الفصل 55: أول خطوة خارج الدائرة
لم ينم كايل جيدًا تلك الليلة.
لم يكن السبب الحجر القديم.
ولا الإشعار الذي ظهر من المحاكي.
بل الشعور الغريب الذي رافقه منذ وصول القافلة.
شعور يشبه الوقوف أمام باب مغلق.
باب يعرف الإنسان أن خلفه شيئًا مهمًا.
لكنه لا يملك المفتاح بعد.
مع بزوغ الفجر خرج من منزله.
كانت الضبابات الخفيفة تغطي أطراف القرية.
والهواء البارد يحمل رائحة الأشجار الرطبة.
للحظة بدت القرية كما كانت دائمًا.
هادئة.
بسيطة.
بعيدة عن الأسرار.
لكن كايل عرف أن هذا مجرد وهم.
فالأماكن لا تبقى كما هي إلى الأبد.
والأحداث الأخيرة أثبتت ذلك.
بينما كان يسير قرب الساحة لمح حركة غير معتادة.
أفراد القافلة كانوا يستعدون للرحيل.
الخيول تُجهز.
والعربات تُحمّل.
والتجار يجمعون بضائعهم.
كان واضحًا أنهم سيغادرون اليوم.
توقف كايل للحظات يراقب المشهد.
ثم شعر بشيء غريب.
شيء لم يتوقعه.
نوع من الفراغ.
لم يعرف معظم هؤلاء الناس.
ولم يقضِ معهم سوى أيام قليلة.
ومع ذلك...
فكرة رحيلهم جعلته يدرك شيئًا.
العالم لا ينتظر أحدًا.
الناس يأتون.
ويرحلون.
أما من يبقى واقفًا في مكانه...
فسيشاهد الطرق تختفي أمامه واحدًا تلو الآخر.
أثناء تفكيره اقترب منه موريس.
قائد القافلة.
ابتسم الرجل ابتسامة هادئة.
وقال:
"كنت أبحث عنك."
رفع كايل حاجبه.
"عني؟"
أومأ موريس.
ثم أخرج لفافة جلدية صغيرة.
"وجدنا هذه بين بعض الأغراض القديمة."
ناولها له.
"أظن أنها قد تهمك."
نظر كايل باستغراب.
"ولماذا أنا؟"
ضحك الرجل بخفة.
"لأنك الوحيد في هذه القرية الذي ينظر إلى الأشياء وكأنه يحاول سماع ما لا تقوله."
لم يعرف كايل كيف يرد على ذلك.
فاكتفى بأخذ اللفافة.
ثم فتحها بحذر.
كانت خريطة.
قديمة جدًا.
لكن الغريب أنها لم تكن خريطة لمدينة أو دولة.
بل لطرق.
طرق فقط.
شبكة طويلة من الخطوط الممتدة عبر مناطق مختلفة.
بعضها واضح.
وبعضها مقطوع.
وبعضها ينتهي فجأة في أماكن فارغة.
وكأن جزءًا من الخريطة مفقود.
وفي الزاوية السفلية كانت هناك جملة باهتة بالكاد تُقرأ:
"كل طريق يبدأ بخطوة... إلا هذا الطريق."
شعر كايل بقشعريرة خفيفة.
لم يفهم السبب.
لكن الجملة بدت مألوفة بشكل غريب.
كأن عقله سمعها من قبل.
في مكان ما.
وزمان لا يتذكره.
قبل أن يتمكن من التفكير أكثر...
ظهر لوسيان فجأة.
وكعادته بدا وكأنه خرج من الهواء نفسه.
نظر إلى الخريطة.
ثم اتسعت عيناه قليلًا.
وهو أمر نادر الحدوث.
"من أين حصلت عليها؟"
سأل بصوت منخفض.
أشار موريس إلى إحدى العربات.
"كانت مخبأة داخل صندوق قديم."
ساد الصمت.
ثم قال لوسيان:
"هذه ليست خريطة عادية."
"أعرف."
رد موريس.
"لهذا لم أرغب بالاحتفاظ بها."
نظر كايل بين الاثنين.
ثم سأل:
"ماذا تعني؟"
لكن هذه المرة لم يجبه أي منهما.
كان الصمت كافيًا.
فكلاهما يعرف أقل مما يحتاج.
وأكثر مما يريد قوله.
بعد ساعات قليلة غادرت القافلة أخيرًا.
تحركت العربات عبر الطريق الشرقي.
واختفت تدريجيًا خلف التلال.
أما الفتاة صاحبة الخريطة...
فلم تغادر معهم.
وهذا ما أثار دهشة كايل.
كان يظن أنها جزء منهم.
لكنها بقيت.
تقف وحدها قرب أطراف القرية.
تراقب الطريق البعيد.
كما لو أنها تنتظر شخصًا.
أو قرارًا.
اقترب منها.
ثم سأل:
"ألن ترحلي معهم؟"
نظرت إلى العربات البعيدة.
ثم قالت:
"لم آتِ معهم."
كانت الإجابة بسيطة.
لكنها أكدت شكوكه القديمة.
تابعت بهدوء:
"ما أبحث عنه لم أجده بعد."
ثم غادرت قبل أن يسأل شيئًا آخر.
وتركت خلفها سؤالًا جديدًا.
كعادتها.
مع اقتراب الليل عاد كايل إلى منزله.
وأخرج الخريطة القديمة مرة أخرى.
جلس يتأملها لساعات.
حتى لاحظ شيئًا.
أحد الخطوط المرسومة عليها...
ينتهي تقريبًا عند المنطقة التي تقع فيها قريتهم.
لكن الخط لم يكن مكتملًا.
بل مقطوعًا.
وكأن شيئًا أزال الجزء الأخير عمدًا.
وفي تلك اللحظة ظهر ضوء المحاكي أمامه.
لكن هذه المرة لم تظهر رسالة طويلة.
بل سطر واحد فقط.
تم العثور على جزء من مسار مفقود.
ثم اختفى الضوء.
بسرعة.
كما ظهر.
حدق كايل في المكان الفارغ طويلًا.
ثم أعاد نظره إلى الخريطة.
وللمرة الأولى منذ زمن...
لم يشعر أنه يقترب من سر.
بل شعر أنه يقف على حافة رحلة.
رحلة لم تبدأ بعد.
لكن أول خطوة فيها...
اقتربت أكثر من أي وقت مضى.
نهاية الفصل
...الكارثة.