الفصل الثالث عشر : الكابوس
ابتعدت روبي عن حضن كيرا بشكل مفاجأ واستدارت مبتعدة دون أن تنظر إلى كيرا ، سارت نحو شبح الزوجة بخطوات منظمة غريبة ، نادى عليها كيرا "روبي ماذا تنوين فعله عودي إلى هنا " لكنها لم تستجب لنداءاته وأكملت سارت حتى بضع أقدام من الزوجة الشبح ، ثم استدارت ووقفت في مواجهة كيرا و تعبيره الحائرة المستغرب .
قال بصوت متردد
"روبي "
روبي بتعبير جامد "...."
كيرا مرة أخرى "روبي أخبريني بما يحدث "
روبي "...."
قال كيرا في نفسه ' هناك بالتأكيد شيء ما خاطئ يحدث '
نظر كيرا إلى شبح الزوجة المبتسم بشك 'هل هذه فعلتها '
اتسعت ابتسامتها أكثر حتى ظهرت بعض الشقوق الدموية على وجنتيها الشاحبة ، وكأنها تؤكد ما يجول في أفكاره ، لقد استخدمت الشبح قدرتها ، من كان ليتوقع أنها التحكم ، تسيطر على الأشخاص وتخرجهم عن طوعهم لينفذوا ما تريد . هذا ما علمه كيرا لاحقا ، ففي ثواني وبإشارة من يد الشبح الهجينة
بين العظم واللحم الفاسد
تعلم الشبح أنه لن يستطيع أذية روبي لذلك استخدمتها ضده .
كيرا 'هذا لن يفيد لوقت طويل يجب أن أجد طريقة لإيقاظها وإلا ستكون الأمور أسوء '.
في كل مرة يحاول فيها مهاجمة الشبح تضع أمامها روبي كدرع .
ما زالت المعركة مستمرة بين كيرا وروبي ضد شبح الزوجة .
يتصدى كيرا للهجمات و بين الفينة والأخرى ينادي على روبي يحاول إيقاظها بهذه الطريقة .
"روبي .. استيقظي .. قاومي سيطرتها .. بوسعك فعلها "
قال كيرا بتقطع وهو يراوغ سيفها .
فجأة توقفت روبي عن الحركة وكأنها الوقت تصلب ، رمشت لبضع مرات ثم نظرت إلى كيرا وقالت بعد ثوان "كيرا " ، لكن عينيها اغمقت مرة أخرى واستلت سيفها ملوحة مرة أخرى نحوه ، في نفس الوقت سمع كيرا صرخة مزعجة كصوت غراب مخنوق من الجانب الآخر ، تلصص عليه ليرى نامي تصب على الشبح بهجمات متتالية ، و ضع أسئلته جانبا وعاد بكل تركيزه إلى روبي ، على الاقل الآن يعلم طريقة لإعادتها إلى طبيعتها .
تقف روبي في السواد لا يمكنها تميز كف يدها حتى ، لمحت نورا خافتا من بعيد حاولت التحرك نحوه ، اقترب لتجد النور يصدر من مرآة مؤطرة بالذهب بطولها تقريبا ، سبحت يدها نحوها و ما أن استقرت عليها حتى انتشر الضوء حولها و أبعد كل الظلمة إلى الخلف ، يبدو المكان أشبه بصندوق مقفل لا أبواب ولا نوافد ولا أثاث ، فقط طلاء أبيض والمرآة الوحيدة وهي ، أظهرت المرآة بعض الوميض ثم مشهدا ، فتاة صغيرة تجلس على أرجوحة تحت شجرة جنكة ضخمة ، و خلفها رجل يرتدي عباءة بيضاء مطرزة بخيط حرير ذهبي ، شعر وعينان بتدرج أزرق يدفع بالأرجوحة إلى الأمام على أنغام ضحكات الطفلة وزقزقة طيور الصباح و عطر الندى .
