.
.
.
صوت الريح كان غريبًا.
كأنه لا ينتمي لهذا العالم.
كان يهمس في أذني كأنما يحاول أن يخبرني بسرٍّ قديم، ولكنني لم أستطع فهمه. فتحت عينيّ ببطء، محاولًا تجاهل ألمًا خافتًا ينبض في صدغي، كطَرقٍ مستمر بمطرقة صدئة.
الهواء من حولي كان كثيفًا، مليئًا برائحة رمادٍ لا زال يعبق رغم مرور وقت طويل على الحريق.
جلست.
الأرض تحتي كانت ترابية، باردة، ورطبة. رفعت بصري... ورأيت الخراب.
أمام ناظري، امتدت قرية بدت وكأنها التُهِمَت بنيران الجحيم ذاته.
منازل خشبية محطمة، جدران متفحمة، أعمدة متداعية. كل شيء يصرخ بالموت والفناء. لكن الأسوأ من كل ذلك... كان الصمت.
صمتٌ خانق، ثقيل، كما لو أن هذا المكان نُزع منه الزمن ذاته.
وضعت يدي على رأسي، أحاول استجماع أي فكرة… أي ذكرى… ولكن…
لا شيء.
كنت… فارغًا.
"من أنا؟"
صوتي خرج مبحوحًا، كأن حبالي الصوتية لم تُستخدم منذ دهر.
بحثت داخلي عن إجابة… عن اسم… وجه… ماضٍ ما. لكن لم يكن هناك سوى… ظلال.
ظلال ضبابية، ممزقة، تخنقني دون أن تَفصح عن شيء.
نهضت بصعوبة. كانت ركبتيّ ترتجفان وكأن جسدي لا يزال يتذكر ألمًا لا أعرف مصدره.
عقلي مرتبك.
قلبي ينبض بسرعة غير مفهومة.
والأهم…
لم أكن أنا.
نظرت إلى يديّ.
طويلتان، نحيلتان، مغطاتان بشيء من السواد، ليس ترابًا، بل كأن رمادًا التصق بجلدي.
حين لمسته، لم ينفك. كأنه جزء مني.
"هذا… ليس جسدي."
همست لنفسي، صوتي يرتجف.
تسللت رعشة باردة إلى عمودي الفقري. كانت حقيقية، محسوسة، لكنها لم تكن بسبب البرد. بل بسبب شيء أعمق… خوف خام، بدائي، لا يمكن شرحه.
خطوت إلى الأمام، أعرج قليلًا.
كان هناك بئر صغيرة أو بركة ماء راكدة في وسط الساحة المحترقة.
اقتربت منها، لا أدري لِمَ، فقط… شيء ما جذبني نحوها.
حين نظرت إلى سطح الماء…
تجمدت.
نظرت… ولم أعرف من يكون هذا.
المنعكس الذي رأيته لم يكن أنا.
عينيّ…
كانتا ضيقتين، قاتمتين، بؤبؤاهما سودوان كثقبين في الفراغ.
وجهي… زاويّ، حاد، كأنما نُحت بسكين.
شعري…
كان طويلًا، أسود قاتم، لكن فيه لمعة كالجمر تحت الرماد، وكأن النار تحترق داخله.
"هذا مستحيل… هذا ليس أنا…"
لكن شيئًا بداخلي… ارتجف. لا من الذهول فقط… بل من إدراك غامض.
لقد رأيت هذا الوجه من قبل.
في مكان… ليس حقيقيًا.
ليس عالمًا كالذي ولدت فيه.
بل عالمًا… صنعتُه.
عقلي بدأ في إطلاق شرارات.
ذكرى… ثم أخرى… ثم لا شيء مجددًا.
كأن ذاكرة مشروخة تحاول الصراخ، لكنها محبوسة خلف جدار من الزجاج السميك.
"لعبة…"
همست دون وعي.
"هل أنا اتوهم أم في حلم غريب.."
كانت هناك لعبة.
كنت أعمل عليها… نعم. أعمل عليها!
لكن ما الذي…
كيف…؟
يديّ ارتجفتا.
"الشخصية…"
كان هناك شخصية… ذات شكل مشابه لهذا. نفس العينين… نفس الملامح… نفس الشعر.
لكن…
لا… لقد حذفتها. نعم. أتذكر أنني حذفت ملفاتها. لم تكن مكتملة. كانت… خطيرة.
