حلّ الليل أخيرًا على القرية.
لكن الراحة لم تأتِ معه.
كانت النيران الصغيرة المشتعلة بين المنازل المدمرة ترسل ضوءًا باهتًا على الوجوه المتعبة، بينما انشغل القرويون بإصلاح ما يمكن إصلاحه ودفن من فقدوا حياتهم خلال الهجوم.
جلس كايل قرب سور خشبي متهالك، وقد تم تضميد جرح كتفه بقطعة قماش خشنة. الألم ما يزال موجودًا، لكنه أصبح محتملًا.
الغريب أن عقله لم يكن منشغلًا بالجرح.
بل بآيرا.
وبالعلامات الثلاث التي ظهرت بجانب اسمها.
رفع رأسه نحو السماء.
السحب السوداء بدأت تتفرق ببطء.
ولأول مرة منذ دخوله هذا العالم استطاع رؤية النجوم.
كانت جميلة.
لكنها بدت بعيدة جدًا.
"لا تستطيع النوم أيضًا؟"
جاءه الصوت فجأة.
التفت.
كانت آيرا.
تحمل وعاءً صغيرًا من الحساء الساخن.
جلست على بعد خطوات منه دون استئذان.
ثم وضعت الوعاء بجانبه.
"كل."
قالتها ببساطة.
نظر إلى الوعاء.
ثم إليها.
"شكراً."
لثوانٍ ساد الصمت بينهما.
قبل أن يسأل:
"منذ متى وأنتِ تعرفين أن ذلك الوحش لم يكن القائد الحقيقي؟"
توقفت يدها.
ثم تنهدت.
"كنت أعرف."
"كيف؟"
لم تجب مباشرة.
بل ظلت تنظر نحو الغابة السوداء البعيدة.
"لأنني رأيته."
شعر كايل باهتمامه يزداد.
"رأيتِ ماذا؟"
هذه المرة التفتت إليه.
وفي عينيها ظهر شيء لم يره من قبل.
خوف.
خوف حقيقي.
"قبل ثلاث سنوات."
قالت بصوت منخفض.
"اختفى أخي داخل الغابة."
ساد الصمت.
"بحثنا عنه لأيام."
"ثم وجدناه."
توقفت للحظة.
كأنها لا تريد إكمال الكلام.
لكنها أكملت في النهاية.
"وجدناه واقفًا وسط الأشجار."
"لم يكن مصابًا."
"لم يكن ميتًا."
"لكنه لم يعد هو."
شعر كايل بقشعريرة تسري في جسده.
"ماذا تقصدين؟"
خفضت رأسها.
"كان يبتسم."
"فقط يبتسم."
"طوال الوقت."
سكتت.
"وبعد يومين..."
"اختفى مرة أخرى."
لم تكمل أكثر.
لكن كايل فهم.
أحيانًا تكون الأشياء التي لا تُقال أكثر رعبًا من الأشياء التي تُقال.
ظهر إشعار صغير أمام عينيه.
تقدم الاستكشاف: 10%
تم الحصول على معلومة مرتبطة بالحدث الرئيسي.
اختفى الإشعار بسرعة.
لكن شيئًا آخر جذب انتباهه.
للحظة قصيرة جدًا...
ظهرت نافذة مختلفة.
ليست زرقاء.
بل فضية.
؟
ثم اختفت.
تجمد كايل.
لأن المحاكي كان دائمًا أزرق.
فما الذي ظهر الآن؟
رفع رأسه بسرعة.
وفي اللحظة نفسها...
شعر بشيء يراقبه.
من بين الأشجار.
من أعماق الظلام.
كان الإحساس أقوى من المرة السابقة.
حتى إنه وقف دون أن يشعر.
"كايل؟"
سألت آيرا باستغراب.
لكنه لم يرد.
عيناه كانتا مثبتتين على الغابة.
هناك.
بين الأشجار البعيدة.
ظهر شخص.
شاب يبدو في العشرينات.
ملابس سوداء.
شعر أبيض طويل.
وعينان ذهبيتان.
وقف بهدوء.
ينظر مباشرة إلى كايل.
لا إلى القرية.
ولا إلى آيرا.
بل إلى كايل وحده.
ثم...
ابتسم.
ابتسامة صغيرة جدًا.
وكأنه تعرف على شخص كان يبحث عنه منذ زمن طويل.
وفي اللحظة التالية...
اختفى.
كأنه لم يكن موجودًا أصلًا.
ظهر إشعار جديد.
تحذير
تم رصد شخصية تتجاوز مستوى المحاكاة الحالي.
المعلومات المتاحة:
غير كافية.
الملاحظة:
لا يُنصح بالاقتراب.
اختفى الإشعار.
أما كايل...
فبقي واقفًا مكانه.
لسبب لا يعرفه...
كان متأكدًا من شيء واحد.
ذلك الشخص...
لم يكن يراقب القرية.
بل كان يراقبه منذ لحظة دخوله هذا العالم.
وفي مكان مجهول داخل الغابة السوداء...
فتح الشاب ذو الشعر الأبيض عينيه ببطء.
ثم همس لنفسه:
"إذن... استيقظت أخيرًا."
...الكارثة.