تومض المرآة مرتين ويتغير المشهد إلى القبو ثم إلى كيرا ، يتحرك المشهد مع تحركه يطارده و يظهر أحيانا سيف أزرق في الصورة ، إنه لمحة إلى الخاج من نافذة مغلقة ، لم تستطع روبي إمساك أعصابها أثناء المشاهدة أو منع نفسها من الطرق على المرآة تارة و الصرخ على نفسها موبخة إياها بالتوقف ،أو من لعن الشبح الماكرة التي حبستها هنا تارة أخرى ، تدور في دوائرة مفكرة في وسيلة للخروج . جلست أخيرا مقرفصة أمام المرآة تراقب ما يحدث في صمت .
بالعودة لكيرا ،في وضع عالق مع روبي ، نظر باتجاه نامي التي لا تختلف كثيرا عن وضعه ، وفجأة خطرت له فكرة .
"نامي ، لنتبادل"
قال كيرا بصوت عال وتجنب روبي بقفزة و استدار وانطلق نحو الشبح كما فعلت نامي نفس الشيء ، التقيا في منتصف الطريق وهمست نامي "حظا موفقا "
ليجيبها كيرا في نفسه ' لك أيضا '
ويصل إلى الشبح في ثواني ، وقف أمامها ، كانت تنتظره . شعر كيرا دائما أن شخصية الشبح تحوي نوعا من التناقض ،فهي تحتفظ بابتسامة عريضة طوال الوقت وقليلا ما تغضب ، إلا إذا أصيبت إصابة بليغة و بعد فترة تعود للإبتسام مرة أخرى ، هل يا ترى هذا طبع تطبعت به عندما كانت حية واحتفظت به بعد تحولها لشبح أم أن هذا فقط لأنها تشعر بالثقة أنهم لن يستطيعوا هزيمتها .
قاطع كيرا أفكاره وركز كل حواسه على الشبح ، اندفع بلكمة للأمام صدتها الشبح على الفور ثم أضاف لكمة أخرى لتصدتها وتدفعه للخلف ، عاد كيرا بضع خطوات للوراء بعد هذه الدفعة و رجع بلكمات أقوى بالإضافة إلى ركلة خلفية حاسمة دفعت الشبح بعيد في الهواء لكنها توقفت في منتصف الطريق بالتفافة للخلف وثبتت نفسها في الهواء ، سبحت أطراف ثوبها الأرجواني خلفها ، رفعت مخالبها أمامها واندفعت بسرعة نحوه لكن كيرا تجنبها في أخرها و ترك تحركها حفرة عميقة أعادت تشكيل أرضية القبو ، استقامت و حركت يدها تنفث بقايا الأتربة عنها ثم
نظرت لكيرا وقالت ساخرة "متى ستتعلم أن مقاومتك تافهة ، صديقتك في يدي والأخرى مصابة ،أنت تستنزف طاقتك فقط "
أجابها كيرا بسخرية أكبر "لما قد تهتمين بطاقتي ، أنت لست أمي "
تكلمت " لدي الحق في الإطمئنان على طعامي "
كيرا "لم أوافق على هذا الكلام أبدا "
درت شبح الزوجة بلا مبالاة "الأمر ليس في يدك "
"بل هو كذلك " قال كيرا وهو يواصل قتال اللكمات إلى الأمام 'طالما بقي لي نفس واحد ، فهو في يدي '
نامي في معركة أخرى ، تمزج بين التقدم والتراجع و تتصرف بحذر ، تحمي نفسها من الإصابة بهجمات روبي وفي الوقت ذاته تتجنب إيذاءها ، و الحمد لله أن سيطرة الشبح أضعفت قوة روبي قليلا و جعل هجومها معتمدا على الغريزة ، وإلا بقواهما المتقاربة ما كانت لتتحمل مدة القتال الطويلة .
لكن حتى مع كل هذا الحرص ، الجروح لا مفر منها في المعارك ، أصيبت نامي في يدها إصابة طويلة وصلت بين نقطتية عضم الكتف والمرفق ، بالإضافة إلى أشرطة خفيفة علمها السيف على مواضع من جسدها ، بعد كل ما خاضته من معارك حتى الآن أصبحت أشبه بمتشرد بشعرها المنكوش ذاك ،و ثيابها الممزقة يمكن أن تترك أي أم أصيلة تطاردها لترقعها .
