كان المطر ما يزال يهطل بغزارة، محولًا شوارع القرية إلى مستنقعات من الوحل والدماء. أصوات الصراخ والوحوش امتزجت مع صوت الرعد في مشهد فوضوي جعل كايل يدرك أخيرًا أنه لم يعد في عالمه الأصلي.
نهض بسرعة بعد السهم الذي أنقذه، ونظر نحو الفتاة الواقفة فوق السطح. لم يكن هناك وقت للأسئلة، فذئب آخر خرج من بين الضباب وانقض عليه مباشرة.
هذه المرة لم يتجمد.
قفز جانبًا قبل وصول المخالب إليه بلحظة، ثم التقط قطعة خشب سقطت من عربة مكسورة وضرب بها رأس الوحش بكل قوته.
لم تكن الضربة مؤثرة.
بل بالكاد جعلت الوحش يتراجع خطوة.
لكنها علمته شيئًا مهمًا.
هذا الجسد أضعف مما ظن.
أضعف بكثير.
"إذن لا يمكنني الاعتماد على القوة..."
قالها في نفسه وهو يراقب الوحش يدور حوله ببطء.
في تلك اللحظة ظهر إشعار أمام عينيه.
تحليل أولي
نقاط القوة:
هدوء تحت الضغط.
سرعة التعلم.
نقاط الضعف:
جسد ضعيف.
انعدام الخبرة القتالية.
كاد كايل يضحك.
حتى المحاكي يعترف بأنه عديم الفائدة حاليًا.
لكن قبل أن يفكر أكثر، سقط سهم آخر بجوار الوحش. التفت كايل نحو مصدره، فرأى الفتاة نفسها تشير إلى زقاق جانبي.
"إذا كنت تريد القتال، فمت هناك. أما إذا كنت تريد النجاة، فاتبعني."
ثم اختفت عن السطح.
لثانية تردد.
لكن قرارًا كهذا لم يحتج وقتًا طويلًا.
ركض.
وركض بأقصى ما يستطيع.
خلفه كان الذئب يطارده، وأمامه طرقات ضيقة لا يعرف عنها شيئًا. انعطف يسارًا ثم يمينًا، حتى دخل إلى ساحة صغيرة خلف مجموعة من المنازل.
هناك وجد الفتاة تنتظره.
لم تكن وحدها.
كان هناك أربعة أشخاص آخرين.
رجل عجوز يحمل رمحًا قديمًا.
شاب ضخم الجثة يمسك فأسًا صدئًا.
فتى نحيف في مثل عمر كايل تقريبًا.
وامرأة في منتصف العمر تضع الضمادات على المصابين.
نظر الجميع إليه للحظة.
ثم عادوا إلى أعمالهم.
وكأنه غير مهم.
لسبب ما شعر كايل بالارتياح.
هؤلاء أول أشخاص منذ دخوله هذا العالم لم ينظروا إليه كأنه بطل أو منقذ.
بل مجرد شخص آخر يحاول البقاء حيًا.
قالت الفتاة وهي تنزل من فوق الصندوق الخشبي الذي كانت تقف عليه:
"اسمك؟"
"كايل."
"أنا آيرا."
ثم أشارت إلى الآخرين واحدًا تلو الآخر.
"هذا العم هارون. وهذا بران. وهذا لوك."
توقفت قليلًا.
"أما تلك فهي ميرا."
أومأ كايل برأسه.
لكنه لاحظ شيئًا غريبًا.
رغم أنهم يبدون كمجموعة عادية...
إلا أن نظراتهم كانت مختلفة.
هادئة أكثر مما ينبغي.
كأنهم اعتادوا على هذه الكوارث.
وكأن هذه ليست المرة الأولى.
لاحظت آيرا نظرته فقالت:
"لا تنظر إلينا هكذا. هذه ليست أول موجة وحوش."
عبس كايل.
"موجة؟"
تنهد العم هارون وأجاب بدلًا عنها:
"كل عدة أشهر تخرج الوحوش من الغابة السوداء. في كل مرة تصبح أقوى."
سكت قليلًا.
ثم أضاف:
"وفي كل مرة يموت المزيد من الناس."
ساد الصمت للحظات.
شعر كايل أن هناك شيئًا أكبر خلف هذه الهجمات.
شيئًا لم يفهمه بعد.
لكن قبل أن يسأل...
دوى انفجار هائل من جهة البوابة.
اهتزت الأرض تحت أقدامهم.
وتغيرت وجوه الجميع فورًا.
حتى آيرا التي بدت هادئة طوال الوقت شحب وجهها.
"لا..."
همست.
"لقد وصل."
نظر إليها كايل.
"من؟"
لكن قبل أن تجيب، ظهر إشعار جديد أمام عينيه.
حدث خاص
تم اكتشاف كائن محوري.
درجة الخطر: مرتفعة.
احتمالية النجاة الحالية: 31%
اتسعت عينا كايل.
هذه أول مرة يستخدم المحاكي مصطلح "كائن محوري".
وفي اللحظة التالية...
ارتفع زئير مرعب من قلب الغابة.
زئير لم يشبه أي وحش سمعه من قبل.
شعر كايل بقشعريرة تسري في جسده كله.
لسبب لا يعرفه...
أحس أن هذا الزئير سيغير مجرى حياته بالكامل.
...الكارثة.