كانت لا تزال تأكل عندما غادرت. صوت لعق العلبة يبتعد خلفي مع كل خطوة.

الرصيف يمتد أمامي. إسمنت متشقق. خطواتي منتظمة. حقيبتي على كتفي، ثقيلة بعض الشيء. الهدوء يعود تدريجياً، يحل محل صوت النار والمواء.

حاوية قمامة على الرصيف. معدنية، صدئة عند الحواف. لونها أخضر باهت، تقشّرته الشمس. تخلصت من القارورة الفارغة. أمسكتها من عنقها الزجاجي، تركتها. سقطت في الداخل بصوت مكتوم، ارتطام ناعم بالبلاستيك والقمامة. اختفت بين الأكياس السوداء المتورمة.

نزعت الكمامة. المطاط ينزلق خلف أذني، يحرر الجلد. الهواء على وجهي. بارد، حقيقي. يلمس الخدين والجبهة. نزعت القفازات. الواحد، ثم الآخر. المطاط ينقلب على نفسه. الأصابع تتنفس، حرة. الهواء يدغدغ الجلد بينها.

أكملت السير نحو المنزل. خطواتي هادئة، ثابتة، الإيقاع نفسه. الرصيف ينتهي عند الزاوية، يبدأ من جديد بعد ممر المشاة.

على بعد خطوات من البيت، رأيته. جاري العجوز. ظهره منحنٍ قليلاً، كقوس تعب من الزمن. يسير ببطء أمام منزلنا، عصاه الخشبية تنقر الرصيف. ظله طويل في شمس العصر البرتقالية. رفعت يدي.

"مساء الخير."

ابتسمت. زوايا فمي ترتفع. ابتسم لي. تجاعيد عميقة حول عينيه، أسنانه الصفراء تظهر بين شفتيه. مشى. خطواته تبتعد، نقرة العصا تبتعد معه.

وقفت أمام الباب. الخشب الثقيل، الطلاء الأبيض متقشر عند الإطار. المفتاح بارد بين أصابعي. أدرته في القفل. نقرة مألوفة. فتحت الباب، دخلت، أغلقت الباب خلفي. الصوت: نقرة القفل تعود إلى مكانها. نزعت حذائي. الواحد، أربطة سوداء. ثم الآخر. وضعتهما بجانب الباب، مستقيمين، متوازيين، الكعب مع الكعب.

"لقد عدت."

خطوات. صغيرة، مسرعة. جوارب قطنية على أرضية الخشب، صوت ناعم متعجل.

أختي. وقفت في الممر. عمرها ثلاثة عشر عاماً. شعرها أسود طويل، منسدل على كتفيها كستارة حرير. عيناها قلقتان، الحاجبان مقتربان فوق أنفها الصغير. تشبه أمي أكثر مما تشبهني. وجهها كله سؤال، شفتاها مضمومتان، أصابعها تعبث بحافة قميصها.

"أخي! لماذا تأخرت؟ شعرت بالقلق عليك."

نظرت إليها. التقت عيناي بعينيها. البني القلق يبحث في البني الهادئ. ابتسمت. عضلات وجهي تتحرك بالذاكرة.

"لا تقلقي. كنت أساعد صديقاً لي في أمر ما."

مددت يدي، داعبت شعرها. أسود طويل، ناعم تحت أصابعي، مألوف. رائحة الشامبو، شيء زهري خفيف. يشبه... لا. لا شيء. سحبت يدي، عادت إلى جانبي.

"هل بقية العائلة هنا؟"

"أجل. بأكملهم." صوتها ارتاح قليلاً، الحاجبان عادا إلى مكانهما.

"حسناً. جيد."

تركتها. مشيت في الممر. صوت جواربي على الخشب المصقول. غرفتي، الباب في نهاية الممر. فتحته، دخلت، أغلقت الباب خلفي. صوت الخشب يرتطم بالإطار.

أسندت ظهري إلى الباب. الخشب بارد عبر القميص. لحظة. أتنفس.

الغرفة هادئة، مرتبة. السرير مشدود، الغطاء أزرق بلا تجعيد. الستائر مسدلة نصفها، الضوء البرتقالي يتسلل عبر الشق. جزيئات الغبار تطفو في الشعاع. كل شيء في مكانه. المكتب، الكرسي، الرفوف.

اتجهت إلى المكتب. الكرسي يصدر صوتاً خفيفاً وأنا أسحبه، خشب على خشب. جلست. الدرج، أصابعي على المقبض المعدني البارد. ينزلق بصمت، الخشب على الخشب، ناعم، مدهون.

أخرجته.

