الموت… لم يكن دراميًا.

لا شاحن انفجر،

لا سيارة اصطدمت،

لا حتى كلمات أخيرة تُقال.

كان الأمر أبسط… وأقسى.

توقف قلبه فجأة وهو ينظر إلى شاشة هاتفه، يقرأ عن نظرية تقول إن الوعي قد يكون مجرد ظاهرة عابرة في كونٍ لا يهتم.

ثم… سكون.

لكن السكون لم يدم.

أول إحساس عاد إليه لم يكن نورًا.

كان رطوبة.

هواء ثقيل، بارد، يلتصق بالرئتين كطينٍ غير مرئي.

رائحة دمٍ قديم، عفن، وطحالب.

فتح عينيه.

لكن عينيه… لم تكونا كما يتذكر.

الرؤية حادة… في الظلام.

ظلال الصخور بدت واضحة.

قطرات الماء المتساقطة من سقف كهفٍ شاهق تلمع كنجومٍ ميتة.

حاول أن يصرخ.

خرج صوت… خشن، قصير، غليظ.

— “غرا…؟”

تجمّد.

هذا ليس صوته.

نظر إلى يديه.

أصابع قصيرة، جلد أخضر داكن، أظافر سوداء قاسية.

قلبه خفق.

حاول الوقوف… لكنه شعر بثقلٍ غريب في جسده الصغير.

من حوله، عشرات الكائنات الصغيرة…

أطفال.

لكن ليسوا بشرًا.

وجوه حادة، أنوف عريضة، آذان مدببة قصيرة.

غوبلين.

الذعر جاء متأخرًا.

“أنا… ولدت؟”

ذكرياته لم تختفِ.

اسمه. حياته. مدينته. الإنترنت. السياسة. الكتب التي قرأها عن الفلسفة والسلطة.

كلها حاضرة.

لكن جسده… ليس له.

صوتٌ خشن ضخم دوّى في أرجاء الكهف.

أنثى غوبلين عملاقة بالنسبة له، تحمل عصا عظمية، كانت تتفحص المواليد.

عيناها صفراوان، قاسيتان.

كلما وجدت مولودًا ضعيفًا… كانت ترفعه… وتنظر إليه…

ثم تلقيه جانبًا بلا اكتراث.

بعضهم… لم يتحرك بعد السقوط.

“هذا عالم لا يرحم الضعفاء.”

الفكرة جاءت بوضوح مفزع.

دوره يقترب.

القلب يخفق.

“هل سأموت مرة ثانية… خلال خمس دقائق من ولادتي؟”

اقتربت منه.

حدقت فيه.

لحظة طويلة.

شعر بشيء يتحرك داخله… ليس جسديًا.

شيء… يشبه واجهة شفافة تُفتح داخل عقله.

【تم استيفاء شرط التناسخ】

【تم رصد وعيٍ خارج المنظومة】

【النظام الإمبراطوري البدائي – قيد التفعيل】

ماذا؟

لم يكن صوتًا مسموعًا.

كان إدراكًا مباشرًا.

النظام؟

【تم منح الميزة الفريدة: نواة السيادة】

【تصنيف الموهبة: ملكي – مستوى غير محدد】

【بدء التحليل…】

شعرت أنثى الغوبلين بشيء.

تراجعت نصف خطوة.

حدقت فيه مجددًا.

هذه المرة… لم يكن في عينيها ازدراء.

كان ارتباكًا.

ثم… تركته.

ولم تُلقِ به.

“نجوت.”

لكن لماذا؟

النظام عاد:

【تحذير: أنت أضعف كائن في هذا الكهف】

【نسبة البقاء خلال الأسبوع الأول: 17%】

【اقتراح: ابدأ بجمع الموارد فور القدرة على الحركة】

هو طفل.

غوبلين طفل.

في كهف مليء بكائنات ستأكل بعضها إن جاعت.

وهو يحتفظ بعقل شاب من عالمٍ آخر.

