المقدمة: "عادة 623"
(تنبيه: هذا الفصل يُروى بصوت البطل. إنه يعرف أنك تقرأ. إنه لا يهتم).
---
الفصل صفر: العادة
أتعرف ما هو أسوأ من الرغبة؟
العادة.
الرغبة يمكن إشباعها. العادة لا تُشبع. العادة تستيقظ معك كل صباح، تجلس على صدرك، تهمس في أذنك: "حان الوقت."
أنا لا أستيقظ لأفكر: "أريد أن أقتل." هذا ساذج. هذا درامي. هذا... إنساني.
أنا أستيقظ لأفكر: "هل سأقتل اليوم؟" كما تفكر أنت: "هل سأشرب القهوة اليوم؟"
الفرق بيني وبينك ليس في الفعل. الفرق أنك لا تزال تعتقد أن ثمة فرقًا.
---
1. هذا رقمي. ليس عدد ضحاياي. ليس إنجازًا. ليس ندمًا. مجرد... رقم. كعدد خطوات مشيتها بالأمس. كعدد أنفاسي منذ ولدت. هل تحصي أنفاسك؟ هل ينتابك شعور بالفخر لأنك تنفست عشرة آلاف مرة اليوم؟ هل تشعر بالذنب؟
لا. أنت فقط تتنفس.
أنا فقط أقتل.
لا تسألني "لماذا". "لماذا" سؤال افترضتموه أنتم، يا من تصنعون آلهة لتبرروا وجودكم، وأخلاقًا لتبرروا خوفكم. أنا لا أخاف. أنا لا أبرر. أنا فقط أفعل. الفعل هو الشيء الوحيد الحقيقي. النية وهم. الندم وهم. أنت... وأنت تقرأ هذا الآن... وهم. حروف على شاشة. ليس أكثر.
لكنك لا تزال تقرأ. لماذا؟
لأنك تريد أن تفهم. تريد أن تعرف كيف يعمل عقلي. تريد أن تضعني في صندوق: "مريض"، "شرير"، "مختل". الصناديق تريحك. الصناديق تجعلك تعتقد أنك مختلف عني.
هل أنت مختلف؟
كم مرة فكرت في قتل أحدهم؟ مديرك في العمل؟ ذلك الغريب الذي دفعك في القطار؟ نفسك؟
لا تجب. أنا أعرف. أعرفكم جميعًا. أنتم مثلي. الفارق أنني صادق.
---
أتذكر الـ623. لا كضحايا، بل كأرقام. كعادات.
الرقم 1: عصفور. ليس كراهية للعصافير. ليس حبًا للقتل. بل لأنني كنت في الثانية عشرة، وكان العصفور هناك، وكانت يدي هناك. وُلد الفعل من الصدفة. لكن ما حدث بعد الفعل... هو ما ولّد العادة.
الصمت.
حين قتلته، صمت. توقف عن التغريد. وفجأة، سمعت شيئًا لم أسمعه من قبل: لا شيء. فراغ. عدم.
وفي ذلك العدم، شعرت بشيء. ليس سعادة، ليس حزنًا. شعور بلا اسم. كأن الكون توقف لحظة، نظر إليّ، وأومأ.
أردت ذلك الشعور ثانية.
ليس إدمانًا. الإدمان ضعف. أردته لأنني أستحقه. لأنني الوحيد الشجاع الكافي لأخذه.
---
الرقم 312: كلب الجيران. كان ينبح كل ليلة. لم أقتله لأنه أزعجني. قتلته لأرى إن كان صوته سيتوقف. توقف. عاد الصمت. عاد الشعور. لكنه كان... أقل. كجرعة مخدر لم تعد تكفي.
الرقم 501: امرأة. لا أتذكر وجهها. أتذكر صوتها. صوت يشبه صوت أمي. ليس لأنني أكره أمي. لا. أمي لا شيء. مجرد امرأة أخرى. لكن الصوت... الصوت الذي يهتز قبل البكاء... يختلف عن زقزقة العصافير ونباح الكلاب. في هذا الصوت طبقة إضافية: الإدراك. حين تدرك الفريسة أنها فريسة، يتغير صوتها. يصبح... أعمق. كأن الروح نفسها تصرخ قبل الجسد.
