لا يمكن لأي كاتب أو قارئ أو أي كانٍ أن ينكر أهمية الحوار داخل رواية أو قصةٍ، لأنه العنصر الأساسي الذي يجذب القارئ لـتتبع السطور بترقّب. فالحوار يكسر رتابة السرد ويسرع وتيرة الأحداث، وقد يكشف لنا عن بعض الأسرار والأحداث أو حتى المشاعر الجياشة.
فضلاً عن وظائفه المتعددة، وأهدافه وغاياته، فإن الحوار عنصر محبب لدى القراء. فقد يؤدي عدم إدراج الحوار لوقتٍ طويلٍ إلى ملل القارئ ونفوره من استئناف القراءة. لذا، يجب بين الفينة والأخرى، أن تعيد جذب انتباه القارئ وحماسه نحو روايتك عبر حوارٍ مثيرٍ. ولكن، ما الذي يثبت أن حوارك مثير؟ وما الذي قد يثبت أن حوارك ليس سيئًا في المقام الأول؟
أولاً: صيغة الحوار
قد يبدو الأمر بسيطًا، لكن للحوار صيغة معينة تستحق أن تُسمى بالصيغة المثالية، وهي وضع الحوار بين علامتي " " ثم ذكر وصفٍ مرفق، يعطينا معلوماتٍ أكثر عن القائل، حالته، أو عن الحوار ذاته، حيث قد يشرحه أو يؤكده. فالأمر يبدو هكذا:
"هل سنأكل، يا أمي؟" فتح الفتى الصغير شفتيه المرهقتين الذابلتين على مهل، وتحدث بنبرةٍ يغلبها الإنهاك ونفاذ الصبر في آنٍ. نظر إلى أمه بعيونٍ ذابلة، وانتظر الرد بلهفة.
"قريبًا، يا عزيزي، سيعود والدك بصيدٍ وفير." لم تجرؤ الأم على مواجهة صغيرها والنظر في عيونه، بل تفادت النظر إليه بإحساسٍ من الذنب، واستأنفت قطع نباتات البقول ووضعها في القدر الذي يغلي.
هكذا يكون الأمر: حوار + وصفٍ معبر وجيد. أما الأسلوب الآخر الذي استخدمه بعض الكتاب فهو كالتالي:
الإبن: هل سنأكل، يا أمي؟
الأم: قريبًا، يا صغيري، سيعود والدك بصيدٍ وفير.
هذا الأسلوب يجعل الحوار يبدو كأنه تسجيل صوتي لروبوتٍ أو شيءٍ من هذا القبيل، خالٍ من المشاعر والجودة، ويفتقر للدقة والتأثير. لذا، من المستحيل أن يستمتع به القارئ. التزم بالصيغ التي ذكرتها أعلاه لجعل القارئ مهتماً أكثر بالحوار، وبالتالي سيستمتع به أكثر.
ثانيًا: هدف الحوار
كما ذكرت، يؤدي الحوار العديد من الوظائف وله غايات عديدة. فصحيح أن الحوار أحد أكثر أجزاء الرواية متعة، إلا أن الإكثار منه ووضعه بلا هدف أو غاية يجعله يبدو فارغاً وبلا روح. حيث يلاحظ القارئ أن حوارك لم يقدم له إثارةً، ولا تشويقًا، ولا وصفًا، ولا حتى معلوماتٍ جديدةً، مما يجعله يتساءل: ما الغاية من هذا الحوار؟
حوار الأم والابن الذي ذكرته أعلاه هو حوار ذو غاية، حيث إنه يعبر عن تأثيره في القارئ ويثير شفقته لحالة العائلة المسكينة. ليس من الضروري أن يكون حوارك عاطفياً، هناك غايات كثيرة من الحوار، مثل شرح الأحداث وتبسيطها للقارئ، أو إظهار هيبة البطل بتلك العبارات الفخمة والجريئة، وغيرها.
ثالثًا: الواقعية
من المهم أن تحافظ على الواقعية في حوارك. لا يجب أن يبدو الحوار مبتذلاً أو طفولياً أو متكلفاً. إليك بعض النصائح لتحقيق ذلك:
1. استخدام علامات الترقيم : قد يبدو الأمر غير مهم، لكن علامات الترقيم تساهم بشكلٍ كبير في توصيل المعاني وتحقيق المعنى المراد. لاحظ الفرق بين الجملتين:
1. "هل تعني أنه لن يعود"
2. "هل تعني ...أنه لن يعود؟!؟"
الجملة الأولى تبدو كأن روبوتًا قالها، أما الجملة الثانية فتبدو كشيءٍ قد يقوله إنسانٌ حقيقي.