الدفتر الأحمر. الغلاف الجلدي متآكل عند الزوايا الأربع. الجلد ناعم من كثرة اللمس. أصابعي تعرف هذه الزوايا، تعرف هذا الجلد. رائحة الورق القديم تملأ أنفي كلما فتحته، رائحة سنوات مخزنة. الأرقام مصفوفة بدقة، صفوف، أعمدة. خط يدي نفسه، لكنه أصغر، أكثر ترتيباً مما أنا عليه الآن. بجانب كل رقم حرف صغير: C... D... H... أتصفح. الصفحات تنقلب تحت إبهامي، صوت الورق يهمس. وصلت إلى آخر رقم. 522. مكتوب بقلم أسود، الحبر جف منذ زمن، الورقة ملساء حوله، لا نتوء.

أمسكت بالقلم. بجانب الدفتر في الدرج. الوزن مألوف في يدي، ثقل معدني صغير. السن على الورق، الورقة تمتص الحبر.

سحبت خطاً واحداً مستقيماً فوق 522.D. الخط أسود، قاطع، نهائي، من حافة إلى حافة.

ثم كتبت تحته، بخط واضح وأنيق، اليد ثابتة لا ترتعش: 528.C.

القلم توقف. رفعته عن الورقة. نظرت إلى الرقم الجديد. 528.C. الحبر لا يزال لامعاً، رطباً، يلمس الضوء البرتقالي القادم من النافذة. يجف ببطء أمام عيني.

أغلقت الدفتر. الغلاف الجلدي يرتطم بالصفحات، صوت خفيف، كأنه يتنهد. أعدته إلى الدرج. الدفتر يستقر في مكانه المظلم. الدرج ينزلق، أغلق.

نهضت. غيرت ملابسي. أزرار القميص تنفتح واحداً تلو الآخر. القميص في سلة الغسيل، السروال في سلة الغسيل، الجوارب آخر شيء. الأرضية باردة تحت قدمي العاريتين. اتجهت إلى الحمام.

المقبض بارد، معدن ثقيل. أدرته. الماء يسيل من الصنبور، الصوت: خرير مستمر. انحنيت. الماء على وجهي، بارد، نظيف. ينساب على جبيني، على خدي، على ذقني. القطرات تتدلى من فكي. أغلقت الحنفية، الصمت يعود فجأة.

رفعت رأسي. في المرآة، وجهي يقطر ماء. القطرات ترسم خطوطاً على الزجاج. عيناي تبحثان عن عيناي. للحظة، حدّقت في الشخص الذي يحدق بي. وجه مألوف، عينان هادئتان، لا شيء خلفهما.

ثم، ابتسمت.

ابتسامة بطيئة ترتسم على الشفتين. حقيقية. رجل يهنئ نفسه. انعكاسي ابتسم لي.

نشّفت وجهي بالمنشفة البيضاء. القماش خشن قليلاً على الجلد، رائحة مسحوق الغسيل. علقتها بجانب الباب. مددت يدي إلى المفتاح، أصابعي تجده في الظلام. أطفأت النور.

العتمة. كاملة، كثيفة.

وقفت. العتمة حولي كماء أسود. الغرفة اختفت، الحمام اختفى، كل شيء أسود. رفعت يدي اليمنى أمام وجهي ببطء. لم أرها. لا أصابع، لا كف، مجرد سواد. لكنني عرفتها. عرفت المسافة بين الإبهام والسبابة. تذكرت كم مرة انغلقت، كم مرة أمسكت، كم مرة ضغطت، كم مرة سحبت، كم مرة أحكمت. أصابع عرفت كيف تنهي حياة، بدقة، بصمت، بلا تردد. العضلات تحفظ كل شيء.

ثم...

شيء غريب.

دفء في قلبي. ليس حرارة، ليس ألماً، ليس لهباً. دفء، ناعم. كما لو أن يداً غير مرئية أمسكت به برفق، ضغطت، ضغطة واحدة خفيفة. للحظة، ثانية واحدة فقط. نبضة. ثم تركته.

تلاشى. تسرب من بين الضلوع.

برد. أشد من قبل. البرد يعود.

بقيت واقفاً، أنظر إلى يدي التي لا أراها. لا شيء. لا ضوء، لا صوت، لا ألم. فقط... دفء زائر، ضيف غريب لم يُدعَ. ثم لا شيء. الفراغ.

سحبت يدي ببطء، عدت إلى الظلام. أعدتها إلى جانبي، الأصابع ترتخي.

أدرت المقبض. نقرة. ضوء الممر الذهبي يتسلل عبر الشق. خرجت. الهواء في الممر أدفأ.

وفي صدري... كان شيء ما... ينتظر. لا يسأل، لا يطلب. فقط... ينتظر.

---

رائحة العشاء من المطبخ.