يلهث كيرا من التعب ويتصبب العرق من جبينه ، قد يتساءل أحدهم ماذا حدث في بضع أجزاء من الثانية ؟
لكني أقول له « أنت مخطئ » ، إنها ساعة من الوقت بالتقريب ، قاتل فيها كيرا الشبح على أكمل وجه . لكن كلام الشبح أصبح واقعه الآن . استنزفت الساعتان مقدارا كبيرا من طاقته و ابتسامة الشبح الشريرة تشمت ضعفه ، وبآخر ما تبقى من قوته ، رفع يده عاليا نحو السماء وتمتم بغموض "تفعيل الأصل .. مرتبة D.. الكابوس ".
في اللحظة التي أنهى فيها عبارته، بدأ الظلام ينتشر حوله وانزلق ضباب الأسود من بين أصابعه ،كثيف وغامض ، وبدا يتحرك ككائن حي يطغي على كيرا و شبح الزوجة حتى لفهما تماما و اختفيا داخل فقاعة من الظلام.
تتموج الفقاعة و تتنفس بين شهيق و زفير ، تثير الرعب والإعجاب في نفس الحظة ، وتترك المرء مع عواطف متلخبطة ، قوة كيرا رهيبة حقا ، قدرة التحكم في الظلام ، قد يكون اسم مناسب لها لكن لا ، هي أعظم من ذلك بكثير و أعمق .
داخل الفقاعة. يختلف الوضع هنا . العتمة في كل مكان حولك تجعل الرؤية شبه مستحيلة. أعمق مخاوفك تظهر على شكل تخيلات في ذهنك تهزك من الداخل ،تسأل نفسك « ماذا سيحدث لي هنا ؟» ،فتجيبك برحابة صدر «كل ما يمكنك تخيله ». لكن كلامها لا يريحك بل يزيدك رعبا لأنك تعلم أن خيالك الجامح سيكون سبب دمارك .
يقف كيرا في الظلام أمام شبح الزوجة تماما ، يمكنه رؤيتها بوضوح كما يمكنه رؤية الخوف في أعماقها .
حتى شبح سيدة المنزل التي عاشت حياتها الشبحية الطويلة في الظلام تهاب كحلة كيرا ، بتعابير خوف ودهشة و تردد و حذر ، تتفحص الطريق أمامها بأطراف مخالبها وقدميها وتهاجم الفراغ خلفها كل بضع خطوات ، سارت بجانب كيرا تبعدهم بضع سنتمترات عن بعض ، لكنها تجاوزته بأمان .
توهجت عيون بلون أحمر غامق تعكس القوة الهائلة التي يتحكم فيها الآن.
"أنت لا تستطيعين الهروب بعد الآن". قال كيرا بصوت هادئ ولكنه مهيب و الليل المهتاج يتحرك حوله كثعابين تنساب حول فريستها.
هاجمت الشبح بالتجاه الصوت فورا لكن الظلام كان أسرع. في غمضة عين، اندفع الظلام نحوها، التف حولها وحاصرها في المركز ، شعرت بالخطر وأوقفت تحركاتها وتراجعت مخالبها للدفاع .انقض عليها وقيدها بقبضته القوية و تعالت صرخات الشبح لكن الفقاعة خنقت صوتها من الوصول للخارج .
بعد لحظات ، تلاشى الصوت ببطء وتقلصت الفقاعة شيئا فشيئا حتى اختفت ، كشفت عن كيرا يقف بمفرده و لا أثر للشبح .
نظر كيرا حوله متأكدا من أن شبح الزوجه اختفت تماما و شعر بالإرتياح عندما لم يجدها في أي مكان .
في غرفة المرآة ،شعرت روبي بوعيها يتحول إلى ظلام . سمعت نداءات باسمها حولها .
" روبي "
" استيقيضي روبي "
"روبي استفيقي "
فتحت عينيها بعد ذلك في القبو و بجانبها نامي ، نظرت إلى يديها وقدميها ، حركتهما برفق وقامت بشد أصابع يدها في قبضة وإرخائها .
'أخيرا الحرية ، لا تريد تخيل العودة إلى تلك الغرفة مرة أخرى' ،
و لا تريد المرور بنفس التجربة مرة أخرى أو أن تشعر أن جسدها خارج إدارتها ، إنه إحساس سيء جدا .
