الفصل 48: الدعوة التي لم تكن دعوة
لم يكن خبر الآثار الجديدة أمرًا يمكن تجاهله.
خلال اليوم التالي انتشرت حالة من التوتر الخافت في أنحاء القرية.
لم يصل الأمر إلى الخوف.
لكن الجميع أصبح أكثر انتباهًا.
الحراس ضاعفوا دورياتهم.
والصيادون توقفوا عن الابتعاد كثيرًا داخل الغابة.
أما الأطفال...
فمُنعوا من اللعب قرب الأطراف الخارجية.
لأول مرة منذ وصوله إلى هذا العالم شعر كايل أن القرية فقدت جزءًا من هدوئها المعتاد.
في الصباح خرج مع رين نحو التلال القريبة.
لم يكن هدفهما البحث عن الآثار.
بل مراقبة المنطقة من مكان مرتفع.
كانت السماء ملبدة ببعض الغيوم الرمادية.
والرياح أبرد من المعتاد.
جلس الاثنان فوق صخرة كبيرة تطل على الأشجار الممتدة حتى الأفق.
قال رين فجأة:
"هل تعتقد أن شيئًا سيئًا سيحدث؟"
نظر كايل نحو الغابة.
ثم أجاب بعد تفكير:
"لا أعرف."
كانت إجابة صادقة.
لأنه فعلًا لم يكن يعرف.
لكن ما كان يقلقه ليس الخطر نفسه.
بل الغموض.
العدو المعروف يمكن الاستعداد له.
أما المجهول...
فهو يترك العقل ينسج أسوأ الاحتمالات.
وبينما كانا يتحدثان لمح كايل حركة بين الأشجار البعيدة.
شخص.
أو بالأحرى...
رجل يتحرك بسرعة.
ضيق عينيه.
ثم أدرك من يكون.
لوسيان.
كان يتجه نحو الشرق.
بعيدًا عن القرية.
وكأنه يتعقب شيئًا.
تبادل كايل ورين النظرات.
ثم نهضا دون اتفاق مسبق.
وتحركا خلفه.
لم يقتربا كثيرًا.
لكن المسافة كانت كافية لرؤيته.
كان يتوقف أحيانًا.
يفحص الأرض.
ثم يكمل طريقه.
كشخص يتتبع أثرًا خفيًا.
استمرت المطاردة الصامتة قرابة نصف ساعة.
إلى أن وصل لوسيان إلى منطقة مهجورة قرب النهر القديم.
وهناك...
توقف فجأة.
وانحنى نحو الأرض.
ثم التقط شيئًا صغيرًا.
لم يستطع كايل رؤية ما هو.
لكن ملامح الرجل تغيرت فورًا.
اختفت ابتسامته المعتادة.
وحل مكانها عبوس واضح.
بعد لحظات استدار لوسيان.
ونظر مباشرة نحو المكان الذي يختبئ فيه كايل.
تجمد الاثنان.
ثم سمعا صوته.
"يمكنكما الخروج."
تنهد رين.
"أخبرتك أنه سيكتشفنا."
خرجا من خلف الأشجار.
وكان لوسيان ينتظرهما بالفعل.
لم يبدُ غاضبًا.
لكن نظراته كانت جادة بشكل غير معتاد.
قال كايل:
"ماذا وجدت؟"
نظر لوسيان إلى الشيء في يده.
ثم تردد.
لثوانٍ طويلة.
وأخيرًا فتح كفه.
كانت قطعة معدنية صغيرة.
صدئة.
ومكسورة من أحد الأطراف.
لكن الرمز نفسه كان محفورًا عليها.
شعر كايل بأن الخيط يضيق أكثر فأكثر.
كل طريق يقوده إلى الرمز.
كل دليل يعود إليه.
لكن المعنى ما يزال مجهولًا.
قال لوسيان بصوت منخفض:
"كنت آمل أن أكون مخطئًا."
"مخطئ بشأن ماذا؟"
رفع الرجل نظره.
ثم قال:
"الرمز لم يعد مجرد أثر قديم."
ساد الصمت.
وأكمل:
"هناك شخص ما يترك هذه العلامات حديثًا."
شعر كايل بقشعريرة خفيفة.
حديثًا؟
هذا يعني أن الأمر ليس من بقايا الماضي فقط.
بل شيء يحدث الآن.
في هذا الزمن.
وفي هذه المنطقة.
قال رين:
"هل تعرف من يفعل ذلك؟"
هز لوسيان رأسه.
"لو كنت أعرف لما أمضيت ثلاث سنوات أبحث."
كانت الإجابة محبطة.
لكنها منطقية.
بعد دقائق عاد الثلاثة نحو القرية.
وخلال الطريق لم يتحدث أحد كثيرًا.
كان كل واحد منهم غارقًا في أفكاره.
أما كايل...
فكان يشعر أن شيئًا ما بدأ يقترب أخيرًا من السطح.
كأن سنوات من الأسرار تتحرك ببطء نحو لحظة الانكشاف.
لكن قبل أن يصلوا إلى البوابة...
توقف لوسيان فجأة.
ثم نظر إلى كايل.
"إذا اكتشفت شيئًا جديدًا عن الرمز..."
صمت لحظة.
ثم أكمل:
"تعال وأخبرني أولًا."
عبس كايل.
"لماذا أنا؟"
ابتسم لوسيان ابتسامة غريبة.
ليست ساخرة.
وليست ودودة بالكامل.
ثم قال:
"لأنني أشعر أن الطريق اختارك قبل أن تختاره."
وغادر بعدها مباشرة.
تاركًا كايل واقفًا مكانه.
تتردد الكلمات داخل عقله.
الطريق اختارك.
لسبب ما...
لم تعجبه الجملة.
ولم تريحه أيضًا.
في تلك الليلة فتح دفتره.
وكتب:
سجل المحاكاة
اليوم السادس والأربعون.
كنت أعتقد أنني أبحث عن الإجابات.
لكن ربما الإجابات تبحث عني أيضًا.
وهذا احتمال أكثر خطورة مما توقعت.
أغلق الدفتر ببطء.
ثم نظر عبر النافذة.
وفي أعماقه...
بدأ يشعر أن الأيام القادمة لن تشبه الأيام الماضية.
وأن هدوء القرية الطويل...
يقترب من نهايته.
نهاية الفصل
...الكارثة.