ذلك الصوت... كان أفضل صمت سمعته في حياتي.
لا تحكم عليّ. أنت طلبت أن تدخل عقلي. أنا لم أدعك. أنا لا أدعو أحدًا. لكنك هنا. فاستمع.
---
الرقم 623: الأخيرة. قبل المحاكمة. لا أتذكر عنها شيئًا. لا صوتها، لا وجهها، لا طعم لحمها. أتذكر فقط أن الشعور... لم يعد يأتي.
623 مرة. واختفى.
ليس ندمًا. ليس تعبًا. بل لأن العادة قتلت الشعور. كمُدخّن لم يعد يحس بالنيكوتين. كسكّير لم يعد يثمل. العادة أكلت نفسها. تركتني مع فراغ أكبر من الفراغ الذي بدأت به.
في تلك الليلة، جلست في الظلام، وأدركت شيئًا:
لو كان ثمّة إله... لو كان ثمّة معنى... لما سمح لي بالوصول إلى هنا. لو كان للقتل وزن، لسحقتني الأوزان منذ الرقم 100. لكنني خفيف. خفيف كريشة في فراغ. لا شيء يمسكني. لا شيء يوقفني. لا شيء... يهم.
هذا هو العدم. ليس الحزن. ليس الغضب. ليس اليأس. العدم أن تنظر إلى 623 موتًا فلا ترى إلا... أرقامًا. فقط.
---
ثم جاء الضوء.
المحكمة السماوية. الآلهة. الملائكة. كل هذا البهرج. وقفوا أمامي، بهيبتهم المزعومة، وقالوا: "623. لا فرق عندك بين عصفور وامرأة. تُجرّد من سلطة الدماء. لتشفِ الآن."
ضحكت.
ليس تحديًا. ليس خوفًا. ضحكت لأنهم ظنوا أنهم عاقبوني.
هم لا يفهمون. لا أحد يفهم.
أنا لا أحتاج سلطة الدماء لأقتل. لا أحتاج القتل لأشعر. لا أحتاج الشعور لأكون.
أنا فقط... أكون. بلا سبب. بلا هدف. بلا معنى.
وهذه... هذه هي الحرية الوحيدة الحقيقية.
---
أنت ما زلت هنا. ما زلت تقرأ. لماذا؟
هل تنتظر أن أتوب؟ أن أندم؟ أن أبكي على الـ623؟
لن يحدث.
أنا لا أعتذر. لا أتبرر. لا أطلب غفرانك.
أنا فقط... سأستمر. ليس لأنني أريد. ليس لأنني مضطر. بل لأن هذه هي العادة. العادة التي لا تُشبع. العادة التي لا تنتهي.
غدًا، سأستيقظ. وسأفكر: "هل سأقتل اليوم؟"
وربما سيكون الجواب: "نعم."
وربما: "لا."
لا يهم. لا شيء يهم.
لكنك ستعود لتقرأ. لأنك تريد أن تعرف الجواب. لأنك مثلي، في مكان ما، مدمن على شيء. تدمن القصص. تدمن المشاعر. تدمن فهم ما لا يُفهم.
لا تقلق. أنا لا أحكم عليك.
أنا لا أحكم على أحد.
الحكم يفترض معنى. وأنا لا أؤمن بالمعنى.
أنا فقط... أروي.
وأنت فقط... تقرأ.
وهذه، يا صديقي، هي العادة التي تجمعنا.
---
(الفصل الأول)
نهاية الدوام المدرسي. رنّ الجرس.
صوت حاد، طويل، يخترق طبلة الأذن كمسمار رفيع. ثم موجة من الصراخ وصكّ المقاعد. حقائب تُسحب بخشونة على الأرض. أقدام على البلاط، بعضها يجري. ضحكات متفرقة ترتد على الجدران. الغرفة التي كانت صامتة قبل ثانية تضج فجأة بالحياة، كأن أحدهم أدار مفتاح الصوت في العالم.