بعد التأكد من أنها بخير التفتت إلى نامي بندم
"هل أنتي بخير ؟ ، آسفة على ما حدث . "
ردت عليها نامي "لابأس ، الشبح الشرير هو من تسبب بكل هذا و لا ذنب لك في الأمر " ثم أضافت "كيف حالك ؟ هل من إصابات؟ "
قالت روبي مطمئنة إيها "كل شيء بخير ، فقط بعض التنميل "
سألت وهي تفحص محيطها :
"ماذا عن كيرا ؟"
أجابت نامي "يقاتل الشبح ، استخدم قدرته قبل بعض الوقت ."
"اعتقد أنه سينتهي قريبا "
قالت روبي "حسنا ، لنستند قرب الحائط أثناء انتظاره "
ثم اردفت "هل ما زال معك طعام في حقيبتك ؟"
"أجل ،لدي قطع من الموتشي بالأنكو "
"ناوليني بعض منها و زجاجة ماء ، أنا جائعة جدا "
تناولت الحلوى في قضمتين ، وأخذت رشفات من الماء .روبي لا تحب حشوة الفاصوليا الحمراء ، لكنها ليست في موقف يسمح لها بالإحتجاج .
أشاحت الفتات بطرف يدها عن ملابسها ونهضت من مكانها ، في نفس الوقت ظهر كيرا في القبو أمامهما بأقدام (جمع قدم) .
تلفت حوله ونظرا أخيرا إليهما بارتياح ، اقترب من نامي وروبي وسأل عن حالهما ، أخبراه أنهما بخير وأشارت له نامي إلى الأرض ليجلس ويستريح ، لكن كيرا رفض عرضها .
اقترح كيرا "دعونا نتفقد باب القبو ، ربما تم إزالة القيود عليه الآن "
لمت نامي قناني المياه ، علبة المناديل المبللة ومشط الشعر سهل الحمل ، وباقي أغراضها المتناثرة ثم أعادتها إلى حقبتها و ارتدتها على كتفيها قبل أن تقول
" حسنا لنذهب "
تقدمتهما و تابعا خلف خطواتها في صمت مستمعين لحديثها عن خططها التي ستقوم بتنفيذها بعد الخروج من هذا المنزل ، ستذهب لصالون شعر لعلاج التقصف الذي عانا منه شعرها بسبب شبح الزوجة ، ثم بعد ذلك للعناية ببشرتها وأظافرها ، ثم أكملت ثرثرتها التي تمنى كيرا لو أنه أحضر سدادة أذن حتى لا يسمعها . وفي لحظة ما شعر كيرا بغرابة خلفه والتفت لتفقد روبي ، لكن ما إن استدار أحس بشيء يخترق أحشاءه ، و بتدفق الدم من الجرح و اجتاحه ألم قوي .
رفع نظره عن الجرح إلى روبي أمامه ، يتلوى وجهها من ألم الصراع و تتدفق الدموع في خيط نقي من زوايا عينيها ، تشد بقوة على السيف بيديها الإثنتين مقاومة هروبه نحو الأمام ، ابيضت
أصابعها من قوة الضغط وتعلمت أظافرها متوسطة الطول على جلدها الرقيق تاركا خلفه أقواسا حمراء صغيرة .
تلاشى سيفها إلى قطرات ماء وتراجعت إلى الخلف بخطوات متعثرة قوية .
سقط كيرا على الأرض بركبتيه و جاهد ليسوي جثمانه على الأرض . سمعت نامي صوته المكتوم من الخلف واستدارت لتصعق من المشهد ، كيرا ممدد على الأرض الدامية و روبي بعيدا عنه أصابها الصدء . هرولت إلى كيرا تتفحص جرحه و تناديه حتى تتأكد من بقائه مستيقظا ، أخرجت من حقيبتها قميها الأبيض و لفة شاش تضمد بهما الجرح مع زجاجة مطهر تضمد بهما التمزق بارتجاف ، قسمت انتباهها بين كيرا وروبي حذرة من أي هجوم غادر ، لكن روبي طوال عملها على كيرا ظلت ساكنة مكانها ، وضعها أشبه بالشلل لا تستجيب لما حولها ، قد يكون ما مرت به أكبر من أن تتحمله مما سبب انهيارها أو أن هذا جزء من تأثير التحكم في العقل .
