الفصل 51: القادمون من الطريق الرمادي
بقيت الأضواء تتحرك وسط الظلام.
ببطء.
وبانتظام.
كأنها نجوم صغيرة هبطت إلى الأرض وبدأت تزحف عبر التلال.
وقف أهل القرية عند البوابة الشرقية يراقبون بصمت.
لم يتحدث أحد.
حتى الأطفال الذين تجمعوا خلف الكبار شعروا أن الوضع مختلف هذه المرة.
الأمر لم يكن فضولًا.
بل ترقبًا.
كل دقيقة كانت تجعل الأضواء أقرب.
أوضح.
وأكثر عددًا.
حتى أصبح بالإمكان رؤية العربات.
والخيول.
والأشخاص الذين يسيرون حولها.
تنفس أحد الحراس الصعداء.
"إنها قافلة فعلًا."
لكن أحدًا لم يشاركه الارتياح الكامل.
لأن القوافل لا تسلك هذا الطريق عادة.
همس العم هارون:
"غريب..."
التقط كايل الكلمة فورًا.
"ما الغريب؟"
ظل العجوز يراقب القادمين.
ثم قال:
"هذا الطريق شبه مهجور منذ سنوات."
"لا يوجد سبب يدفع قافلة كبيرة لاستخدامه."
ترسخت الملاحظة داخل عقل كايل.
ففي الفترة الأخيرة تعلم شيئًا مهمًا.
الأحداث الغريبة نادرًا ما تكون مصادفات.
بعد نحو نصف ساعة وصلت القافلة أخيرًا.
ثلاث عربات كبيرة.
وعدد من الخيول.
وما يقارب عشرين شخصًا بين حراس ومسافرين.
تقدم رجل في منتصف العمر نحو البوابة.
كان يرتدي معطفًا بنيًا بسيطًا.
لكن طريقة وقوفه أوحت بخبرة طويلة.
انحنى باحترام.
وقال:
"مساء الخير."
"أنا موريس."
"قائد هذه القافلة."
تبادل الحراس النظرات.
ثم سمحوا لهم بالدخول بعد بعض الأسئلة المعتادة.
وسرعان ما بدأت الساحة تمتلئ بالحركة.
كان أهل القرية نادرًا ما يرون غرباء.
لهذا تحولت القافلة بسرعة إلى محور اهتمام الجميع.
أما كايل فلاحظ شيئًا مختلفًا.
بين أفراد القافلة كانت هناك فتاة تجلس فوق إحدى العربات.
في عمر قريب من عمره.
شعر أسود قصير.
وعينان حادتان تراقبان المكان بصمت.
لم تكن تتحدث مع أحد.
ولم تبدُ مهتمة بالضوضاء حولها.
بل كانت تراقب.
تمامًا كما يفعل هو غالبًا.
للحظة قصيرة التقت أعينهما.
ثم حولت نظرها دون اكتراث.
وكأن الأمر لا يعنيها.
ابتسم كايل بخفة.
شخصية غريبة أخرى.
لكن قبل أن يفكر أكثر ظهر لوسيان بجانبه.
دون صوت كعادته.
قال بهدوء:
"هل لاحظتها؟"
رفع كايل حاجبه.
"الفتاة؟"
أومأ لوسيان.
ثم أضاف:
"لم تأتِ مع القافلة."
تجمد كايل.
"ماذا؟"
"كانت معهم عندما وصلوا."
"لكنها ليست منهم."
عبس كايل.
هذه أول مرة يسمع شيئًا كهذا.
كيف عرف؟
وقبل أن يسأل كان لوسيان قد غادر بالفعل.
مخلفًا وراءه سؤالًا جديدًا.
تنهد كايل.
بدأ يعتقد أن هذا الرجل يستمتع بإرباك الآخرين.
مع مرور الوقت بدأت القافلة تستقر داخل القرية.
وأُشعلت النيران الصغيرة.
وانشغل الجميع بالحديث والتجارة.
لكن شيئًا آخر جذب انتباه كايل.
شيء بسيط جدًا.
وربما لم يلاحظه أحد غيره.
على إحدى العربات القديمة.
في زاوية خشبية شبه مخفية.
كان هناك خدش صغير.
مجرد خطوط باهتة.
لكنها شكلت رمزًا مألوفًا.
الرمز نفسه.
توقف قلبه للحظة.
ثم اقترب بهدوء.
وتأكد.
نعم.
لم يكن يتخيل.
كان الرمز موجودًا فعلًا.
لكنه مختلف قليلًا.
أقدم.
وأقل وضوحًا.
وكأنه رُسم منذ سنوات طويلة.
شعر أن الأمور بدأت تتشابك مجددًا.
القافلة.
الطريق المهجور.
لوسيان.
والرمز.
كل شيء يعود إلى النقطة نفسها.
لكن بدل أن يقترب من الجواب...
كان يشعر أن حجم اللغز يزداد.
في تلك الليلة عاد إلى منزله متأخرًا.
جلس قرب النافذة.
وأخرج دفتره.
ثم كتب:
سجل المحاكاة
اليوم الثامن والأربعون.
عندما كنت صغيرًا كنت أعتقد أن العالم يشبه الخريطة.
أماكن منفصلة بخطوط واضحة.
لكن الحقيقة مختلفة.
كل طريق يتصل بطريق آخر.
وكل شخص يحمل جزءًا من قصة لا تعرفها.
وربما...
أكثر اللحظات خطورة ليست عندما تواجه المجهول.
بل عندما تدرك أن المجهول كان يسير نحوك منذ البداية.
أغلق الدفتر ببطء.
ثم نظر عبر النافذة.
في الخارج كانت أضواء القافلة ما تزال مضاءة.
لكن شيئًا في أعماقه أخبره أن وصول هؤلاء الغرباء ليس نهاية حدث.
بل بدايته.
وفي مكان ما داخل القرية...
كان شخص آخر مستيقظًا.
شخص لم يكن من أهل القرية.
ولم يكن من القافلة.
وكان يراقب الجميع بصمت.
نهاية الفصل
...الكارثة.