ضحك داخليًا.

“سوء حظ؟”

لا.

هذا… أفضل اختبار.

في عالم البشر، كان مجرد شخص عادي.

هنا؟

هو الكائن الوحيد الذي يفهم معنى “النظام”، “الإمبراطورية”، “الاستراتيجية”، “التاريخ”.

الغوبلين كائنات بدائية.

لكن التاريخ علّم شيئًا واحدًا:

أقذر الإمبراطوريات… بدأت من الطين.

النظام بدأ يعرض معلومات مشوشة، كأنها خريطة تتشكل.

هذا العالم يُدعى:

أورفانديث.

سبع قارات رئيسية.

محيطان عظيمان.

إمبراطوريات بشرية تعتمد على فرسان المانا.

أعراق عليا:

التنانين، الأقزام، الإلف، عمالقة الصقيع.

وأعراق دنيا… تُستعبد.

الغوبلين… في أسفل السلم.

يُصنفون كـ “آفات”.

تُباد قبائلهم دوريًا من قِبل النبلاء لاكتساب الخبرة القتالية.

“خبرة…”

النظام استجاب للفكرة.

【تحليل: هذا العالم يعمل وفق قوانين طاقة قابلة للاستيعاب】

【المانا – الطاقة الأساسية】

【يمكن للنظام إعادة تشكيلها ضمن مسار السيادة】

السيادة؟

ليس مجرد قوة.

بل حكم.

في الزاوية، أحد صغار الغوبلين بدأ يزحف نحوه.

عيناه جائعتان.

الغوبلين لا يعرفون الأخوة.

يعرفون البقاء.

حاول ذاك الصغير عضّه.

تحرك بحدّة غير متوقعة.

غرز أظافره الصغيرة في عين الآخر.

صرخة قصيرة.

دم أخضر داكن.

سكون.

النظام أضاء.

【أول قتل مؤكد】

【الحصول على 1 نقطة تطور】

【فتح شجرة المهارات البدائية】

لم يشعر بالندم.

شعر بالوضوح.

“إذن هكذا يعمل العالم.”

في حياته السابقة، كان العنف فكرة نظرية.

هنا… هو عملة.

النظام عرض خيارات:

تقوية الجسد

تسريع النمو

تحسين الإدراك

غريزة القيادة (مقفل)

لم يتردد.

“تحسين الإدراك.”

القوة بدون فهم… فوضى.

النظام استجاب.

أحس بعقله يتوسع.

أصوات الكهف أصبحت أوضح.

تمييز الروائح.

حركة الهواء.

ثم… شيء آخر.

خارج الكهف…

طاقة ضخمة… تمر من بعيد.

وحوش.

وأيضًا… شيء منظم.

بشري.

“صيادون.”

إذا اكتشفوا هذا الكهف… ستُذبح القبيلة كلها.

بمن فيهم هو.

ابتسم.

ولأول مرة… لم يكن ابتسام غوبلين بدائي.

كان ابتسام سياسي.

“إمبراطوريتي… لن تبدأ من توسع.”

“ستبدأ من النجاة.”

في عالم البشر، كان يؤمن أن الأخلاق نظام اجتماعي لحماية الضعفاء.

هنا… لا يوجد نظام يحميه.

إذن؟

“أنا النظام.”

إذا كُتب عليه أن يولد كأدنى عرق…

فسيعيد تعريف معنى “الأدنى”.

ليس عبر التحول لبشري.

بل عبر جعل العالم يركع لغوبلين.

في عمق الكهف…

بين صرخات المواليد، ورائحة الدم، وتقطر الماء…

وُلد كائن صغير.

ضعيف.

قبيح.

منبوذ.

لكن في عينيه…

لم يكن هناك خوف.

كان هناك مشروع.

ومشروعه…

لن يكون مجرد بقاء.

بل عرش.

2026/03/06 · 7 مشاهدة · 701 كلمة
الكاتب
نادي الروايات - 2026