كانت السماء فوق مدينة "لين غان" الغربية لا تمطر ماءً، بل تنبض كدراً من الطاقة الروحية التي تجلّت في كضباب كثيف...
جلس منتصبا على وسائده الحريرية، محاولاً استيعاب التناقضات الصارخة التي تحيط به. قبل لحظات فقط، كان يشعر ببرودة الأسفلت ومذاق دمه الممتزج بمياه الصرف القذرة في ذلك الزقاق المظلم، والآن، تداعب رئتيه رائحة "خشب الصندل العطرة". ينظر إلى كفيه؛ كانتا ناعمتين، بيضاويتين، خاليتين من تلك الندوب التي حفرتها عقود من العمل القذر في سلك الشرطة ودهاليز الجريمة.
"لي غويوان ... تمتم بالاسم الجديد وهو يتجرع سيلان الذكريات الذي بدأ يتدفق في عقله كالحُمَم البركانية، لكنه ببساطة جلس هناك، وجهه خالٍ من أي تعبير، كما لو أن الألم ليس ملكه.
لم يكن لي غويوان شخصا جيدا ، كان ببساطة حثالة عاش حياته دون أي هدف ، كانت السلطة في قبضته، لكن عقله ظل أسير النزوات و الخمول، وموارده الهائلة تتبدد على ملذات الرذيلة الزائلة.في نظر الكثيرين، لم يكن سوى آفة، غصن متعفن ينتظرون سقوطه بفارغ الصبر، لا لشيء إلا ليضعوا أيديهم على إرث جده ومكانته المهيبة، الجنرال العظيم 'لي تيان'."
غارق في أفكار فجأة تم قطع صمت الغرفة المهيب من قبل صوت ارتجاف الخادمة "تشينغ يي"، فاستقرّ في قلب "لو تشن" شعور بالضيق البارد، لقد قام للتو بالاستيلاء على حياة جديدة، ولن يسمح لارتعاشة خادمة أن تشوش عليه لحظته هذه...
بالنسبة لها، كان سيدها الشاب ، سكيرا قد أفرط في الشراب ليلة أمس حتى فقد وعيه، لكنها لم تدرك أن الروح التي تسكن هذا الجسد الآن ليست سوى روح ثعلبٍ عجوز، قضى ثلاثين عاماً في نسج خيوط المكر والدهاء، يتلاعب بالقوانين ويخترق الرقابة ببراعة لا يعلى عليها ، شيطان لا يرى في الوجود سوى أدوات لتحقيق غايته الأنانية...
"سيدي الشاب... هل أنت بخير؟" نادت عليه الخادمة بصوت مرتعش يملؤه الخوف.
لم يأتِ رده فوراً، بل ارتسم صمتٌ ثقيلٌ في الأجواء، كأنما يزن كلماته قبل أن يطلقها. بدلًا من ذلك، استدار "لو تشن" ببطء نحو مرآة نحاسية عتيقة، صقلها الزمن لتغدو شاهدةً على تقلبات الوجود. انعكس فيها وجهٌ شابٌ، وسيمٌ لدرجة تافهة ، وجهٌ كان يوماً غافلاً عن صفعات القدر، لكنه الآن يحمل في طياته بعض لمحات من البلوغ كما لو ان مر بتجارب قاسية صقلت ملامحه. أما عيناه، فكانتا قصةً أخرى؛ عيونٌ كانت يوماً غارقةً في بحر شهوات ، خافتة البريق، تائهةً في غياهب الانغماس. لكنها الآن اشتعلت فيها شعلة من الذكاء الحاد، بريقٌ ماكرٌ يشي بخفايا العقل المدبر، وبخبثٍ لا تخطئه العين. لم يعد ذاك البريق الباهت الكئيب ، بل هو لمعانٌ لا يخص إلا رجلاً ذاق الموت وعاد، رجلاً يقتل ببرود، وعاد من العدم ليحيك خيوط الانتقام، ويسوي حساباته العالقة مع هذا الوجود بكل قسوةٍ وخبثٍ لا يلين...