بعد ما يشبه الأبد، شعر كيرا بقوة غريبة تنبعث من داخله. اتقدت من قلبه و شقت طريقها إلى باقي أطرافه ، أحس بالألمه يخف وبالقيود التي تغيب وعيه تزول واحده تلو الاخرى ، استعاد بعضا من قوته ثم اعتمد كفه يسند به جسده ليعتدل في جلسته لفترة قبل أن يكمل ليقف على قدميه و دبابيس الألم لم تفارق لحمه للحظة .
اقترب ببطء من روبي و قدمت نامي لدعمه في منتصف الطريق .
"ما بها " قال كيرا مشيرا إلى روبي
أجابته نامي بهم " لا أدري ، لم تتزحزح من مكانها منذ وجدتك متوسد الأرض " .ثم أردفت بحيرة "كيف وصلت بكما الحال إلى هكذا وضع ؟و لماذا طعنتك ؟!".
تحدث كيرا بخفوت " ليس لي علم بما يحدث أيضا " صمت قليلا ثم أكمل " كل ما يمكنني تذكره أني لم أسمع صوتها لفترة ،التفت لتفقدها لتفجئني بسيفها ، ملامحها تظهر انها مجبرة ، شعرت بمقاومتها ، ربما هذا أثر جانبي بقي بعد سيطرة الشبح عليها ".
فتح فاهه ليضيف " ..." لكنه تراجع عما يريد قوله وفكر في أمر ما و اكتفى بالصمت .
لا حظت نامي فعله و سألت "ما الامر ؟ ماذا كنت تنوي قوله ؟"
أجابها بهدوء "لا شيء "
أرادت أن تلح عليه الإجابة لكنهما وصلى إلى روبي بالفعل اقترب منها كيرا ،
وبعد محاولات إيقاظها الفاشلة.
التفت لنامي وقال "أعتقد انها فاقدة الوعي "
تكلمت نامي مستغربة "نائمة ؟ في وضعية الجلوس و بعيناها المفتوحتين ؟! أأنت متأكد ؟"
"ألم تسمعي من قبل بالسير أثناء النوم ؟"
"بلى ، لكن هذا غير معقول كما أنها لم تعاني منه قبلا "
"هذا تشبيه فقط ، قد لا تكون نفس الحالة أو ربما يكون وعيها محبوسا في مكان ما "
أجابها كيرا قبل أن يرفع يده أمامها مشيرا إليها بالصمت بعد أن لمح بطرف عينه خيط ظل خفيف يسبح من زاوية من زوايا القبو يختفي تارة ويظهر لثوان قبل أن يختفي تماما .
غرفة بيضاء و مرآة و جو الوحدة المألوف . فتاة ساحرة تقرفص امام انعكاسها و تسند رأسها بيديها على ركبتيها ، نور المرآة يضيء قطر دائرة حولها ، رفعت رأسها لينعكس في المرآة بريق قزحيتيها الزرقاوتان ، نظرت إليهما لبرهة قبل أن تقول ساخرة من حالها
"عدت لهذا المكان ، أكثر مكان لا أطيقه ،واكثره وحدة و جفاء .
دقائق من الصمت مرة على كيرا ونامي يراقبان فيها بحذر البيئة حولهما و يتصيدان أجزاء الظلال التي تظهر بندرة . لاحظ كيرا أن أجزاء تزداد سماكة في كل مرة عن سابقتها و أحس بالخطر فقد استنتج أن عدوته لم تبد تماما .
بعد فترة غير قصيرة ، ظهرت أمامهم على خمسة أمتار بشكل ناقص و مختلف ، جزء من عنقها و خصرها مفقود و كأنه قضم ، كما اختفت نظرة المرح من على وجهها و استبدلت بالغضب اليائس و لفتها هالة من الضعف ، نظرتها الحادة تريد احراق كيرا و نثر رماده في الجحيم حتى لا يذوق السلام .
