استمر التاجر في البقاء داخل القرية لعدة أيام. لم يكن أمرًا معتادًا، لكن أحد أحصنة عربته أصيب أثناء الطريق، واضطر للانتظار حتى يتعافى قبل متابعة رحلته.
بالنسبة لمعظم القرويين لم يكن ذلك مهمًا.
أما بالنسبة لرين...
فكان الأمر أشبه بعيد طويل.
كل مساء تقريبًا كان يجلس قرب التاجر ويسأله عن المدن البعيدة، والطرق التجارية، والجبال والأنهار التي مر بها.
وفي أغلب الأحيان كان كايل يجلس بالقرب منهما بصمت.
ليس لأنه يحب الكلام.
بل لأنه يحب الاستماع.
في إحدى الأمسيات كانت النار تتراقص بهدوء وسط الساحة، بينما تجمع عدد من القرويين حولها.
رفع أحد الأطفال يده فجأة.
"ما أخطر شيء رأيته في سفرك؟"
ابتسم التاجر.
ثم فكر للحظة.
"إنسان."
ساد الصمت.
حتى الأطفال رمشوا باستغراب.
"ليس وحشًا؟"
هز التاجر رأسه.
"الوحوش تتصرف كوحوش."
"أما البشر..."
توقف قليلًا.
"فأحيانًا لا تعرف ماذا يريدون."
لم يعلق أحد.
لكن الكلمات بقيت عالقة في الهواء.
جلس كايل يراقب ألسنة النار.
في حياته السابقة سمع شيئًا مشابهًا مرات كثيرة.
لكن سماعه هنا بدا مختلفًا.
أكثر واقعية.
بعد انتهاء الجلسة، وبينما بدأ الجميع بالعودة إلى منازلهم، بقي كايل جالسًا مكانه.
كان يحمل دفتره الصغير.
لاحظ التاجر ذلك.
"أنت تكتب كثيرًا."
رفع كايل رأسه.
"أحاول."
ابتسم الرجل.
"عادة جيدة."
فتح كايل الدفتر قليلًا.
"معظم ما أكتبه أشياء بسيطة."
"الأشياء البسيطة هي التي تبقى."
نظر إليه باستغراب.
ضحك التاجر.
"الناس يتذكرون المعارك الكبيرة."
"لكنهم يعيشون بسبب التفاصيل الصغيرة."
ثم نهض.
"لا تهملها."
بقي كايل مكانه بعد رحيله.
يفكر في تلك الكلمات.
ثم فتح صفحة جديدة.
وكتب:
"التفاصيل الصغيرة تصنع الطريق الطويل."
لم يعرف لماذا كتبها.
لكنه شعر أنها تستحق أن تُحفظ.
في صباح اليوم التالي عاد إلى تدريبه المعتاد.
هذه المرة أحضر العم هارون عدة عصي خشبية.
نظر كايل إليها بحذر.
"هل بدأنا أخيرًا؟"
رفع العجوز إحدى العصي.
"ربما."
بعد ثوانٍ...
ضرب العصا نحو كتف كايل.
تفادى الضربة بالكاد.
اتسعت عيناه.
"ماذا تفعل؟!"
"التدريب."
"هذا اعتداء!"
أما رين الذي كان يراقب من الجانب فانفجر ضاحكًا.
وبعد دقائق...
أصبح يصرخ هو أيضًا.
لأن العم هارون قرر أن التدريب الجماعي أكثر متعة.
بالنسبة له على الأقل.
انتهى الصباح وسط الفوضى والصراخ والضحك.
لكن شيئًا صغيرًا تغير.
لأول مرة بدأ كايل يشعر بجسده يتحرك بصورة طبيعية.
قدماه.
توازنه.
ردود أفعاله.
كلها أصبحت أفضل بقليل.
ليس تطورًا مذهلًا.
لكنه تطور حقيقي.
وفي طريق العودة مر بجانب البئر.
كان هناك طفل صغير يحاول سحب دلو ماء أكبر منه.
اقترب كايل وساعده دون تفكير.
شكره الطفل ثم ركض بعيدًا.
توقف كايل للحظة.
ثم أكمل طريقه.
لكن ابتسامة صغيرة ظهرت على وجهه.
قبل شهر واحد فقط...
كان بالكاد قادرًا على مساعدة نفسه.
أما الآن...
فبدأ يساعد الآخرين بشكل طبيعي.
وفي تلك الليلة جلس فوق التل المطل على القرية.
كانت الأضواء القليلة تتلألأ في الظلام.
والهواء يحمل رائحة الخشب المحترق.
جلس رين بجانبه كعادته.
وظلا صامتين لبعض الوقت.
ثم قال رين فجأة:
"أشعر أن شيئًا سيتغير قريبًا."
نظر إليه كايل.
"لماذا؟"
هز كتفيه.
"لا أعرف."
ثم ابتسم.
"مجرد شعور."
عاد الصمت بينهما.
أما كايل فظل ينظر إلى الطريق البعيد خارج القرية.
لأول مرة منذ دخوله هذا العالم...
لم يكن مستعجلًا للوصول إلى المستقبل.
كان يكتفي بالسير نحوه.
خطوة واحدة في كل مرة.
...الكارثة.