"أحضري لي سجلات الإيرادات وخريطة المقاطعات"، قالها بصوت منخفض، مشحون بهيبة غريبة لم تعهدها الخادمة قط.
"ولكن يا سيدي الكبير.... النبيذ أمرت بإحضاره.."
قاطعها بنظرة واحدة فقط كالشفرة، مما جعل الهواء في الغرفة يبدو ثقيلاً. "قلتُ.. السجل. الآن."
كانت تتعثر، وخطاها تتهاوى في أذيال فشلها الذريع، بينما عاد "لو تشن" ليتفحص جسده المستجد. أحس بوهن غريب يتسلل إلى عضلاته، ووخز مريب ينهش أعماق قلبه. "سمّ،" فكر ببرود. فـ "لي فينغ" ابن عمه...
"يبدو أنه لم يكن يبتغي لي نهاية"عاجلة تثير الريبة، بل اضمحلالاً بطيئاً ينهك الجسد و الروح
ارتسمت على شفتيه ابتسامة ساخرة، باردة كحد السيف، تعكس مرارة ماضٍ قاسٍ. "في حياتي السابقة، لم يكن لي خيار سوى الزحف في الوحل والغرق في بحور الدماء لأشق طريقي نحو رتبة قائد عسكري ضئيل الشأن." تمتم بصوت خفيض، وعيناه تلمعان ببريق لم يكن بشريًا تمامًا."أما الآن، فقد وجدت نفسي الوريث الأوحد لإمبراطورية عسكرية مترامية الأطراف، في عالم لا يقرّ بغير القوة الغاشمة. يبدو أن القدر، أو ربما الشيطان بحد ذاته، قد ألقى بي في الساحة التي طالما راودت أحلامي
في تلك اللحظات ، انفتح الباب الخشبي ببطء وحذر بالغين، وكأنه يخشى إزعاج الصمت الثقيل. دخلت الخادمة "تشينغ يي"، تحمل"بين يديها المرتجفتين رزمة سميكة من اللفائف الفاخرة والوثائق الهامة. وضعتها برفق على الطاولة العتيقة أمام "لي غويوان"، ثم تراجعت خطوتين على عجل، رأسها منحنٍ بشدة، تتجنب النظر في عينيه اللتين اكتساهما لون قرمزي غريب، وباتتا تحملان وهجًا مخيفًا لم تعهدهما من قبل.
لم يمنحها "لي غويوان" أي اهتمام يُذكر.كانت عيناه مثبتتين بالفعل على الرزمة. ببرود وهدوء، سحب منها ملفًا سميكًا، يحمل عنوان "سجل الإمبراطورية المالية". فتح الصفحة الأولى، وبدأت عيناه تتجولان بحدة وتركيز بين الأرقام المتراصة والبيانات المالية المعقدة. لم تكن تلك مجرد أرقام جامدة في نظره، بل كانت كل خانة فيها جسدًا يُبنى عليه نفوذه، وكل سطر يمثل رأسًا قد حان أوان قطافه...
لي غويوان القديم قد مات ." بينما أغلق سجل الإيرادات بضربة حاسمة، ترددت أصداؤها في أرجاء الغرفة الفسيحة كأنها إيقاع قدرٍ لا مفر منه. نظر إلى الخادمة التي توشك على الانهيار من البقع العميقة
"أما أنا... فروحي لا تزال تشتعل، سأصعد إلى عوالم لم تطأها قدم بشر قط، لأتجاوز كل ما حققته في حياتي السابقة، وأنسج مجدًا لم يجرؤ أحد على تخيله. لكن قبل ذلك، يجب أن أُطهّر هذا المعقل الموبوء. كل خائن، وكل همسة تمرد، ليست جريمة في حق الأسرة، بل هي 'تعدٍ على ثرواتي الخاصة'.. و أقسم أن أبتر كل يدٍ تجرؤ على لمس ما هو لي ...