مددت يدي بهدوء، وسط الفوضى. حركة بطيئة، محسوبة. أعدت قلمي إلى المقلمة. صوت القلم وهو يدخل في مكانه المخصص، نقرة بلاستيكية ناعمة تكاد لا تُسمع. أغلقتها. أصابعي التقت حول السحّاب. حملت حقيبتي السوداء، ثقيلة بعض الشيء على كتفي. اتجهت نحو الباب.
عند باب الفصل، اعترضني. صديقي. وجهه المألوف يتصبب عرقًا من حماس كرة القدم في الاستراحة. صوته يقطع أفكاري:
"مرحبًا! عائد للمنزل وحدك، أم نذهب معًا؟"
ظللت صامتًا لبرهة. الهواء بيننا مشبع بغبار الطباشير ورائحة العرق المخففة بمزيلات رخيصة. الضوضاء تصم الآذان. ثم ارتسمت ابتسامة على وجهي. عضلات وجهي تتحرك بتناغم مدروس.
"اعذرني، سأعود وحدي اليوم. لديّ ما أفعله في الطريق."
ربّت على كتفي الأيسر. يده خفيفة، صفعة ودودة.
"حسنًا، نلتقي غدًا!"
"إلى اللقاء."
نزلت الدرج. خطواتي على الدرجات الحجرية الباردة. صدى الخطوات يبتلعني وأنا أهبط. مشيت بهدوء حتى خرجت من بوابة المدرسة. الحديد الأسود الثقيل يلمع في شمس العصر الذهبية. سلكت طريقي المعتاد.
الرصيف متسخ قليلًا. أوراق شجر يابسة تدوسها الأقدام. غبار ناعم يرقص في الهواء كلما هبت ريح.
في الطريق، اعترضني. صندوق كرتوني في الزاوية، بجانب عمود الكهرباء. لم يكن هنا هذا الصباح. مائل على جانبه، كأن يدًا مهملة تركته ورحلت. قاعه رطب وطري، الورق المقوى تآكل لونه وتحول إلى بني داكن. اقتربت، ظلي يغطي الصندوق.
بداخله، خمس قطط صغيرة. ثلاثة رمادية، فروها متلبد على جلدها، ظهور عظامها ترتسم تحت الجلد الرقيق. واحد أبيض متسخ، أطراف أذنيه وردية. واحد برتقالي، أصغرهم. عيونهم شقوق زرقاء ضبابية بالكاد تفتحت. وفوقهم الأم... رمادية، بأقدام بيضاء كأنها غمست في طلاء. جلدها مشدود على ضلوعها، تلمح كل عظمة في جسدها. حدّقت بي. رفعت رأسها بثقل، كأن رأسها أكبر من أن تحمله رقبتها النحيلة. ثم عادت ترمش ببطء، عيناها غائرتان في محجريهما.
وقفت. نظرت إليهم. الهواء ساكن بيننا.
ثم التفت. اتجهت نحو المتجر المجاور. الباب الزجاجي يعكس السماء والغيوم المتفرقة. توقفت عنده. أخرجت الكمامة من حقيبتي. سوداء، كالظل. ألبسها. الشريط المطاطي يستقر خلف أذني. أخرجت القفازات. مطاط بارد ينزلق على أصابعي. ألبسها. الأصابع تختفي تحت السواد. دخلت.
الهواء بارد هنا، قارس بعد حرارة الشارع. المكيف يطن بصوت رتيب منخفض. رائحة منظف الأرضيات ممتزجة برائحة الخبز من الرف المجاور.
توجهت مباشرة إلى الرف. علب السردين مرصوصة، صفوف ملونة. أمسكت بواحدة. المعدن بارد من خلال القفاز المطاطي الرقيق. شعرت بالبرودة على أطراف أصابعي. دفعت للبائع. عملات ترن على المنضدة، صوت معدني صغير. نظر الرجل إليّ للحظة، إلى الكمامة، إلى القفازات. لم يقل شيئًا. خرجت.
دخلت محطة الوقود. رائحة البنزين نفاذة هنا. ثقيلة، حادة، تكاد تُمسك باليد. تملأ الأنف وما تحته. الأرضية الإسمنتية ملطخة ببقع زيت قديمة، دوائر سوداء متحجرة.
"نصف لتر، من فضلك."
