مرت الأيام التالية بهدوء مألوف بعد رحيل التاجر. عادت القرية إلى إيقاعها الطبيعي، وكأن ذلك المسافر لم يكن سوى عابر طريق ترك وراءه بعض القصص ثم اختفى. ومع ذلك، ظل الكتاب الذي أهداه لكايل فوق الطاولة الخشبية الصغيرة في غرفته، يفتحه بين الحين والآخر ويقرأ منه بضع صفحات قبل النوم.
لم تكن القصص مذهلة.
ولا تحتوي على أسرار عظيمة.
لكنها كانت حقيقية.
وهذا ما جذب انتباهه.
في صباح أحد الأيام، وبينما كان أهل القرية يتجمعون قرب الساحة الرئيسية، لاحظ كايل حركة غير معتادة. كان عدد من الرجال يتحدثون مع العم هارون بوجوه جادة، بينما وقف بعض القرويين على مسافة يراقبون بصمت.
لم يكن الأمر شجارًا.
ولم يكن احتفالًا.
بل شيء بين الاثنين.
اقترب رين أولًا كعادته.
ثم عاد بعد دقائق.
"هناك خبر."
قالها بنبرة غامضة.
نظر إليه كايل.
"وأنت تستمتع بإخفائه."
ابتسم رين.
"طبعًا."
تنهد كايل.
"تكلم."
اقترب رين قليلًا.
"وصلت قافلة إلى بلدة النهر."
رمش كايل.
"وهل هذا خبر مهم؟"
"ليس هذا الجزء."
صمت لحظة.
ثم أكمل:
"يقولون إن الطريق الشرقي سيُفتح مجددًا."
تغيرت نظرات كايل قليلًا.
الطريق الشرقي.
كان اسمًا سمعه عدة مرات من كبار السن.
لكنه لم يفهم أهميته بالكامل.
لاحظ رين ذلك.
فقال:
"قبل سنوات كانت القوافل تمر من هناك باستمرار."
"ثم حدث شيء."
"ماذا حدث؟"
هز كتفيه.
"لا أعرف."
"الجميع يروي قصة مختلفة."
هذه الإجابة وحدها جعلت كايل مهتمًا.
عندما يختلف الناس في رواية نفس الحدث...
فغالبًا أن الحقيقة ضاعت بينهم منذ زمن.
بعد الظهر جلس قرب البئر مع العم هارون.
كان العجوز يصلح أداة زراعية قديمة عندما سأله كايل:
"ما قصة الطريق الشرقي؟"
توقف هارون عن العمل للحظة.
ثم عاد إليه.
"طريق."
نظر إليه كايل بصمت.
"أحيانًا أشك أنك تفعل هذا عمدًا."
ظهرت ابتسامة صغيرة على وجه العجوز.
ثم قال:
"قبل سنوات طويلة كانت القوافل تستخدمه."
"لكن ازداد خطره."
"فبدأ الناس يتجنبونه."
"ثم نسيه الجميع تقريبًا."
لم تكن إجابة كاملة.
لكنها كانت أكثر مما توقع.
سأل كايل:
"هل ستعود القوافل فعلًا؟"
رفع هارون رأسه.
ونظر نحو الأفق البعيد خلف القرية.
"ربما."
ثم أضاف:
"إذا عاد الطريق للحياة..."
"فستتغير أشياء كثيرة."
لم يكمل.
لكن كايل فهم المعنى.
الطرق ليست مجرد تراب وحجارة.
الطرق تربط البشر.
والبشر يجلبون معهم الأخبار.
والفرص.
والمشاكل أيضًا.
في تلك الليلة خرج إلى التل المطل على القرية.
كان القمر معلقًا فوق السماء الصافية، بينما تناثرت الأضواء القليلة بين المنازل كنجوم صغيرة على الأرض.
جلس وحده هذه المرة.
وأخذ يفكر.
منذ أسابيع قليلة فقط كان عالمه يقتصر على النجاة يومًا إضافيًا.
ثم أصبح يفكر في القرية.
ثم في ما وراء القرية.
والآن...
بدأ يفكر في الطرق التي تصل بين الأماكن.
أدرك فجأة أن العالم لا يتوسع بسبب المسافات.
بل بسبب المعرفة.
كلما عرف أكثر...
أصبح العالم أكبر.
وكلما أصبح العالم أكبر...
أدرك كم يجهل.
ابتسم بخفة.
كانت فكرة مزعجة.
لكنها جميلة أيضًا.
عندما عاد إلى منزله، فتح دفتره الصغير وكتب:
سجل المحاكاة
اليوم الرابع والعشرون.
سمعت اليوم عن طريق قديم.
الغريب أن الطرق تشبه البشر.
إذا تُركت طويلًا...
ينساها الجميع.
توقف لحظة.
ثم أضاف:
لكن بعضها يعود للحياة عندما يمر عليه شخص واحد فقط.
أغلق الدفتر.
واستلقى على فراشه.
في الخارج كانت الرياح تمر بهدوء بين الأشجار.
أما في مكان بعيد لا يعرفه...
فكانت الأحداث تتحرك ببطء.
أحداث لا علاقة لها بكايل.
على الأقل...
ليس بعد.
...الكارثة.