الفصل 42: نصف الحقيقة
مر أسبوع كامل بعد اختفاء الكتاب.
هدأت الأحاديث تدريجيًا حتى كاد معظم القرويين ينسون الأمر.
الجميع...
عدا شخصين.
آيرا.
وكايل.
لم يكن السبب فضولًا فقط.
بل لأن الخريطة الناقصة بقيت دون تفسير.
وكأنها سؤال لم يجد جوابًا.
في صباح هادئ اجتمع الثلاثة قرب مخزن الحبوب القديم.
رين كان يحمل تفاحة كعادته.
وآيرا تحمل أوراقها.
أما كايل فكان ينظر إلى النسخة التي رسمتها للخريطة.
قال رين:
"ما زلت لا أفهم لماذا ننظر إلى خطوط باهتة منذ أسبوع."
أجاب كايل:
"لأننا لا نعرف معناها."
"وهذا بالضبط سبب تجاهلي لها."
تنهدت آيرا.
ثم وضعت الورقة فوق صندوق خشبي.
"هناك شيء لم أخبركما به."
رفع كايل رأسه.
هذه الجملة وحدها كانت كافية لجذب انتباهه.
أما رين فتوقف عن أكل التفاحة.
وهو أمر نادر الحدوث.
أخذت آيرا نفسًا هادئًا.
ثم أشارت إلى طرف الخريطة.
"هذا الجزء ممزق."
"نعرف ذلك."
قال رين.
هزت رأسها.
"لا. أقصد أن هناك شيئًا كان مرسومًا هنا."
صمتت لحظة.
"وعندما رأيت الكتاب لأول مرة كان الجزء موجودًا."
تجمد كايل.
"ماذا؟"
أومأت.
"رأيته لثوانٍ فقط."
"ثم اختفى لاحقًا."
اتسعت عينا رين.
"يعني أن أحدًا مزق جزءًا من الخريطة عمدًا؟"
"أعتقد ذلك."
ساد الصمت.
هذه أول مرة يشعر كايل أن الموضوع أكبر من مجرد كتاب قديم.
إذا كان شخص ما أخفى جزءًا من الخريطة...
فهذا يعني أن الجزء المفقود مهم.
مهم لدرجة تستحق الإخفاء.
قال كايل:
"هل تتذكرين ما كان فيه؟"
أغمضت آيرا عينيها.
ثم حاولت التذكر.
"ليس كثيرًا."
"لكن..."
ترددت.
"أذكر رمزًا."
"أي رمز؟"
فتحت عينيها.
"نفس الرمز الموجود على علامة الطريق التي وجدها رين."
ساد الصمت مرة أخرى.
هذه المرة حتى رين لم يمزح.
لأن الأمر لم يعد مصادفة.
الخريطة.
الكتاب.
علامة الطريق.
كلها أصبحت مرتبطة بخيط واحد.
خيط لم يفهموه بعد.
في تلك الليلة لم يستطع كايل النوم بسرعة.
جلس قرب النافذة.
وأخرج الورقة التي نسختها آيرا.
بدأ يدرس الخطوط مجددًا.
بهدوء.
ودون استعجال.
ثم فجأة لاحظ شيئًا.
شيئًا صغيرًا جدًا.
الدائرة المكتوب قربها "الأرشيف" لم تكن في منتصف الخريطة.
بل على طرفها تقريبًا.
تجمد.
ثم أعاد النظر مرة ثانية.
وثالثة.
نعم.
إذا كانت الخريطة كاملة فعلًا...
فالأرشيف ليس وجهة نهائية.
بل مجرد محطة.
وهذا غيّر كل شيء.
لأن معنى ذلك بسيط.
إذا كان الأرشيف محطة...
فهناك شيء أكبر بعده.
شيء لم يصلوا إليه بعد.
شعر بقشعريرة خفيفة.
ليس بسبب الخوف.
بل بسبب ذلك الشعور الذي يرافق كل اكتشاف حقيقي.
الشعور بأنك أمسكت بطرف خيط طويل.
ولا تعرف إلى أين سيقودك.
عندها فقط...
ظهر الإحساس القديم مجددًا.
الإحساس المرتبط بالمحاكي.
هادئ.
بعيد.
لكنه أوضح من السابق.
وكأن النظام نفسه استجاب لاكتشافه.
ولأول مرة منذ أشهر...
شعر كايل أن المحاكاة التالية لم تعد بعيدة جدًا.
فتح دفتره.
ثم كتب:
سجل المحاكاة
اليوم الأربعون.
بعض الأسرار لا تكمن في ما نراه.
بل في ما أزيل عمدًا.
الجزء المفقود من الخريطة قد يكون أكثر أهمية من الجزء المتبقي.
وربما...
نصف الحقيقة أخطر من الجهل الكامل.
أغلق الدفتر.
ورفع رأسه نحو السماء المظلمة.
في مكان ما خارج حدود القرية...
كانت هناك إجابات.
لكن الوصول إليها...
لن يكون سهلًا.
نهاية الفصل
...الكارثة.