تكلمت الشبح بصوت مزعج باح يشبه صوت مذياع خرب " لماذا أنتم مصرون على إزعاجي ، كل ما أريده هو وجبة هل هذا كثير "
أجابها كيرا على الفور "لن نسبب مشاكل إذا لم نكن نحن تلك الوجبة "
قالت بصرامة "أنتم من قدم إلى منزلي ، كل من يتجاوز بابه إلى الداخل وجبة "
رد عليها بضحكة خافتة
"أولست أنت من تستدرجينهم إليه ثم تطلقين عليهم دخلاء "
"لا يمكنك إلقاء اللوم علي ، فضولهم هو من قادهم إلى حذفهم ، هو من قتل القطة أيضا هذه حقيقة "
كيرا "لكن لا يمكنك تجنب مسؤولية أفعالك "
"أنت لا تروق لي ، من نفس نوعيته من الأشخاص المنافقين "
" من تقصدين بكلامك ؟!"
"نيراغا ، كراهيتي له تجاوزت الحدود "
"من هو نيراغا "
"وحش و خائن هو من أوصلني إلى هته الحال ، لست بحية ولا ميتة ،أسكن جحر الفأر هذا بعد أن كنت سيدة نبيلة كل أوامرها مجابة و كل ما تشتهيه يحضر أمامها ، خطئي الأعظم الذي أودى بي إلى تعطش طاقات أمثالكم "
1921 م
توقفت سيارة سوداء قديمة الطراز ، لكن حديثة في هذا الزمن ، ونزلت منها فتاة جميلة بعيون بنية و شعر كحلي طويل ملموم إلى كعكة جانبية منظمة و مزين بأكسيسوارات من الحبال المعقودة اليابانية ، ترتدي كيمونو أزرق مزهر بالأبيض ، مناسب لهذا اليوم الحار فتحت مظلتها الشمسية و رفعتها للأعلى و تمشت بخطى قصيرة أنيقة و نبيلة حتى اختفت داخل أحد محلات الأثواب الراقية .
رأتها اثنان من النسوة و تهمستا بينهما
"أليست تلك تشيتي سوراياما "
"بلى هي ، لم أرها منذ أن تزوجت بنيغارا هاريماغا قبل سنتين "
"أنا أيضا لم أرها منذ وقت طويل فقد توقفت عن حضور حفلات الشاي و التجمعات بعد ذلك بوقت قصير "
انضمت إليهن ثلاثة سمعت حوارهما وقالت "أسمعتن الشائعات حولها "
أجابتها إحداهما بفضول "عن أي منها تتحدثين "
تكلمت الثالثة بسخرية " زوجها يخونها و قد أحضر عشيقته إلى المنزل مع بطن كبير "
شهقت الإثنتان من هذه الأخبار "مستحيل ، كيف هذا ؟! ألم تكن قصة حبهما أسطورة بين طبقات المجتمع "
سخرت الأخرى من كلامهما وقالت بعد ضحكة غير مبالية
"و هل من ثقة في الرجال ، تزوجها من أجل الفوائد التي سيحصل عليها من اندماج العائلتين و ما إن اكتشف عقمها بعد سنة وبضع أشهر حتى بدأ بتغيير عشيقاته كل شهرين " .
سألت الاولى " و ماذا كان رد عائلتها "
" ماذا يمكنهم فعله نيغارا داهية لم يزل قناعه حتى تأكد من استنزاف مواردهم تماما ، كما أن أي تحرك منهم سيدمر سمعتها تماما "
نادا شخص على الثانية أن وقت الذهاب قد حان ، ودعتهما وتفرق جمع النميمة . بينما خرجت تشيتي من المتجر و تمشت إلى أن وصلت السيارة فتح لها السائق الباب لتجلس بالداخل ، وقاد على الطريق حتى ظهرت أسوار منزل مألوف لكن غريب في نفس الوقت ، صمم مع لمسة غربية ليدخل أكبر قدر من ضوء الشمس و التفاؤل إلى حياة من يعيشون في الداخل ،لكن عكسه روابط من يسكنونه باردة برودة الجثة و جافة جفاف أرض مقفرة انقطع عنها الماء عقودا .