حدّق العامل في وجهي. عيناه ضيقتان، تتفحصان الكمامة ثم القفازات السوداء. نظر إلى الزجاجة التي مددتها له، ثم إليّ مجددًا. حاجباه مقتربان، جبهته تتجعد.
"لمن؟" صوته خشن، كأن حروفه تخرج من بين حصى.
"لأبي. نسيت وأنا عائد. لحسن الحظ أن محطتك هنا." صوتي هادئ، ثابت. العبارة جاهزة، كأنها محفوظة.
صمت لثانية، ثم هز كتفيه. دفع. أخذت الزجاجة. السائل يتحرك بداخلها، يتراقص، يلمع تحت ضوء المحطة. الباب يغلق خلفي بصوت الجرس المعدني الصغير. الشارع مجددًا، هواء نظيف نسبيًا.
عدت إلى الصندوق.
الأم رفعت رأسها إليّ. أذناها مسطحتان للخلف، مثل جناحي طائر مذعور. حدّقت في عينيها. كان فيهما شيء. ربما الدموع، تلك الطبقة اللامعة التي تغطي العينين. أو الجوع. ربما لا فرق في النهاية. لا يهم.
وضعت قارورة البنزين على الأرض. صوت الزجاج الثقيل يرتطم بالرصيف الخشن. بقيت واقفة، لم تنقلب.
وضعت حقيبتي السوداء على الأرض، بجانب القارورة. فتحت السحّاب. صوت مألوف، أسنان معدنية تنفصل. أخرجت الكيس الأحمر. مكتوب عليه بخط واضح وأسود: سم جرذان. الحروف جافة، رسمية.
فتحت علبة السردين. المعدن يقاوم، حافته حادة تحت إبهامي، ثم يستسلم فجأة بصوت فرقعة. الرائحة قوية، تنبعث في الهواء الساكن. سمك وزيت، رائحة مالحة ثقيلة. سكبت المسحوق الأبيض الناعم على السمك الوردي. حبيباته تتناثر، تختلط بالزيت الذهبي. الغبار الأبيض يذوب ببطء.
أخرجت الملعقة البيضاء. صغيرة، نظيفة، من النوع البلاستيكي الذي يستخدم لمرة واحدة. بدأت أمزج المسحوق بالسردين. حركة دائرية، بطيئة، منتظمة. المسحوق يذوب، يختفي في الزيت، حتى لم يعد يُرى، حتى بدا السمك طبيعيًا تمامًا. شهيًا. وضعت الملعقة المتسخة في الكيس البلاستيكي. صوت البلاستيك ينطبق، خفيف.
انحنيت نحو الأم. تصلب جسدها تحت نظري. ارتعشت في البداية، ارتعاشة صغيرة مرت عبر جسدها كله. تراجعت خطوة، ظهرها ينحني. لكن أنفها الأسود الصغير بدأ يرتعش. رأيت الجوع ينتصر على الغريزة أمام عينيّ. عيناها مثبتتان على العلبة. جسدها كله مشدود نحوها، كخيط غير مرئي يسحبها.
نهضت. مشيت. عشر خطوات. خمس عشرة. حصى صغير يتطاير تحت حذائي. وهي خلفي، تتبعني. خطوة. خطوة. أظافرها الصغيرة تنقر على الرصيف. عشرون مترًا. مسافة كافية. بعيدًا عن الصندوق، بعيدًا عن أعين الصغار.
وضعت العلبة على الأرض. صوت المعدن على الإسمنت، أجوف ونهائي.
بدأت تأكل. رأسها مدفون في العلبة. صوت لعق عال، يائس. صوت مضغ سريع. جسدها كله منغمس في الأكل، كل خلية فيه تصرخ: طعام. أذناها لم تعودا مسطحتين. ذيلها النحيل يرتفع ببطء.
تركتها.
عدت إلى الصندوق. الصغار ما زالوا هناك. متكومون على بعضهم، كومة فرو صغيرة ترتجف، تبحث عن دفء في جسد بعضها. الأم ذهبت.