امتدت في الممر كنهر بطيء. ثقيلة، دافئة. لحم مطبوخ على نار هادئة، بطاطا متبلة، صلصة الصويا المالحة. شيء يذوب في الفرن، جبن ربما، أو زبدة تتدفق على عجين.

دخلت. الرائحة تغمر المكان كله. البخار على النافذة، ضباب خفيف على الزجاج البارد. أمي واقفة، ظهرها لي. تمسح طبقاً أبيض بقطعة قماش، حركة دائرية بطيئة. نظرت إلى كتفها الأيسر، بقعة صغيرة من الدقيق، بيضاء على القماش الداكن. مسحوق ناعم لم تنتبه له. لا بد أنها خبزت هذا الصباح.

"كيف حالك، أمي؟"

التفتت. يدها تمسك غطاء القدر المعدني. ابتسمت لي، ابتسامة دافئة تشق وجهها. التجاعيد حول عينيها تتعمق، أخاديد صغيرة رسمها الزمن. رفعت الغطاء عن القدر، البخار يتصاعد دفعة واحدة، أبيض، كثيف. يملأ وجهها، يخفي ملامحها للحظة، ثم تنكشف مجدداً.

"بخير. كيف كان يومك؟"

"جيد كالعادة."

اقتربت. خطوتان على البلاط. قبلت رأسها، شفتاي على شعرها، على المفرق. رائحة شعرها جميلة كالعادة. شيء كالخزامى المجفف، شيء كالبيت، شيء كالطفولة. ليست كرائحة فراء القطة المحترق، ليست كرائحة البنزين النفاذة، ليست كرائحة الدخان الأسود المتصاعد. هذه الرائحة... لا يمكن استبدالها، لا يمكن محوها.

"بالمناسبة... كيف حال جدتي؟"

"إنها بخير. أفكر في الإجازة أن نذهب ونزورها."

نظرت إلى البخار المتصاعد من القدر. أبيض، يرتفع في عمود متلوي، يصل إلى الشفاط، يختفي. ثم ابتسمت لأمي، زوايا فمي ترتفع.

"فكرة جيدة. لقد اشتقت لها كثيراً."

استدرت، مشيت. خرجت من المطبخ. الرائحة خلفي، الدفء خلفي.

اتجهت نحو غرفة المعيشة. صوت التلفاز أولاً، ضوضاء خافتة. ضوء أزرق يرقص على الجدران، يتغير مع كل مشهد.

أبي جالس في كرسيه، كعادته. الكرسي الكبير، الجلدي الأسود، المتآكل عند المساند. الجلد متشقق كخريطة نهر جاف. أخي الأكبر على الأريكة، جسده غارق في الوسائد، ذراعاه ممدودتان على المسندين. أختي على الأرض أمام التلفاز، ساقاها مطويتان تحتها، ظهرها مستقيم، عيناها على الشاشة.

جلست بينهم. الأريكة تستقبلني، الوسادة تنخفض تحت ثقلي.

"مرحباً، أبي. كيف الحال اليوم؟"

نظر إليّ. أبي، القائد. ابتسم. لكن عيناه بقيتا عليّ. ثانية، ثانية أطول من المعتاد. شيء في نظرته، توقف طفيف قبل أن تتحرك شفتاه.

"في أفضل حال. كيف كان يومك؟"

"جيد."

ثم انحنى قليلاً. جسده كله مال نحوي، الجلد يئن تحت حركته. صوته تغير، أخفض، أبطأ، كأنه يشاركني سراً.

"أسمعت الخبر؟ عن المقبرة؟"

"مقبرة؟"

"مقبرة حيوانات. في المنزل المهجور، على بعد مسافة من هنا." توقف، نظر إلى التلفاز، ثم عاد إليّ. "قالوا إنها مقتولة من قبل شخص مختل. بطرق... مؤلمة. وحشية."

مؤلمة. ربما. تذكرت الصغار، تذكرت الفراء يشتعل، شعلة صغيرة تركض. تذكرت الصوت، المبحوح، الممزق. نعم، ربما هي مؤلمة، هذا صحيح. أما وحشية... فلا. الوحشية عشوائية، الوحشية فوضى، الوحشية غضب أعمى يركل في الظلام. أنا لا أعمل بالعشوائية.

ومع ذلك...

شعرت بشيء وأنا أسمعه يقول "مختل". شيء في صدري، تحت عظمة القص. رفرفة، دفقة صغيرة من الحرارة. شيء أشبه بالإثارة. فراشة تستيقظ.

"يبدو أن هناك مختلاً نفسياً في المنطقة." صوتي خرج. ضحكت.

أبي ضحك معي. صوته الثقيل يملأ الغرفة. أختي اختبأت خلف وسادتها، الوسادة تغطي وجهها بالكامل، يداها الصغيرتان ترتجفان قليلاً، الأصابع تضغط القماش.