استقبلها مدبر المنزل و حملت عنها خادمتها المظلة ، بينما تقدمت هي عبر الحديقة إلى غرفتها عندما استوقفتها ضحكات قادمة من الجانب ، رأت زوجها وعشيقته يتحدثان كلاما لم تستطع سماعه نظرا إلى بعد المسافة بينهما ، ويتلمس بطنها المنتفخة بحنان ،شعرت بالقهر و الغضب ، لكن ماذا يمكن أن تفعل ومن يمكن أن تلوم غير نفسها ، كانت مدللة والدها حتى جاء ذاك اليوم المشؤوم الذي أحبته فيه ،الإبن الغير الشرعي المهجور لعائلة هاريماغا ، كالممسوسة استخدمت كل وسيلة متاحة وغير متاحة لتصير زوجته ، والدها الصارم لم يقبل أبدا بهذا الزواج لكنه رغم ذلك لم يقصر و جهز لها حفل زفاف انتقلت بعده إلى هذا المنزل الذي ورثته من جدتها أوروبية الأصل ، أقرب الناس إليها بعد وفات أمها ، عاشت فيه معه وانقطعت علاقتها تماما مع عائلتها .
و على عكس الشائعات المتداولة عنها تدهور عائلتها لا علاقة له بزوجها ، فأقصى ما يمكنه استفادته منهم استخدام اسمهم للحصول على بعض الصفقات التجارية الصغيرة . اختفى الحب بينهما بعد أول سنة بعد الزواج ، بعد أن اكتشف عقمه أصبح مدمنا لا يفارق مكان بائعات الهوى ، ثم أتى إليها مساء أحد الأيام برفقتها و بطنها ذات الشهرين ،هي لا تعلم كيف أقنعته بهرائها الواضح أم أنه قرر تقبلها حتى لا تتأذى رجولته أمام رفاقه ، فقد صار بعدها يشير إليها بين حلقة رفاقه في الإدمان بالعقم حتى انتشرت كلماته وتناقلتها الألسنة . اكتشفت مؤخرا أنه أمر أحد الخدم بدس السم لها في الشاي ، و لولا خادمتها المخلصة ما كانت لتعلم كيف ماتت ، هي متأكدة أن هذا تحريضها فهي لن تفوت أي فرصة لتصير سيدة هذا المنزل .
9 أبريل 1922
يوم ممطر عنيف ، يمكن سماع زمجرة الرعد بوضوح من أي غرفة في المنزل الشبه مهجور ، فقد أرسل نيراغا الخدم في إجازة بشكل مفاجئ قبل يومين و لم تبقى إلى خادمتها لتجهيز الوجبات ، لا تعلم ما يخطط له فتصرفاته أكثر إثارة لريبة هذه الأسابيع ، في البداية ظنت أن هذا بسبب اقتراب موعد ولادة الطفل ، لكن هناك إحساس يراودها أن الأمر أكبر من هذا بكثير و أن عاصفة مشؤومة قادمة في الطريق .
ذهبت خادمتها إلى السوق لإحضار بعض المكونات ، وجلست هي في غرفتها تحضر الشاي الياباني التقليدي متبعة طقوسا تدربت عليها منذ عمر صغير . أخذت رشفة من الشاي الساخن و تنهدت بارتياح من هذا الهدوء المسالم .لكن هذا السلام لم يدم طويلا فقد سمعت صوتا غاضب قادما من الأسفل ، ثم يقترب شيئا فشيئا . عم صمت قصير وتحول الصوت البشري إلى صوت خطوات حادة وكأنها تخترق أرضية الممر الخشبية ، فتح الباب بقوة ووقف أمامها نيغاري و عيناه الغاضبتان مسلطتان عليها . لم تتحرك من مكانها ، نظرت إليه بهدوء وسألت "ماذا هناك " .
عودة إلى الحاضر
يقف كورو أمام باب القبو، وهو يفكر في كل ما حدث. كان يعلم الآن لماذا تمكنت الشبح من الارتقاء إلى المرتبة C. هي لم تلتهم ثلاثة أشباح من المرتبة D ، لكنها افترست العديد من الأشباح الأدنى مستوى و كان لديها الصبر للإنتظار لعقود وجمع الطاقة ببطء لتخترق إلى المستوى التالي . كل ما هي بحاجة إليه الآن طاقة سامارا وكيرا لتقدم إلى المرتبة C.بعد جمع كل هاته الخيوط ، توصل أخيرا إلى تفسير لما كان يحيره منذ فترة طويلة لكنه فضل تركه جانبا كل هذه المدة ، ألا وهو كيف تستدرج طرائدها ، فبالتأكيد الفضول ليس هو السبب الوحيد لقدومهم إلى هنا والدعوة وحدها لن يكون لها التأثير الكافي لإجبارهم على القدوم إلا إذا ..