فككت غطاء البنزين. الغطاء يدور تحت أصابعي، المطاط يعطيني قبضة جيدة. السائل بارد رغم رائحته الحادة التي تحرق الأنف. بدأت أسكبه عليهم. ببطء، بثبات. السائل الشفاف ينساب على الفراء الرمادي. على البرتقالي الناعم. على الأبيض المتسخ. يتغلغل بين خصلات الفراء، يبلل الكرتون تحته، يغيره إلى لون أغمق. الفراء يلمع تحت الشمس. القارورة الفارغة على الأرض. تدحرجت قليلًا، نصف دورة. توقفت.
عود الثقاب. علبة صغيرة من الورق المقوى في جيبي. أخرجت واحدًا. الخشب خفيف بين أصابعي، أحس حبيباته الدقيقة. أشعلته. الصوت: حفيف. احتكاك رأس الكبريت بالجانب الخشن. ثم اللهب. أصفر في أطرافه، أزرق في قاعدته الصغيرة. نظرت إلى اللهب الصغير، كان يرتجف بين أصابعي. الريح تمر، تضربه، يكاد ينطفئ. نظرت إلى الصغار. واحد منهم. البرتقالي، الأصغر. نظر إليّ. عيناه الزرقاوان الضبابيتان تلمعان. نظر إليّ مباشرة. لم أعرف إن كان يرى شيئًا حقًا.
رميت العود. قوس صغير من ضوء. سقوط.
لثوانٍ، لم يحدث شيء. العالم صامت. مجرد خيط رفيع من الدخان الأبيض يتصاعد، يتلوى. ثم، اشتعل الفراء. النار ركضت على جلدهم كأنها كائن حي جائع.
لم تكن أصواتهم كالبشر. لم تكن مواءً عاديًا. كانت أعلى، مبحوحة، ممزقة من الداخل. صوت يمزق الهواء، حادًا كالزجاج المتكسر، لا يخدش السكون بل يحطمه تمامًا. تحركت أجسادهم، كومة من الفرو والنار، لا تعرف كيف تفر. أرجل صغيرة تركل الهواء. النار تنتشر، تنتقل من واحد لآخر كلعبة. وقفت. أشاهد. الفراء يتجعد، يذوب، يتحول إلى عُقد سوداء صغيرة. والجلد يظهر من تحته، ورديًا أولًا، لون الحياة. ثم يتحول إلى أسود، لون الموت. تصاعد دخان أسود، أثقل، أعمدة متكاسلة ترتفع نحو السماء. ووصلتني الرائحة. شعر محروق أولًا، حاد، يلسع الأنف من الداخل. ثم شيء آخر... حلو، متخم، لزج في مؤخرة حلقي. رائحة لحم يطبخ، لكن اللحم حي. رائحة لحم لم يمت بعد.
ثم... بدأ ذلك الشعور يدفئني.
حملت حقيبتي. أخذت قارورتي الفارغة. صوت الزجاج يحتك بأصابعي. ومشيت.
في طريقي، مررت بها. كانت ما تزال تأكل. العلبة نصف فارغة الآن، السمك المسموم في بطنها. رأسها لم يرفع. تأكل بنهم، بنفس الجوع الأعمى. الجوع الذي لا يرى شيئًا أمامه.
انحنيت. مددت يدي. داعبت رأسها الصغير بين أذنيها المسطحتين. شعرها ناعم رغم كل شيء. دافئ تحت أصابعي. شعرت بالحياة تنبض تحته.
نظرت إليّ. عيناها. للحظة قصيرة، توقفت عن الأكل. حدقت بي. العيون الغائرة، المرهقة، التي لا تفهم. عيون لا تعرف لماذا أطعمتها.
ابتسمت لها. ابتسامة دافئة. حقيقية. شعرت بطرفي فمي يرتفعان تحت الكمامة.
"بالصحة والعافية." صوتي ناعم، يكاد يكون حنونًا. الكلمات تخرج واضحة.
ثم وقفت. أكملت طريقي. صوت خطواتي على الرصيف، إيقاع منتظم. خلفي، كانت تأكل. صوت لعق العلبة المعدنية. صوت مضغ. لكنها كانت تفعل ذلك بسلام، تحت شمس العصر الذهبية. العلبة بجانبها، والقارورة الفارغة في يدي، والدخان الأسود يتصاعد خلفنا.