الفصل الرابع عشر : الظل الراقص
فتح كورو باب القبو ، صريره يخترق صمت المكان ، اندفع ظل منه نحو الخارج وواجه كورو ، تكثف و تضاعف حجمه بينما تتموج أطرافه كاللهب المستعر ، لا يمكن تمييز شكله أو هويته . لم يحمل أي عداء أو نية قتل . بقي لفترة قصيرة جدا ، لبرهة قبل أن يتقلص إلى كرة ضبابية سوداء طارت في الهواء بسرعة واختفت في ظل كورو .
كانت سامارا تتابع الظل حتى تلاشى. كأنه لم يكن هناك من الأساس.
بعد أن عاد الظل إلى كورو، بدأ الأخير ينزل السلالم المؤدية إلى القبو. الهواء يصبح أكثر برودة و كآبة مع كل خطوة . يتراكم الظلام حوله، مما يجعل رؤية ما يقبع في الأعماق أكثر صعوبة.
صوت خطوات كورو على السلالم الحجرية هو كل ما يسمع في الأرجاء ، يرتد في الفراغ المظلم. كل صدى يزيد من الشعور بالعزلة والخوف .ووصله أخيراً إلى قاع القبو، لم يضف أي دفء للمكان.
تقدم كورو في الظلام، يعتمد على حواسه الأخرى للتوجيه أقدامه . كل خطوة كانت مثقلة حذرة و مرَكِّزة . بعد ما يشبه الأبد، رأى شيئًا في الظلام. كانت هناك أشكال متحركة خفيفة، تتلاشى وتظهر مرة أخرى. كانت هذه الأشكال تبدو غريبة وغامضة، ولكن كورو عرف ماهيتها على الفور .
كانت لدى كورو رؤية بانورامية لما يحدث في القبو ، نامي وروبي فاقدتا الوعي الأرض فاقدتي الوعي. بجانباهما على مسافة كيرا وشبح الزوجة يواجهان بعضهما البعض . أزعجهما قدومه فنظرا إليه بتعبير بارد ولا مبالي. قبِل كورو نظراتهما المتفحصة دون انزعاج ، ثم أعاد نظره إلى نامي وروبي. يرقدان على الأرض في سلام ، لكن الأمور ليست سطحية كما تبدو.
قطع كيرا الصمت و سأل بحيرة :
"كورو؟ ماذا تفعل هنا؟ وكيف فتحت باب القبو ؟"
كورو "بحثت عنكم يا رفاق كثيرا و لم أجدكم لذا قررت تفحص القبو "
صمت قليلا ثم أضاف " ماذا تعني بكيف فتحت باب القبو ؟"
" لم يكن مقفلا في الأصل " .
تفاجأ كيرا بكلامه ، كيف يكون الأمر كما يقول ، ماذا عن كل الوقت الذي قضوه محبوسين هنا ، ماذا عن محاولات روبي ونامي الفاشلة إيجاد مخرج من خلاله ، لم يرغب كيرا في تصديق كلام كورو خصوصا بعد كل ما واجهوه ، لكن لا يبدو أن كورو يكذب أيضا ولم يظهر أي تعابير مثيرة للريبة ، هذا لم يترك له خيرا سوى إبقاء فمه مغلقا لثواني قبل أن يسأل كورو باستفهام عن الفتاتان .