تذكر الآن تلك الغرابة التي استشعرها من الدعوة ، هي فعلا ليست بقطعة ورق عادية .
تلك الحروف نقشت بالطاقة ، طاقة الشبح ، والتي قامت بهذه المهمة هي الزوجة بكل بساطة ، فلا أحد آخر لديه قدرة لها نفس التأثير القوي على العقل في هذا المنزل عداها ،ما إن تلمس اليد ورق الدعوة المقوى حتى يتفعل تأثيرها ،الأشخاص ضعيفي الإرادة سيختلقون كل الأعذار الممكنة للقدوم ،بينما المميزون ككورو و كيرا
تثير فضولهم و تزرع فيهم أفكار الإستكشاف أو التحدي و تتعامل معهم بحذر حتى لا يهربوا من المصيدة .
سألت سامارا معيدة ساحبة إياه من دوامة أفكاره وهي تنظر إليه بتعجب ثم بحيرة "كورو، لماذا لم تمت شبح الزوجة بعد كل تلك الهزائم التي تعرضت لها؟". كانت قد شاهدت كيف هزم كيرا ونامي وروبي الشبح مرارا وتكرارا، ولكنها لا تزال تظهر مرة ثم الأخرى مهما بلغت خطورة إصاباتها .
أشاح كورو عينيه عن الباب و أدار رأسه نحوها وقال بجدية: "سامارا، الأمر ليس بهذه البساطة. الزوجة لم تمت لأنها لا تزال في المنزل. بين جدران المنزل ، هي خالدة."
سامارا كانت مذهولة. "لكن كيف يمكن ذلك؟ لقد رأيتها تتعرض لإصابات خطيرة!"
كورو أومأ متفقا مع كلامها لكنه عارضه في نفس الوقت "نعم، لقد تعرضت لإصابات، ولكنها لم تمت. هي تستمد قوتها من المنزل، طالما بقي قائما ، فإنها ستستمر في العودة و كأنها نيرفانا تستيقظ من رمادها. أعتقد أن الطريقة الوحيدة للقضاء عليها هي إذا التهمها شبح آخر."
سامارا بدت متأملة. "إذاً كيرا لم يكن يقاتلها بالطريقة الصحيحة."
كورو أومأ مرة أخرى. "بالضبط، كيرا يقاتلها شجاعة و لا يمكن إنكار قوته ، لكنه لم يسر على الطريق الصحيح للقضاء عليها. هذا ليس خطأه، فقد غابت عنه حقيقتها ."
سامارا غرقت في أفكارها، تحاول فهم الوضع. "إذاً ماذا يمكننا أن نفعل؟ إذا كانت الزوجة خالدة في المنزل، فكيف يمكننا القضاء عليها؟"
كورو أغلق عينيه للحظة، ثم أجاب بصوت ثابت: "كما قلت سابقا الطريقة الوحيدة للقضاء عليها هي إذا التهمها شبح آخر. هذا ما استنتجته من المعركة بينها وبين كيرا. الإصابات التي تلحق بها تبقى معها إذا لم تمت."
سامارا بدت متأملة. "إذاً مقصدك أنه يتوجب علي التهامها ، أليس كذلك؟"
كورو نظر إلى سامارا ، "هذا هو الحال ، لكنها لن تكون مهمة سهلة ."
سامارا أومأت " لكنها ليست مستحيلة ، أريد أن أتقدم لتنفيذها ، أن نترك لشبح الزوجة فرصة التطور هذا ليس في مصلحتنا بأي حال من الأحوال ، و كلما تم ذلك بسرعة كان أفضل
كورو نظر إليها للحظة، ثم أومأ برأسه. "لن أعترض إذا كنت مصرة ، لكن الحذر ضروري لا تتصرفي بتهور ."
بانتهاء الحديث بين كورو وسامارا ، اختفى خيط الظل المألوف في مسافة منهم دون أن يترك أثرا .