بدأ اليوم كأي يوم آخر داخل القرية.
استيقظ كايل قبل الشروق، وتلقى نصيبه المعتاد من معاناة التدريب على يد العم هارون، ثم عاد ليغسل وجهه قرب البئر بينما كانت القرية تستيقظ ببطء حوله.
كانت الحياة تسير بإيقاع هادئ ومستقر.
حتى جاء الغريب.
ظهر أولًا على هيئة نقطة صغيرة في الطريق الترابي الممتد خارج القرية. لم ينتبه إليه أحد في البداية، لكن مع اقترابه بدأ بعض القرويين يرمقونه بنظرات فضولية.
رجل يسير وحده.
يحمل حقيبة كبيرة على ظهره.
ورداءً رماديًا غطته آثار السفر الطويل.
كان كايل جالسًا قرب الساحة عندما وصل الرجل إلى المدخل الخشبي للقرية.
توقف للحظة.
ثم رفع يده بتحية بسيطة.
"صباح الخير."
لم يكن صوته قويًا.
لكنه حمل هدوء شخص اعتاد السفر طويلًا.
اقترب بران أولًا.
"من أنت؟"
ابتسم الرجل.
"تاجر."
نظر بعض القرويين إلى بعضهم.
لم تكن زيارة التجار أمرًا نادرًا بالكامل.
لكنها لم تكن شائعة أيضًا.
خصوصًا في قرية صغيرة ومعزولة كهذه.
بعد دقائق بدأ الناس يتجمعون حول عربته الصغيرة التي كانت مربوطة بحصان نحيف.
أخرج الرجل بضائع متنوعة.
أقمشة.
أدوات.
سكاكين مطبخ.
مصابيح زيتية.
وأشياء أخرى كثيرة.
أما كايل فكان يراقب بصمت.
شيء ما أثار فضوله.
ليس البضائع.
بل التاجر نفسه.
كان يتحدث مع الجميع بسهولة.
يضحك.
يمزح.
ويتصرف وكأنه يعرفهم منذ سنوات.
رغم أنه وصل للتو.
قال رين وهو يقف بجانب كايل:
"أتمنى أن أملك هذه القدرة."
"أي قدرة؟"
"التحدث مع الغرباء."
نظر إليه كايل باستغراب.
"أنت تتحدث مع أي شيء يتحرك."
"هذا مختلف."
هز رين كتفيه.
"أنا أتحدث كثيرًا."
"أما هو..."
نظر إلى التاجر.
"فيجعل الناس يرغبون بالحديث معه."
صمت كايل للحظة.
ثم أدرك أن رين محق.
لم يكن الأمر متعلقًا بالكلمات.
بل بالراحة التي يمنحها للآخرين.
وفي المساء، وبينما بدأ الناس بالعودة إلى منازلهم، جلس التاجر قرب النار المركزية في الساحة.
وبدأت القصص.
قصص عن مدن بعيدة.
عن أنهار أعرض من القرية كلها.
عن أسواق مزدحمة لا ينام أهلها ليلًا.
عن جبال تغطيها الثلوج طوال العام.
جلس كايل يستمع بصمت.
وكذلك رين.
ومع كل قصة كان العالم يكبر داخل خيالهما.
لأول مرة شعر كايل بوضوح حقيقي أن هذه القرية ليست سوى نقطة صغيرة جدًا.
هناك أماكن لا يعرف أسماءها.
وأشخاص لن يلتقيهم قريبًا.
وطرق طويلة لم تطأها قدماه بعد.
وفجأة سأل أحد الأطفال:
"أي مكان أعجبك أكثر؟"
ابتسم التاجر.
وفكر للحظة.
ثم قال:
"ليس هناك مكان مثالي."
ساد الصمت.
أكمل بهدوء:
"كل مكان يخسرك شيئًا ويمنحك شيئًا."
"المدن تمنح الفرص."
"لكنها تأخذ الهدوء."
"القرى تمنح الراحة."
"لكنها تأخذ الكثير من الأحلام."
توقف للحظة.
ثم ابتسم.
"لهذا يستمر الناس بالسفر."
بقيت الكلمات عالقة في ذهن كايل حتى بعد انتهاء الجلسة.
وفي طريق عودته إلى منزله كان القمر معلقًا عاليًا في السماء.
قال رين فجأة:
"سنغادر يومًا ما."
لم يكن سؤالًا.
بل حقيقة.
نظر كايل إلى الطريق المظلم الممتد خارج القرية.
ثم قال:
"نعم."
لأول مرة لم يشعر بالخوف من تلك الفكرة.
بل بشيء يشبه الترقب.
وكأن الطريق البعيد بدأ يناديه ببطء.
في تلك الليلة فتح دفتره الصغير.
وكتب:
سجل المحاكاة
اليوم العشرون.
العالم أكبر مما كنت أظن.
وربما...
أنا أصغر مما كنت أعتقد.
أغلق الدفتر.
وقبل أن ينام، تذكر شيئًا قاله التاجر.
"كل مكان يخسرك شيئًا ويمنحك شيئًا."
ولم يكن يعلم أن هذه الجملة سترافقه لسنوات طويلة.
...الكارثة.