مرّت الأيام التالية بهدوء معتاد. استمرت التدريبات صباحًا، والأعمال اليومية داخل القرية نهارًا، حتى بدأ كايل يشعر أن حياته تسير ضمن إيقاع ثابت. لم يكن إيقاعًا مثيرًا، لكنه كان مريحًا بطريقة لم يعترف بها لنفسه.
في ذلك الصباح كان يساعد النجار العجوز في نقل بعض الألواح الخشبية عندما دوّى صوت مرتفع من وسط القرية.
صراخ.
ثم صراخ آخر.
ثم أصوات جدال متداخلة.
تبادل الموجودون النظرات قبل أن يتجه الجميع نحو الساحة الرئيسية.
عندما وصل كايل وجد عددًا من القرويين متجمعين حول رجلين يتشاجران.
أحدهما مزارع يُدعى جارين.
والآخر راعٍ يُدعى ميلو.
كلاهما من سكان القرية القدامى.
"أبقارك أفسدت حقلي!"
صرخ جارين بغضب.
"لأن سياجك مكسور منذ شهر!"
رد ميلو بنفس الحدة.
"وهل هذه مشكلتي؟"
"نعم! لأنك تعرف أنه مكسور!"
بدأت الأصوات ترتفع أكثر فأكثر.
بعض الناس يؤيدون جارين.
وبعضهم يؤيدون ميلو.
وبدأت المشكلة الصغيرة تكبر بسرعة.
وقف كايل في الخلف يراقب فقط.
في البداية ظن أن العم هارون سيتدخل وينهي الأمر خلال دقائق.
لكن الغريب أن العجوز بقي صامتًا.
بل لاحظ كايل أنه ينظر إلى الناس أكثر من الرجلين.
وكأنه يراقب شيئًا آخر.
بعد دقائق تقدمت آيرا.
قالت بهدوء:
"الحقول تضررت فعلًا."
رد ميلو مباشرة:
"وأنا خسرت ثلاثة رؤوس ماشية بسبب السياج نفسه."
ساد الصمت للحظة.
لأن الطرفين يملكان حجة منطقية.
وهنا تكمن المشكلة.
ليست كل الخلافات بين مخطئ ومصيب.
أحيانًا يكون الطرفان متضررين.
وهذا أصعب بكثير.
استمرت المناقشات حتى اقترب العم هارون أخيرًا.
نظر إلى الجميع.
ثم قال:
"إذا استمر الشجار فلن يستفيد أحد."
لم يقتنع أحد.
كان واضحًا أن الجميع يريد حلًا.
لكن لا أحد يريد تحمل الخسارة.
نظر هارون حوله فجأة.
ثم أشار إلى كايل.
"أنت."
تجمد كايل.
كان يتمنى لو نظر إلى الأرض في تلك اللحظة.
لكن الأوان فات.
"أنا؟"
"نعم."
"لماذا؟"
"أخبرنا برأيك."
شعر كايل أن العم هارون انتقم منه لسبب مجهول.
نظر إلى الجميع.
عشرات العيون تراقبه.
حتى رين كان يبتسم وكأنه يشاهد عرضًا مسليًا.
أخذ كايل نفسًا عميقًا.
ثم فكر بهدوء.
لو وقف مع جارين سيغضب ميلو.
ولو وقف مع ميلو سيغضب جارين.
أي قرار سيجعل أحد الطرفين غير راضٍ.
وفجأة أدرك شيئًا مهمًا.
ربما المشكلة ليست في اختيار طرف.
بل في إصلاح الضرر.
رفع رأسه وقال:
"إذا كان السياج مكسورًا منذ فترة، فالخطأ ليس على شخص واحد."
ساد الصمت.
أكمل:
"الحقل تضرر."
"والماشية تضررت."
ثم نظر إلى الرجلين.
"بدلًا من تحديد من يلوم الآخر..."
توقف لحظة.
"لماذا لا تصلحان المشكلة أولًا؟"
عبس الرجلان.
أما بقية القرويين فبدأوا يستمعون.
"يُعاد بناء السياج بمساعدة الطرفين."
"ويتم تعويض جزء من المحصول المتضرر."
"ويتحمل الطرفان المسؤولية."
لم يكن حلًا مثاليًا.
ولم يجعل الجميع سعداء.
لكنه كان أفضل من استمرار الشجار.
بعد نقاش طويل وافق الرجلان أخيرًا.
ليس لأنهما أحبا القرار.
بل لأنهما لم يجدا حلًا أفضل.
بدأ الناس بالتفرق تدريجيًا.
وعادت الساحة إلى هدوئها المعتاد.
اقترب رين من كايل.
"لم أكن أعرف أنك جيد في هذا."
هز كايل كتفيه.
"وأنا أيضًا."
ضحك رين.
أما العم هارون فاكتفى بإيماءة بسيطة.
لكن كايل لاحظ شيئًا.
كانت تلك أول مرة يطلب منه أحد رأيه في أمر يخص القرية.
وأول مرة يشعر أن الناس لا يرونه مجرد وافد جديد.
في المساء جلس وحده أمام منزله الصغير.
كانت السماء صافية والنجوم تملأ الأفق.
تذكر ما حدث اليوم.
ثم أدرك حقيقة بسيطة.
الوحوش سهلة أحيانًا.
لأنك تعرف من عدوك.
أما البشر...
فالأمور معهم أعقد بكثير.
فتح دفتره الصغير وكتب:
سجل المحاكاة
اليوم التاسع عشر.
ليس كل نزاع يحتاج منتصرًا.
أحيانًا يكفي أن تمنع الجميع من الخسارة.
أغلق الدفتر.
ثم رفع نظره نحو السماء.
وفي مكان ما داخل قلبه...
بدأت تنمو ثقة صغيرة.
ليست بقوته.
ولا بموهبته.
بل بقدرته على فهم الناس.
...الكارثة.