المقبرة التي في المنزل المهجور. إذن... وجدوها. أخيراً.

حولت نظري إليها. ريكا. جالسة على الأرض، قدماها مطويتان تحتها، جوارب بيضاء. يداها تضمان الوسادة بقوة. صغيرة، ضئيلة. شعرها الأسود على كتفيها، أطرافه تصل إلى منتصف ظهرها.

"ريكا."

رفعت عينيها إليّ. واسعتان، سوداوان، بريقتان.

"احترسي من أن يختطفك هذا المختل."

ضحكت. ضحكتي خفيفة. هي انتفضت، جسدها كله قفز، كأن تياراً كهربائياً مر فيها.

"توقف! لا تقل أشياء مخيفة كهذه!" صوتها حاد، مرتفع.

احمرّ وجهها. الخدود تشتعل، اللون الوردي يزحف من الرقبة إلى الجبهة. كدت أضحك أكثر. مددت يدي، ربت على رأسها. شعرها ناعم، دافئ، خصلات حرير تنزلق تحت أصابعي.

"لا تقلقي."

نظرت في عينيها. عيناها في عينيّ. التلفاز يومض في الخلفية، أزرق فأحمر فأزرق.

"ما دام أخوك هنا... فلن يلمسك أحد. أبداً."

ابتسمت. كتفيها هبطا، الهواء يخرج من صدرها، الزفير طويل. ارتاحت. رجعت تنظر إلى التلفاز، الضوء الأزرق على وجهها، على خديها المطفأين.

حولت نظري إلى أخي الأكبر. المحارب الذي لم يحارب سوى ظلامه. جالس على الأريكة، ذراعاه ممدودتان على المسندين، يأخذ مساحته. عيناه على الشاشة.

"وأنت، أيها المحارب. كيف كان يومك؟"

رفع كتفيه. حركة واحدة، بطيئة.

"بخير. كالعادة."

كالعادة. كل شيء كالعادة. هذا العالم كله يدور على "كالعادة". الكلمة تتردد، ترتد على الجدران. كالعادة. كالعادة.

أمي دخلت. القدر بين يديها، يداها ملفوفتان بقطعة قماش بيضاء. البخار يتصاعد من الفتحات، الغطاء المعدني يهتز، يرن قليلاً.

"العشاء جاهز!"

جلسنا. حركة جماعية. كراسي تحتك بالأرض، خشب على خشب. أجساد تتحرك، تترتب، كل واحد في مكانه المحدد.

العائلة كاملة حول الطاولة. القائد على رأسها، ظهره مستقيم، كتفاه عريضان. المحارب عن يساره، عضلات ذراعه تشد القماش. أنا في مقعدي، المألوف، المنتصف. ريكا بجانبي، قدماها لا تصلان إلى الأرض، تتأرجحان في الهواء. أمي تقابلني، تبتسم، الملعقة في يدها.

أكلنا. الملاعق ترتفع وتنخفض، الفضة تلمع تحت ضوء الثريا. الشفاه تمضغ، الصلصة على الأطباق، بقع بنية على الخزف الأبيض. تحدثنا، ضحكنا. ضحكات تختلط بالبخار، البخار يتصاعد من الأطباق الساخنة، من الأفواه وهي تتكلم. الضحكات تمتزج برائحة صلصة الصويا واللحم.

نظرت إليهم، واحداً واحداً. القائد، المحارب، ريكا، الأم. الوجوه تتحرك، الأصوات تعلو وتهبط.

انتهى العشاء. الأطباق فارغة، الملاعق ساكنة على الطاولة.

نظرت حول الطاولة. أربعة أشخاص، أربعة أصوات تضحك، أربعة أعناق. الحنجرة تتحرك وهم يضحكون، الجلد يهتز فوق الأحبال الصوتية. الأوردة تحت الجلد، خطوط زرقاء خافتة، الدم يتدفق تحتها، يضخ الحياة. كان المشهد جميلاً. لوحة عائلية دافئة. البخار، الضوء الأصفر، الضحكات المتداخلة. أربعة أعناق.

تذوقت الشاي. الكوب الخزفي دافئ في يدي، الحرارة تتسرب إلى الكف. السائل يميل. طعمه كامل، مر قليلاً. لا يحتاج إلى أي لمسة إضافية، لا سكر، لا حليب. كان كاملاً كما هو.

نهضت من الطاولة. الكرسي يحتك بالأرض، صوت خشبي طويل. مشيت، ظهري للطاولة. خرجت من الغرفة. الضحكات خلفي، الدفء خلفي. صوت التلفاز يعود، يملأ المسافة التي تركتها.

2026/07/26 · 3 مشاهدة · 1803 كلمة
X. X. ARTA
نادي الروايات - 2026