كانت الليلة هادئة بشكل غريب.
جلس كايل قرب النافذة ممسكًا بكتاب الرحلات الذي تركه التاجر خلفه. لم يكن يقرأ فعلًا، بل كان يقلب الصفحات دون تركيز بينما تدور أفكار كثيرة داخل رأسه.
منذ ذلك الشعور الغامض الذي بدأ يرافقه قبل أيام لم يعد قادرًا على تجاهل الأمر.
كان هناك شيء تغير.
شيء لا يراه.
لكنه يشعر به.
أغلق الكتاب ووضعه جانبًا.
ثم استلقى فوق الفراش.
وبعد دقائق غرق في النوم.
في البداية لم ير شيئًا.
ثم ظهر الضباب.
ضباب أبيض كثيف امتد في جميع الاتجاهات.
وقف كايل وسطه دون أن يفهم أين هو.
نظر حوله.
خطوة.
خطوتان.
ثلاث خطوات.
ثم لمح ظلًا بعيدًا.
شخص.
لم يكن قادرًا على رؤية ملامحه.
لكن الغريب أنه شعر بألفة غير مفهومة.
كأن روحه تعرف ذلك الشخص.
تقدم الظل خطوة.
ثم قال جملة واحدة.
"ما زلت أبطأ مما توقعت."
اتسعت عينا كايل.
الصوت لم يكن مألوفًا.
لكنه شعر بشيء يهتز داخل صدره.
أراد أن يسأل.
أن يقترب.
أن يعرف من يكون.
لكن الضباب بدأ يتلاشى.
واختفى كل شيء.
استيقظ فجأة.
جلس على الفراش وهو يلتقط أنفاسه.
كان الفجر لم يطلع بعد.
والغرفة غارقة في الظلام.
"حلم؟"
تمتم بصوت منخفض.
لكن شيئًا في داخله رفض اعتبار ما حدث مجرد حلم عادي.
نهض وغسل وجهه.
ثم خرج إلى الخارج.
الهواء البارد ضرب وجهه مباشرة.
وكانت القرية ما تزال نائمة.
بدأ بالسير دون هدف.
حتى وصل إلى التل المطل على القرية.
جلس هناك.
يراقب الأفق.
ويفكر.
منذ وصوله لهذا العالم ظهرت أمور كثيرة لا يفهمها.
المحاكي.
شظايا المصير.
الفرصة التي منحها له الكون.
وذلك الشعور الغريب الذي يزداد يومًا بعد يوم.
لكنه تعلم شيئًا مهمًا.
ليس كل سؤال يحتاج جوابًا فوريًا.
بعض الأجوبة تأتي عندما يحين وقتها.
أما الآن...
فليس أمامه سوى الاستمرار.
بعد شروق الشمس بقليل عاد إلى القرية.
وهناك وجد رين يركض نحوه بسرعة.
"وجدتك!"
"ماذا حدث؟"
"هناك مشكلة."
نظر إليه كايل باستغراب.
"أي نوع من المشاكل؟"
"آيرا."
وقف كايل فورًا.
"ماذا عنها؟"
"تشاجرت مع العجوز تيران."
رمش عدة مرات.
هذه آخر إجابة كان يتوقعها.
آيرا؟
تتشاجر؟
وصل الاثنان إلى منزل تيران.
وكان عدد من القرويين يقفون بالخارج بفضول.
في الداخل كانت آيرا تقف بهدوئها المعتاد.
بينما جلس العجوز تيران أمام طاولة خشبية قديمة.
لكن الجو كان متوترًا.
قال تيران بضيق:
"قلت لكِ إن هذا الكتاب ليس لك."
ردت آيرا مباشرة:
"ولم أقل إنه لي."
"إذن لماذا تصرين على قراءته؟"
"لأن المعرفة لا يجب أن تبقى حبيسة الرفوف."
ساد الصمت.
حتى كايل تفاجأ.
هذه أطول جملة سمعها منها منذ أسابيع.
نظر تيران إليها طويلًا.
ثم تنهد.
"العالم ليس بهذه البساطة."
أجابت دون تردد:
"ولا يصبح أفضل إذا أخفينا كل شيء."
لأول مرة أدرك كايل أن آيرا ليست هادئة لأنها ضعيفة.
بل لأنها تختار متى تتكلم.
وهناك فرق كبير.
بعد نقاش طويل انتهى الأمر دون مشكلة حقيقية.
لكن أثناء مغادرتهم لمح كايل الكتاب الذي كانت تتحدث عنه.
كتاب قديم جدًا.
مهترئ الأطراف.
ومكتوب بلغة لم يرها من قبل.
لثانية واحدة فقط...
شعر بشيء غريب.
شيء مألوف.
كما لو أنه رأى تلك الرموز في مكان ما.
لكن أين؟
قبل أن يتمكن من التركيز اختفى الشعور.
وعاد كل شيء طبيعيًا.
أما في أعماقه...
فبدأ سؤال جديد بالتشكل.
هل كانت المحاكاة الأولى قد تركت أثرًا أكبر مما ظن؟
في تلك الليلة فتح دفتره.
وكتب:
سجل المحاكاة
اليوم الثلاثون.
رأيت حلمًا غريبًا.
ورأيت كتابًا غريبًا.
ولا أعرف أيهما أقل منطقية.
لكن للمرة الأولى أشعر أن الماضي لا يبتعد عني...
بل يقترب ببطء.
أغلق الدفتر.
وخارج نافذته كانت الرياح تعبر بين الأشجار.
أما في مكان بعيد جدًا...
خارج حدود القرية.
وخارج حدود ما يعرفه كايل.
فكانت عجلات القدر تبدأ بالدوران ببطء.
...الكارثة.