"ما بهما ؟"
أجابه كيرا بإيجاز
"فقدتا الوعي أثناء القتال مع الشبح "
قال كورو باستنكار
"أتمازحني ، عن أي شبح تتحدث ؟ "
أشار كيرا إلى شبح الزوجة بلا مبالاة
تابع كورو اتجاه يده وركز نظره لفترة قبل أن يقفز من مكانه ويتعثر بقدمه ويسقط بصرخة متألمة . رفع رأسه إلى كيرا وارتجف صوته بينما يقول
"قل
.. قل لي أني أهلوس ، أرجوك "
رد عليه كيرا متفهما حالته
"للأسف ، ما تراه حقيقي "
قبل أن يتمكن كورو من إضافة المزيد لمحادثتهما ، تغير الجو من حولهم و بدأ صوت همسات يتردد صداها عبر القبو ، تشوه الفضاء و أمسك كورو رأسه بألم حاد و أغمض عينه وتلوى وجهه مما يحس به ، ظهرت لقطات غامضة في ذهنه من المجهول لرجل وجهه يحيطه ضباب أبيض يمنعه من التعرف على ملامحه لكنه مألوف بغرابة ، شعر هذا الرجل طويل يستقر على الكتف بلون أسود كالغراب ، كانت هناك لمحة خفيفة من اللون الذهبي الخالص عند جدور شعره يعطيه مزيج اللونين هالة فنية وكأنه خرج من لوحة مؤطرة بالزخرف معلقة في متحف تصور آلهة اليونان أو ما يشبه هذا ، يرتدي رداء أبيض حريري برقبة مطرزة بالذهب وقميص داخلي أسود يظهر في الذراع،بينما الرداء أبيض في كامل جسمه إلا الذراع، إضافة إلى نعل مسطح مع أربطة تلتف حول ساقه بلون أسود مصنوعة من الجلد، مع حبل أسود سميك حول خصره.
انتشرت الهمسات والهمهمات القادمة من جدران القبو وارتفع صداها ،
ارتفع الظل الفحمي من ظل كورو و بدأ يهتز بشكل مرعب و عين حمراء تشع نيران دامية في وسط وجه الظل ، انقض الظل فجأة والتهم كل شخص موجود في القبو . اسودت رؤية الحاضرين وحل الصمت الطويل .
ظهر الجميع في فضاء آخر معتم .
نظر الجميع إلى بعضهم البعض بنظرات متسائلة
أين هذا المكان ؟ كيف وصلنا إلا هنا ؟
كل ما يتذكرونه ذالك الضباب الذي غشي أعينهم . نظر كيرا إلى كورو باستفسار لكن كورو لم ينتبه إليه كان ينظر في اتجاه آخر و كأن عينيه تخترقان الضباب حولهما ، لكن تفكيره لم يكن مخطئا ، كانت نظرة كورو تسقط على تلك الروبي خارج الضباب ، المقرفصة في الظلام أمام المرآة المعتمة ،ثم و كأنها شعرت بمراقبته رفعت رأسها عن ركبتيها و الفتت للوراء ، اتصلت نظراتهما لبرهة قبل أن ينجذب كورو إلى ما بدا أنه ثقب يظهر في الفضاء الشاسع وراء المرآة ، يتوسع ويتوسع وكأنه باب ينفته ، ظهر داخله عالم أو مشهد لا أعرف أي الوصفين أقرب لما رآه كورو و روبي في هذه اللحظة ، أرض رملية سوداء تتمايل الظلال فوقها ، لوح معدني عملاق يخترق السماء الحمراء و غيومها الراعدة والبارقة ، عملاق مثبت على اللوح رأسا على عقب ويتدلى شعره الأسود الطويل للأسفل ، تشكل مجموعة الظلال المتجمعة جسده ليبدو كالبشر مع عين واحدة تلتهب بلون أحمر دامي كالياقوت ينبعث منها الجنون ووجه مشوه لا يمكن وصفه، اللوح الفضي البرونزي محفور بدقة ليناسب جسمه بشكل غير طبيعي، تلتف حوله سلاسل سوداء منقوشة بطلاسم ورموز بلغة القدماء غير معروفة بلون أحمر كالدم، مع مسامير حديدية مطعونة في جسمه الضخم تثبته بلا رحمة على العمود، فجأة فتح عينه لينظر إليهم بعد أن أحس مراقبتهم ، تبعيات هذه اللمحة اللامبالية التي استمرت جزءا من الثانية شوهت روبي و أعادت كورو بضع خطوات للورء وسقط إثرها على الأرض بوهن يمسك رأسه منهارا . شظايا صور تظهر في ذاكرته أكثر وضوحا.
