعرف.
لكنه تكلم بصوت منخفض، كأنما يحدث نفسه.
"الفراغ لا يموت. هو فقط يعيد الترتيب."
أنا أتنهد وأواصل الاستماع إلى البروفيسور.
"كما درستَ في سنواتك الأكاديمية، فإن موت الفراغيين يعني أنهم أصبحوا مادة استهلاك. يتم إرسال جسد الجندي الميت إلى الملكة، فتلتهمه وتُنتج جنديًا جديدًا."
يتحرك البروفيسور ويعطيني مشرط الجراحة، ثم يومئ لي بأن أبدأ العمل.
أشرع في قطع ما تبقى من الأوتار والأنسجة العضلية. معظمها كان قد تلف بفعل الحمض، وهذا ما جعل التشريح أسهل.
"كما ترى يا بولايس، هذه الكائنات تملك بيولوجيا مختلفة عن أغلب الكائنات الحية. طريقتهم اللاجنسية في التكاثر، إلى جانب وتيرة إنتاجهم السريعة... تجعلهم تهديدًا حقيقيًا."
يشير البروفيسور إلى الجانب الأيمن أسفل الصدر، فأفتحه بهدوء. بعدها أتناول المطرقة وأبدأ بكسر القفص الصدري. كان شائكًا وسامًا، لذا أتعامل معه بحذر بالغ.
أكسر الأضلاع واحدة تلو الأخرى. أصوات الطرقات تملأ المختبر مثل نبضات قلب مصطنع… منتظمة، جوفاء، خالية من الحياة.
"أنظر إلى الغشاء هنا،" يقول البروفيسور بينما يشير بأداة دقيقة إلى كتلة رمادية متصلبة تحيط بعض الأعضاء المتدهورة، "نعتقد أنه شكل بدائي من نظامهم المناعي، يتعلم من كل ضحية جديدة، ينسخ خصائصها البيوكيميائية، ثم يُدمجها في الجيل التالي."
أدون ملاحظة سريعة على الشاشة المجاورة. الغشاء ذاته لم يكن موجودًا في العيّنات السابقة. هذا يعني أنهم… تطوروا مجددًا. بسرعة.
"الفراغيون لا يُهزمون بالمعنى التقليدي،" يتمتم البروفيسور وكأنه يقرأ أفكاري، "كل طلقة نطلقها، كل سلاح نبتكره، يصبح غذاءً لتحسينهم. في الواقع، أنت لا تقتل واحدًا منهم، أنت فقط تُدرّب الآتي."
أضع المطرقة جانبًا وأنتقل إلى الاستئصال اليدوي. أصابعي تلامس أنسجة كائن لا ينبغي أن يكون موجودًا، نسيج لا يقرر إن كان عضويًا أم صناعياً. مادة نصف ذكية، تنكمش عند لمسي ثم ترتخي، كما لو أنها تتنفس.
في لحظة، أتذكر أحد الجنود. وجهه لم يكن واضحًا بعد الانفجار، لكن صرخته كانت واضحة جدًا. كان يردد:
"لا يتوقفون... لا يتوقفون... إنهم يعرفون كيف نتحرك، يعرفون كيف نفكر!"
لم يكن يعاني من هلوسة، بل فقط أدرك متأخرًا أنهم تعلموا.
"العضلات المتبقية هنا،" أقول وأنا أفصلها بمقص جراحي، "تحوي بُنية غير مألوفة… وكأنها تتذكر طريقة استخدام الضحية لها."
"ذاكرة عضلية،" يرد البروفيسور باقتضاب، "ليس من الضحية فقط… بل من كل من سبقوه. الفراغيون لا يمشون على الأرض… بل يمشون على تاريخ ضحاياهم."
أكتم قرفي.
أكمل الشق الأخير، وأكشف الكتلة العصبية الأساسية. لم تكن دماغًا. ليست حتى شبكة عصبية بالمعنى البيولوجي المعروف. بل مجرد تكدس من الخلايا المتض
خمة، تنبض ببطء، وكأنها تعرف أننا نراقبها.
أبتعد خطوة.
"هل تشعر بها؟" يسأل البروفيسور.
أهز رأسي.
"لا، لكني أعرف أنها تراني."