مرّت الأيام التالية بهدوء مألوف. استمرت الأعمال الزراعية، واستمرت أحاديث القرويين عن القوافل والطريق الشرقي، بينما واصل كايل تدريباته المعتادة. كان كل شيء يبدو طبيعيًا.
لكن كايل بدأ يلاحظ أمرًا غريبًا.
لم يعد الروتين يملأ يومه كما كان من قبل.
في الماضي كان كل يوم يحمل له شيئًا جديدًا؛ تعلم كيف ينجو، كيف يتأقلم، كيف يفهم هذا العالم. أما الآن فقد أصبح يعرف القرية جيدًا.
يعرف الطرق.
يعرف الوجوه.
يعرف القصص الصغيرة التي تتكرر كل أسبوع.
وللمرة الأولى شعر أن معرفته بما حوله أصبحت أكبر من المساحة التي يعيش فيها.
في أحد الصباحات استدعاه العم هارون مبكرًا.
عندما وصل وجده يحمل فأسًا قديمًا وحبلين طويلين.
قال العجوز:
"سترافقني."
سأله كايل:
"إلى أين؟"
"الغابة."
لم تكن الغابة شيئًا جديدًا.
لكن العم هارون نادرًا ما يأخذه معه خارج حدود القرية.
لذلك حمل أدواته بصمت وتبعه.
بعد ساعة من المشي بدأت الأشجار تزداد كثافة.
واختفت أصوات القرية خلفهم تدريجيًا.
كان المكان مختلفًا.
أكثر هدوءًا.
وأكثر اتساعًا.
لاحظ كايل أن هارون لا يسلك الطريق المعتاد الذي يستخدمه الصيادون.
بل يتجه نحو منطقة أبعد قليلًا.
بعد فترة توقف العجوز أخيرًا.
وأشار إلى تلة صخرية مرتفعة.
"اصعد."
نظر كايل إليه باستغراب.
"لماذا؟"
"لأنني قلت ذلك."
تنهد.
هذه الإجابة لم تتغير أبدًا.
بدأ الصعود.
كان الطريق متعبًا بسبب الصخور والأشجار المتشابكة.
لكن بعد عدة دقائق وصل إلى القمة.
ثم تجمد.
لأن المنظر أمامه كان مختلفًا تمامًا عما توقع.
وراء الغابة...
وخلف التلال التي اعتاد رؤيتها من القرية...
امتدت أراضٍ واسعة لم يرها من قبل.
تلال بعيدة.
غابات أخرى.
خط فضي طويل يشق الأرض في الأفق.
نهر.
وقف هناك لعدة ثوانٍ دون كلام.
ثم أدرك شيئًا بسيطًا.
طوال هذه الفترة كان يظن أنه يرى العالم عندما ينظر من التل المطل على القرية.
لكنه في الحقيقة كان يرى جزءًا صغيرًا جدًا منه.
وصل العم هارون بعد دقائق.
وقف بجانبه بصمت.
ثم قال:
"ما الذي تراه؟"
تذكر كايل سؤال الطريق قبل أيام.
هذه المرة لم يجب بسرعة.
ظل ينظر إلى الأفق.
ثم قال:
"الكثير."
هز العجوز رأسه.
"خطأ."
رمش كايل.
"ماذا؟"
رفع هارون يده نحو الأفق.
"ما تراه ليس الكثير."
صمت لحظة.
"بل البداية فقط."
لم تكن جملة معقدة.
لكنها أصابت كايل بقوة أكبر مما توقع.
لأنها كانت صحيحة.
كل ما عرفه حتى الآن...
القرية.
بلدة النهر.
الطريق الشرقي.
مدينة الحجر الأبيض.
ربما لم تكن سوى أسماء صغيرة على أطراف خريطة ضخمة.
جلس الاثنان فوق الصخور لبعض الوقت.
لم يتحدث هارون كثيرًا.
كعادته.
لكن قبل مغادرتهما سأل كايل:
"هل غادرت القرية عندما كنت شابًا؟"
ساد الصمت.
ظن أن العجوز سيتجاهل السؤال.
لكن بعد فترة قال:
"نعم."
تفاجأ كايل.
لأن الإجابة جاءت بسهولة غير متوقعة.
ثم أضاف هارون:
"وأبعد مما تتخيل."
قبل أن يتمكن كايل من طرح سؤال آخر كان العجوز قد نهض بالفعل.
"عدنا."
وكأن الحديث انتهى.
في طريق العودة لم يتوقف كايل عن التفكير.
إذا كان هارون قد غادر وعاد...
فهذا يعني أن العالم الخارجي ليس مجرد حلم بعيد.
بل طريق يمكن السير فيه.
وعندما وصلا إلى القرية كانت الشمس تميل نحو الغروب.
وقف كايل للحظة عند البوابة الخشبية.
نظر خلفه.
إلى الغابة.
ثم إلى الطريق البعيد.
وشعر أن شيئًا تغير داخله.
ليس لأنه اكتسب قوة جديدة.
ولا لأنه اكتشف سرًا عظيمًا.
بل لأنه رأى بعينيه أن العالم أكبر مما كان يتخيل.
وفي تلك الليلة فتح دفتره وكتب:
سجل المحاكاة
اليوم الرابع والثلاثون.
اليوم رأيت الأفق من مكان أعلى.
واكتشفت أن الإنسان أحيانًا لا يحتاج إلى السير بعيدًا...
ليدرك كم ما زال بعيدًا عن هدفه.
ربما لهذا السبب يستمر الناس في الرحيل.
ليس لأنهم يكرهون ما يملكون.
بل لأنهم يريدون معرفة ما يوجد بعد التل الأخير.
أغلق الدفتر.
ووضعه بجوار سريره.
أما خارج النافذة...
فكانت القرية ما تزال كما هي.
هادئة.
صغيرة.
ومألوفة.
لكن بالنسبة لكايل...
لم تعد تبدو العالم كله كما كانت من قبل.
...الكارثة.