كتلة عملاقة حمراء ارجوانية داكنة مغطاة ببقع بيضاء صغيرة ، تتناثر كأنها تمثل الوجود نفسه ،تغطي كل شيء ، وسط هذه الكتلة العملاقة ، رجل بشعر إلى الكتف بلون أسود كالغراب . كانت هناك لمحة خفيفة من اللون الذهبي الخالص عند جدور شعره يعطيه مزيج اللونين هالة فنية وكأنه خرج من لوحة مؤطرة بالزخرف معلقة في متحف تصور آلهة يونانيين أو مايشبه هذا، عيونه ذهبية تمتلك نظرة دافئة تشبه نظرة الأب لأبنائه، مع ابتسامة خفيفة و دافئة، وبشرة بيضاء شاحبة ،ويرتدي رداء أبيض حريري برقبة مطرزة بالذهب وقميص داخلي أسود يظهر في الذراع،بينما الرداء أبيض في كامل جسمه إلا الذراع، إضافة إلى نعل مسطح مع أربطة تلتف حول ساقه كحلية مصنوعة من الجلد، مع حبل أسود سميك حول خصره .أنسب وصف لهذا الرجل تجسيده لمفهوم الجمال الذي لطالما تم الإيمان به عبر العصور و الأزمان . يحمل عصى خشبية بلون برونزي في يده اليمنى مع كتاب ذو غلاف جلدي أسود منقوش و في وسطه رمز غامضة و أوراق شاحبة وشمت عليها حروف النص بالنار يبدو أن الطبقة السطحية الخفيفة للصفحات أحرقت لتشكل الكلمات ثم تم إضافة الحبر الأسود ثم القرمزي فوقها للوضوح . عكس باقي الكتب ذات الأصل غير المعروف ، دُون ما فيه بلغة رونية يمكن لأي متعلم لها فهم معنى الرموز الواردة في الكتاب لكن عند جمع تلك الكلمات معا كنص يفقد المرء قدرة الفهم هذه و مهما بلغت فصاحته فيها لن يتمكن من استيعاب مافي الكتاب من أسرار .
فجأة يرفع يده اليمنى وينطق بصوت دافئ
"نور"
وفي لحظة خرج من إصبعه السبابة نقاط ضوء كنجوم مضيئة توسعت ميل بعد ميل حتى غطت كل شيء حتى كورو الذي كان يطفوا كالشبح وشملت وعيه أيضا شعر برغبة لا تقاوم في أخذ غفوة ومهما حاول فتح عيناه شعر بتثاقل جفونه حتى غطى الظلام مجال رؤيته تماما .
روبي من جهة أخرى شد جسدها وتشنج و شعرت بالإنهيار ، في هذه اللحظة الحرجة تطفل ذلك الوجه المتوهج على فكرها مع إبتسامة خفيفة و شعره الأزرق الطويل ، العينان اللتان تتأملانها بحنان و اللمسة الدافئة التي تمسح على شعرها مرة ومرتان قبل أن يتكلم
" يوجد في عالمنا كائنات متطرفة تفوق كل الوجود و الفهم ، سميت بالمحرمات كتذكير وتحذير لنا بحرمة التطفل عليها ، فهي لاتتأثر بقوانين الزمان والمكان ولا بالحياة و الموت ، بينما إدراكها يفوق قدرة البشر المحدودة على الإدراك "
رفعت روبي رأسها من على منكبيه و سألته بفضول
"ماذا يعني أنها تفوق قدرة البشر على الإدراك ؟"
أجاها بصبر "يعني أن مجرد النظر إليهم أو ذكر أسمائهم يمكن أن يكون قاتلا لنا أو يحولنا إلا مشوهين "
سألت مرة أخرى بفضول أكبر "و ما قصة المشوهون "
"كائنات نظرت إلى المحرمان ففقدوا عقولهم وأصيبوا بالجنون و تغيرت ملامحهم و أجسادهم و أصبحوا قبيحين غير بشريين تشمئز العين من رؤيتهم ، تظهر نسخ عدة من أحد أعضائهم على باقي أجسادهم أو تنشأ تنشأ الديدان الطفيلية على أجسادهم أو ينقسمون لتظهر أحشاءهم للخارج ، يسيرون كالموتى الأحياء على الأرض يطيعون أوامر الكيانات العليا فقط وليس لديهم أفكارهم الخاصة "
"إيووو .. هذا مقرف "
تكمش و وجهها باشمئزاز وكانت على وشك التقيء من تخيل المنظر ، مخلوق بعدة عيون على وجهه و مجسات مكان يديه وأحشاؤه الملتوية تخرج من بطنه وتتلوى الديدان منها نحو الخارج قالت وهي تقشعر وتلمس وجهها الصغير للتحقق من أنه بخير و تمسكت قبضة يدها بثوبه بإحكام و ملامح رافضة
"لا أريد مقابلتهم في حياتي أو معرفة أسمائهم ، لم أعد أريد الإستماع بعد الأن "
نهضت بسرعة و هربت بقدميها القصيرتين نحو المبنى العاجي القريب البعيد و خلفها ضحكة الرجل الرزينة ، نهض وربث أثر التربة عن ثوبه وسار ببطء في نفس إتجاه مغادرتها.