2. تجنب التكرار : أحيانًا يؤدي التكرار إلى جعل الحوار سخيفًا وقد يقطع اتصال القارئ مع الرواية. هذا ما حدث لي صباح هذا اليوم أثناء قراءة مانهوا معينة.
شرير حاول ضرب البطل قائلاً: "اذهب إلى الجحيم!"
تراجع البطل صارخًا: "بِحق الجحيم!"
كان هذا حرفيًا هو الحوار الذي قرأته، وتكرار كلمة "الجحيم" جعلني أشعر بالقشعريرة لسببٍ ما. بعد التفكير، توصلت إلى أن التكرار - الذي لا غاية منه - يزعج. وما أعنيه بالتكرار ليس تكرار الألفاظ فقط، بل أيضًا تكرار المعاني والجمل والأسماء بطريقةٍ غير منظمة. لذا، اقرأ حوارك أكثر من مرة وتأكد من عدم وجود أي شيءٍ قد يزعج القارئ.
3. تخيل الحوار : هذه تقنيتي المفضلة أثناء كتابة الحوار، وهي أن أتخيل أنني أحد أطراف الحوار. بالتالي، أستطيع أن أنتج أفكارًا جديدةً وردود فعلٍ منطقية. مثلاً، لنفترض أنك على وشك كتابة حوار حيث الشخصية 1 ستخبر الشخصية 2 أن والده قد مات. لذا يجب أن تجعل الشخصية 2 تعبر عن حزنها وضياعها بسبب فقدان والدها، لكن بعد التفكير لثوانٍ، كل ما توصلت إليه هو "أوه لا... مات والدي."
لا شك أن الأمر سخيف، لكن ماذا لو تخيلت أنك الشخصية 2؟ حينها بلا شك قد تفكر في حوارٍ أفضل، مثل:
وضع ويليام يده على كتف جيمس وربت بحميمية. لم يبدُ أنه قد يتوقف في أي وقتٍ قريب، مما أثار تساؤل جيمس. وفي لحظةٍ غير مفهومة، اقترب ويليام من أذن جيمس أكثر، وردّد بصوتٍ مترددٍ وشديد التأتأة: "والدك... آسف، هو غادرنا."
لثوانٍ قليلة، لم يبدُ جيمس أي رد فعلٍ غير ابتسامةٍ متشنجةٍ بلهاء. دام في نفس الوضع لثوانٍ، قبل أن يطأطئ رأسه في ضياعٍ ويتراجع دون أن ينبس ببنت شفة.
كما ترى، رغم أن جيمس لم يقل أي شيء، إلا أن الأمر يبدو واقعيًا إلى حدٍ كبير، وذلك لأنني أسقطت تصرفي على تصرف جيمس، مما جعله أكثر واقعية.
رابعًا: الأسلوب واللغة
لكتابة حوارٍ أفضل، يجب أن تدرك بعض الأساليب، من أهمها اللغة الإيحائية. فالحوار الواقعي لا يجب أن يجري بلغة تقريرية مباشرة كما في النصوص العادية، لأننا في الواقع لا نتحدث هكذا، بل نستخدم لغةً إيحائيةً غير مباشرة. لذا، قلل من التعبيرات المباشرة والصريحة، وبدلاً منها استخدم الإيحاء، كما في الحوار الأول بين الأم والابن. لم أقل بشكلٍ مباشرٍ أن الأب غالبًا لن يعود بأي صيدٍ وسيأكلون النباتات البقولية على العشاء، لكن أشرت إلى ذلك بقول أن الأم كانت تقطع بعض البقوليات أثناء تحدثها إلى الابن، مما أشار بشكلٍ غير مباشرٍ إلى هذه الاحتمالية.
يشار إلى هذا الأسلوب بــ " Don't tell, show "، أي لا تقل الشيء بشكلٍ مباشرٍ واعتادي، بل فقط أظهره وأشر إليه، وادع الباقي لعقل القارئ ومخيلته.
---