مرت الأيام التالية بهدوء نسبي. عادت القرية إلى روتينها المعتاد، وعاد كايل إلى تدريباته وأعماله اليومية. لكن رغم ذلك، بقي شعور غريب يرافقه منذ اكتشاف أمر الخريطة. لم يكن شعورًا بالخطر، بل أشبه بإحساس شخص يقف أمام باب مغلق ويعلم أن خلفه شيئًا مهمًا، لكنه لا يملك المفتاح بعد.
في ذلك الصباح كان يساعد العم هارون في قطع الأخشاب قرب أطراف الغابة. كانت السماء صافية، والهواء باردًا على غير العادة رغم اقتراب الصيف.
رفع هارون رأسه فجأة ونظر نحو الأشجار.
"هل تشعر بها؟"
توقف كايل عن العمل.
"بماذا؟"
"الرياح."
استمع كايل للحظة.
كانت هناك بالفعل نسمات قوية تمر بين الأغصان.
"وما الغريب فيها؟"
غرس هارون فأسه في الجذع وقال بهدوء:
"إنها لا تأتي من الاتجاه المعتاد."
عبس كايل قليلًا.
لم يفهم المقصود.
لكن العم هارون لم يشرح أكثر.
وكعادته... ترك السؤال معلقًا.
في المساء بدأت تظهر أمور صغيرة غريبة.
الطيور التي تعشش قرب الحقول حلقت أبكر من المعتاد.
بعض الحيوانات شوهدت تقترب من أطراف القرية.
حتى الصيادون لاحظوا أن الغابة أصبحت أكثر هدوءًا.
هدوء غير طبيعي.
جلس كايل مع رين قرب البوابة الجنوبية.
كانا يراقبان الغروب.
قال رين فجأة:
"أتعرف؟"
"ماذا؟"
"أكره هذا النوع من الأيام."
نظر إليه كايل باستغراب.
"أي نوع؟"
حك رين رأسه.
"الأيام التي يبدو فيها كل شيء طبيعيًا... لكنك تشعر أن هناك شيئًا خاطئًا."
تفاجأ كايل من دقة الوصف.
لأن هذا بالضبط ما كان يشعر به.
في الليلة نفسها اجتمع عدد من كبار القرية مع العم هارون.
لم يُدعَ الشباب إلى الاجتماع.
لكن الأخبار انتشرت بسرعة.
بعض الحراس رأوا آثار أقدام كبيرة قرب التلال الشرقية.
وليست آثار حيوان عادي.
لم يسبب الأمر ذعرًا.
فالغابة الواسعة تحتوي دائمًا على مخلوقات مختلفة.
لكن وجودها قرب حدود القرية لم يكن مألوفًا.
عندما عاد كايل إلى منزله لم يشعر بالنعاس.
جلس قرب النافذة يراقب الظلام.
كانت القرية هادئة.
هادئة أكثر مما ينبغي.
وفجأة تذكر شيئًا من حياته السابقة.
قبل العواصف الكبيرة...
كان البحر يصبح هادئًا بشكل مخيف.
ابتسم بسخرية.
ربما كان يبالغ في التفكير.
وربما لا.
أخرج دفتره الصغير وبدأ يكتب.
سجل المحاكاة
اليوم الحادي والأربعون.
كل شيء يبدو طبيعيًا.
لكنني بدأت أتعلم أن المظاهر لا تكفي.
الرياح تغير اتجاهها قبل أن يشعر الناس.
والحيوانات تلاحظ أشياء لا نلاحظها.
ربما العالم يتحدث دائمًا.
لكننا نادراً ما نصغي إليه.
أغلق الدفتر.
واستلقى فوق فراشه.
هذه المرة لم يظهر أي إشعار.
لم يتحرك المحاكي.
ولم يحدث شيء استثنائي.
لكن قبل أن ينام بلحظات...
شعر بذلك الإحساس مجددًا.
إحساس خافت.
كأن خيطًا غير مرئي بدأ يشتد ببطء.
ليس من جهة الأرشيف.
ولا من جهة الخريطة.
بل من جهة أخرى تمامًا.
جهة لم يكن يتوقعها.
في صباح اليوم التالي...
وصل أول خبر سيغير هدوء القرية.
خبر صغير في ظاهره.
لكن تأثيره سيمتد لأشهر طويلة.
...الكارثة.