أعادتنا صرخة روبي المخنوقة من ذاكرة الماضي ، قبل أن ينغلق فمها بقوة و يسمع صوت "سكراش .. كراك " قادم من الفك انطوى نحو و جهها حتى اتصل ذقنها بفمها ، تحرك الجلد بين الأنف و الشفاه العلوية و كأنه يغلي و زحف على شفاهها و ذقنها ثم التصق برقبتها بعد حجبهما، خرجت مقلة عينها من من جمجماتها ببطء نحو الأمام طفت في الهواء مسافة انشين و تحركت العروق الحمراء حول المقلة ، سبحت على السطح اللبني و اخترقته مرارا و تكرارا للداخل ثم للخارج ، للداخل ثم للخارج ثم للداخل كإبرة خياطة ، انشطر قفصها الصدري و تحركت الرئة والقلب نحو الخارج و عقدت الأمعاء عقدا حول الكبد و الطحال وانفجرت الزائدة الدودية و أطلقت رائحة لا تطاق و سبح منها سائل أخضر لزج و أخذ مساره يزحف على الأعضاء بمهل نحو الأعلى حتى وصل إلى الرأس و غلف بصيلات الشعر و أكمل طريقة إلى الأطراف قبل أن يستقر ، فقدت عظام القدمين صلابتها وارتخت و تركت جلدا مترهلا يحتك بأرضية الجرف مصدرا صوتا غريبا حتى وصلت إلى الحافة سبحت في الفراغ المظلم حتى وصلت الرمال السوداء وانضمت إلى الملايين من المشوهين مثلها ترتدي هذه الكائنات ملابس دينية وفي عيونهم تتجلى نظرات الجنون،الخوف،التعصب . منها الشبيه بالعناكب و أجسادها قريبة للبشر ،رأس إنسي ضخم طويل أصلع تتدلى منه بضع شعيرات يمكن عدها بالأصابع ، كيس سم بجلد أملس شاحب تشكلت عليه بقع وردية أرجل عنكبوت حادة سطحها ملفوف بالأشواك الصغيرة غير المنتظمة . وهناك صنف منهم ثعبان بجسم مشوه ، عدة من أعضائه تنتمي للإنسان . عقرب فروي يكشر عن أنيابه الطويلة الحادة يرتفع في الهواء بأجنحة الذبابة على رأسه و يلف مدقة الدم نحو الأسفل قريبة من بطنه و يثبتها بأقدامه القصيرة كي لا تعيقه ، يستخدم مشكاته و أنيابه و سم التآكل المتقطر منها في الهجوم الجوي ، و إبرة السم على الأرض . تكمن الغرابة في الظلال حول أجسادهم هي جزء منهم تغذيهم و تقيدهم في نفس الوقت و تضمن بقاءهم على المسار حول العمود و تجنبهم الإصطدامات . يتجمعون حول العملاق المعلق و تخرج من افواههم همسات مرعبة وعميقة تشبه صوت الحشرات الليلية ولكن في الواقع صوتها أقرب إلى صوت زحف الحشرات.
