الفصل 50: الليلة التي تغيّر فيها شيء
مرّت الأيام التالية ببطء.
هادئة من الخارج.
لكن تحت هذا الهدوء كانت الخيوط تتحرك.
كايل شعر بذلك.
ولوسيان شعر بذلك.
وربما حتى العم هارون.
أما بقية القرويين فلم يروا سوى أيام عادية تمر كما مرت مئات الأيام قبلها.
لكن التغيير الحقيقي لا يعلن عن نفسه.
إنه يبدأ دائمًا بصمت.
في ذلك المساء اجتمعت سحب رمادية فوق السماء.
لم تكن عاصفة كبيرة.
لكن الرياح حملت معها برودة غريبة.
برودة جعلت الكثيرين يغلقون نوافذهم مبكرًا.
كان كايل يجلس داخل منزله يراجع ملاحظاته القديمة.
أوراق متناثرة.
رسومات للرمز.
نسخة الخريطة الناقصة.
وملاحظات كتبها خلال الأشهر الماضية.
عندما جمعها أمامه أدرك شيئًا.
رغم كل ما حدث...
ما يزال يجهل أهم سؤال.
لماذا بدأ كل هذا أصلًا؟
ليس من رسم الرمز.
ولا من أخفى الخريطة.
بل لماذا؟
ما الهدف؟
كان هذا السؤال هو الحلقة المفقودة.
أغلق عينيه قليلًا.
ثم تنهد.
المعلومات ما تزال قليلة.
وأي استنتاج الآن سيكون مجرد تخمين.
نهض من مكانه.
وخرج إلى الخارج.
كانت السماء قد أظلمت بالكامل.
والرياح تعبر بين المنازل بصوت منخفض.
توجه نحو التل المعتاد.
المكان الذي اعتاد التفكير فيه عندما تزدحم الأفكار داخل رأسه.
وعندما وصل...
وجد شخصًا يجلس هناك بالفعل.
لوسيان.
لم يتفاجأ هذه المرة.
جلس بجانبه دون كلام.
ومرت عدة دقائق في صمت.
قبل أن يقول لوسيان فجأة:
"هل سبق أن شعرت أن الطريق يقودك بدل أن تقوده أنت؟"
ابتسم كايل بخفة.
"أصبحت تطرح أسئلة غريبة كثيرًا."
ضحك الرجل.
لكن ضحكته لم تدم طويلًا.
ثم عاد ينظر نحو الأفق.
"أنا جاد."
سكت قليلًا.
"أحيانًا أشعر أنني لم أعد أبحث."
"بل يتم سحبي."
لم يجب كايل.
لأنه فهم المقصود.
بل أكثر مما ينبغي.
فهو نفسه بدأ يشعر بشيء مشابه.
منذ المحاكاة الأولى.
ومنذ ظهور الرمز.
وكأن حياته تسير نحو نقطة لا يراها بعد.
لكنها موجودة.
في مكان ما أمامه.
وفجأة...
قطع صوت بعيد ذلك الهدوء.
صوت قرن.
عميق.
وحاد.
وقادم من جهة الشرق.
وقف الاثنان فورًا.
نظر كل منهما نحو الآخر.
لأنهما سمعاه بوضوح.
ثم دوى الصوت مرة ثانية.
هذه المرة أقرب.
وأطول.
وفي القرية بدأت الأنوار تشتعل.
وخرج الناس من منازلهم.
الحراس أمسكوا أسلحتهم.
والصيادون تجمعوا قرب البوابة.
حتى العم هارون ظهر بسرعة غير معتادة.
تحرك الجميع نحو الجهة الشرقية.
وعندما وصلوا إلى البوابة...
رأوا شيئًا عند الأفق.
ضوء.
عدة أضواء.
تتحرك وسط الظلام.
ببطء.
لكن بثبات.
كانت بعيدة جدًا.
لكنها تتجه نحو القرية مباشرة.
ساد الصمت.
أحد الحراس ابتلع ريقه.
وقال:
"هل هي قافلة؟"
لم يجبه أحد.
لأن المسافة ما تزال كبيرة.
لكن شيئًا واحدًا كان مؤكدًا.
هناك أشخاص قادمون.
وليس شخصًا واحدًا هذه المرة.
بل مجموعة كاملة.
شعر كايل بأن قلبه ينبض أسرع.
ليس خوفًا.
بل لأن حدسه أخبره بشيء.
الأحداث التي بدأت بكتاب قديم.
ثم خريطة ناقصة.
ثم رمز غامض.
وأثر مجهول.
تقترب الآن من مرحلة جديدة.
مرحلة لن تعود بعدها الأمور كما كانت.
وفي تلك اللحظة...
ولأول مرة منذ فترة طويلة...
ظهر ضوء خافت أمام عينيه.
أضعف من أن يراه أحد غيره.
ثم ظهرت جملة واحدة فقط.
تم استيفاء أحد شروط المسار الرئيسي.
اختفت الكلمات فورًا.
لكن كايل بقي متجمدًا مكانه.
لأنها كانت مختلفة.
ليست رسالة عشوائية.
وليست تنبيهًا عاديًا.
بل شيء انتظره المحاكي طويلًا.
شيء بدأ أخيرًا.
رفع رأسه نحو الأضواء البعيدة.
وشعر للمرة الأولى...
أن حياته في هذا العالم على وشك الدخول إلى فصل جديد بالكامل.
نهاية الفصل
...الكارثة.