" الظل الراقص
اللورد الذي يحكم خلف ستار الظلال
حاكم حديقة الظلال ، الطبيعية المحنطة
لجميع الكائنات الحية
أصل الإنحطاط الذي لا يمكن تدميره
الثرثار الدائم ،إمبراطور الرعب"
فتح كورو عينيه فجأة ولكن كانتا مختلفين عن طبيعتهما ، كانتا دافئتين تنظران برحمة ، تفحص المكان وثبت نظره أخيرا على كيرا نظر إليه بلطف وكأنه أحد أبنائه ثم سأله "ما هو إسمك"
استغربه كيرا و لاحظ وجود خطأ ما معه لذا سايره و أجاب
"كيرا "
حرك كورو رأسه بفهم والإبتسامة لم تفارق شفاهه
صمت لبعض الوقت
ثم فتح فاهه وتحدث بصوت مهيب ببطء و رفق
" أقدم وأقوى عاطفة إنسانية هي الخوف وأقدم وأقوى أنواع الخوف هو الخوف من المجهول"
" المحرمات ، قد تعتقد أنها وضيعة التفكير مثل الأطفال ، بيد أن مايسمى بالعقلية المنخفظة هو ببساطة أن البشر لا يستطيعون فهم ما يفعلونه . تماما مثل نملة تزحف على الأرض من وجهة نظرها ، فإن باطن البشر الضخمة التي تأتي وتذهب لا معنى لها ولا يمكنهم الحصول على بقايا الطعام على الأرض ولا بناء عش."
" في نظر النمل أفعال الإنسان كلها وضيعة عمياء غبية ولا معنى لها ،
لكن هذا لا يعني أنهم على حق . في الواقع لقد تجاوزت أفكار الإنسان وذكائه فهم النمل لفترة طويلة ولن يفهم النمل ابدا سبب انشغال البشر و بنفس الطريقة فإن البشر لا يفهمون ما يفعله المحرمات لان البشر محدودوا الذكاء ولا يستطيعون الفهم"
" إذا كان النمل في الطابق الأول فالبشر في الطابق الخامس أما المحرمات فهي خارجة عن مفهوم الطابق أصلا"
نظر إليه كيرا كما ينظر إلى مجنون
"و ما سبب كلامك هذا عنهم ، كورو هل أنت بخير ، لم تفقد عقلك من صدمة المواقف السابقة ، أليس كذلك ؟ "
امتنع كورو عن الإجابة و نظر إلى كيرا بحزن واضح على وجهه و قال مع خطين ذهبيين ينحدران من مقلتيه بقوام الزئبق
"بؤسك يثير شفقتي يا صغيري ، ألا تشعر بالتعب من كل ما مررت منه خلال هذه الفترة ، ماذا عن طريقة تشعرك بالراحة و تقودك إلى السلام "
انتقلت كلماته إلى آذان كيرا حرفا حرفا غطى أذنه فجأة بألم سمع صوتا هامس
"تريد الحياة هل أنت مستحق "
"وجودك مضيعة "
"كم سنة عشتها في هذه الحياة اليائسة هل حصلت على أي مكافآت تدفعك لمواصلة العيش "
"لما أنت متمسك بالبؤس "
" الموت رحمة لك من كل ما هو قاسي"
"تحرر من قيودك "
"تحرر من قيودك "
تشوش ذهن كيرا ولم يعد قادرا على التمييز ، هاجم كورو بكل قوته و سافرت قبضته في الهواء إلى أن فصل بينها وبين وجه كورو شبرا و توقفت . تجمد الوقت و كيرا غير قادر على الرمش أو فتح فمه ، تم سحبه من وسطه بقوة إلى الخلف ووقف تماما حيث كان قبل دقائق كما تكرر صوت الهمسات و التشوش . الوضع غير المريح أشعل فتيل غضب كيرا و قاده إلى الإندفاع إلى الأمام مرة وأخرى و أخرى لكن النتيجة لم تتغير هي نفسها على نفس المسافة يتم سحبه إلى إلى نفس المكان في نفس الإستقامة ونفس الأصوات تتردد على أذنيه .
تنهد كورو بخفة وحرك رأسه بقلة حيلة ،نظر إلى العملاق عبر الظلام لفترة أطول قليلا . كيرا الذي لم يستطع رؤية الجانب الآخر من الضباب اعتقد أن كورو شرد بتفكيره ، أخذ بعض الوقت ليقرر ما إذا كان سيوقظه من سهوته أم يتركه و شأنه ويحافظ على بعض السلام لنفسه ، أخيرا فضل أن يتمتع ببعض الراحة من الهمسات الموسوسة التي أزعجته و يلتفت إلى نامي التي ليست بعيدة عن موقعه الحالي جلست وقدماها محزومتان على جانب و ركيها و يداها على فخديها كف إحداهما فوق ظهر الأخرى تنظر إلى الفراغ بشكل غير واعي ، أوزع كيرا حالتها هذه إلى فقدانها الوعي قبل سحبهم إلى هذا المكان .
استشعر العملاق مراقبة كورو ففتح عينه وومض منها ضوء أحمر قاتل قبل أن يختفي التقت عينه بعيني كورو واستمرت اتصالهما البصري لفترة غير معروفة من الزمن ثم تحركت قزحيته باتجاه كيرا و ثبتت عليه . أحس كيرا بأن شيئا ما يراقبه وشعر بالخطر المحدق التفت بسرعة حوله بحثا عن مصدره. انقشع الظلام الذي يلفهم بقرب كيرا و انفتحت فجوة رآى منها العملاق على اللوح ،عملاق معلق مكون من مجموعة من الظلال المتجمعة على شكل بشري مع عين واحدة تلتهب بلون أحمر دامي كالياقوت ووجه مشوه لا يمكن وصفه، مقلوب رأسا على عقب، مثبت على اللوح المعدني بسلاسل منقوشة بطلاسم ورموز بلغة غير معروفة بلون أحمر كالدم، مع مسامير حديدية مطعونة في جسمه الضخم تثبته بلا رحمة ، وما هي إلى ثانية حتى تعالت صرخات كيرا و تشنج جسده بالكامل وذاب حتى صار كومة متصلة من اللحم الدموي المليئة بالثقول الدموية المسودة أقرب إلى الدم المتجلط شقت طريقها عبر الفجوة والتقت بالوفد المتمتم بالتبجيلات . أصدر طنينا حافتا لا يمكن تحديد مكانه و بدأ التلاوة التبجيلات دون تأخير بينما يزحف طريقه حول اللوح .
انقشع الظلام شيئا فشيئا وتراجع إلى ظل كورو وارتفع الضوء الخافت معيدا الوضوح إلى القبو فتح كورو عينيه ونظر حوله . استذكر ما حدث قبل أن يغط في نوم عميق نظر إلى كيرا وروبي الذان لم يعد يمكن اعتبارهم بشريان بعد الآن ، و إلى نامي المستقرة التي لم تتزحزح من مكانها ، ثم استدعى هاتفه و وجهه إلى المشوهين و كلم سامارا
"سامارا التهميهم "
سمع كورو صوت "حاضر" من الهاتف وأضاءت الشاشة بالأبيض ، خرج الشبح ذو الشعر الطويل من الهاتف ، انفصل شعره إلى خصلتين سميكتين اخترقتى الفضاء كالسوط وجرتاهما إلى داخل البئر .
ضغط كورو على زر قفل الهاتف وأعاده إلى جيبه لعم هدوء القبو ، استدعى سامارا من ظله وسألها عما حدث من قبل . لكن إجابتها لم ترضي كورو .
قالت سامارا :
"لا أعلم ما حدث ، في ذلك الوقت كنت في البئر عندما حل اليل فجأة لم أستطع التحرك أو مغادرة الظل لتفقد الوضع ، اضطررت إلى البقاء في الظلام والصمت إلا أن استدعيتني عبر الهاتف ، ماذا حدث بالمناسبة "
لم يجب كورو على سؤالها ترك لها بضع كلمات فقط "اتركي هذا الأمر إلى وقت آخر " قبل أن يعيدها إلى الظل .ثم حظي ببعض الوقت السلمي مع نفسه يحاول جمع خيوط الواقعة .