"لعنة الرماد…"
خرج الاسم من بين شفتيّ كأنني أستدعي شبحًا من الماضي.
نظرت إلى جسدي مجددًا. البقع السوداء على جلدي، البرودة في أطرافي، ذلك الثقل في روحي…
الآن عرفت السبب.
أنا… في جسد تلك الشخصية.
الشخصية التي مسحتها من النظام. التي لم يكن يجب أن توجد. التي صممتُها لتكون وعاءً للعنة الرماد.
ضحكة عصبية خرجت من حنجرتي.
"لا… هذا لا يمكن… لا يمكن!"
لكن المكان من حولي، الهواء، الرماد، الصمت الثقيل… كل شيء يؤكد الحقيقة.
أنا… داخل اللعبة.
ولست أي شخصية.
بل منبوذها.
جلست على حافة البركة، محاولًا أن أتنفس ببطء، أن أجد رابطًا يجعل هذا الجنون منطقيًا. لكن كل نفس كنت آخذه، كان يشعل داخلي شيئًا.
شيئًا... مكسورًا. محترقًا. ميتًا، ولكنه لا يزال يتنفس.
سمعت صوت خطوات خفيفة على بعد مسافة، فرفعت بصري بسرعة.
لا أحد.
لكن الشعور… لم يكن وهمًا. هناك شيء يتحرك.
أو… يراقبني.
هل هذه بقايا نظام اللعبة؟
هل أنا حقًا داخل العالم الذي صنعته؟ أم في مكان آخر يتغذى على ذاكرتي المفقودة؟
نظرت حولي مجددًا.
قرية محترقة… لا علامات على الحياة. لا حيوانات، لا طيور، لا جثث حتى. فقط هياكل متفحمة وموت بطيء.
نهضت مجددًا، مستندًا إلى عمود حجري مائل.
"لا بد أن أخرج من هنا… لا بد أن أجد إجابات."
لكن داخلي… كان هناك جزء مني لا يريد الرحيل.
كأنما هذا المكان… مألوف.
أغمضت عينيّ، فاندفعت صور.
أطياف رمادية… شبح فتاة تصرخ… شجرة محترقة… يد مغطاة بالدماء تمتد نحوي… ثم…
عينان. عينان تشبهان عيني، لكنهما أقدم… أعمق… مليئتان بالكراهية.
تراجعت خطوة إلى الوراء، ألهث.
"ما هذه الصور…؟ هل هي ذكريات هذه الشخصية؟ أم أنا…؟"
صراع داخلي بدأ ينمو.
من أنا؟
من أكون؟
هل أنا ذلك الفتى الذي برمج اللعبة؟ أم هذا الكيان الذي يسكن جسده الآن؟
هل فقدت نفسي؟
أم أنني وجدت نفسي الحقيقية؟
"لعنة الرماد…"
رددت الكلمات مجددًا.
أتذكر الآن. كانت قدرة في اللعبة… لعنة غير متزنة. تمنح حاملها قوة هائلة مقابل موت بطيء.
الرماد يتغذى على الحياة. كلما استخدمتها… يحترق جزء منك، لا جسديًا فقط، بل روحيًا أيضًا.
وكان من المستحيل التخلص منها. حتى في تصميمي، لم أضع وسيلة حقيقية للتحرر منها.
"أنا ميت…"
تمتمت، بمرارة، لكنها لم تكن استسلامًا. بل إدراكًا.
إن كنت حقًا هنا، وإن كنت منفيًا داخل هذا الجسد، داخل هذه اللعنة…
فلابد أن هناك سببًا.
شعرت بشيء في جيبي الداخلي.
أدخلت يدي ببطء، فوجدت قلادة صغيرة.
سوداء تمامًا، معدنية، تتوهج بشيء أحمر خافت.
نقش على ظهرها رمز… ثلاث خطوط متشابكة، تتقاطع في منتصف دائرة.
تجمدت مجددًا.
"هذا… لم أبرمج هذا الرمز…"
بل شعرت بشيء داخلي يتحرك حين رأيته. شيء يتذكر… أكثر مما أعلم.
وقفت بصمت، أحدق في القرية من جديد. الآن بدت أقل رعبًا… وأكثر غموضًا.
كأنها بداية شيء ما.
وربما… نهاية.
همست لنفسي، بصوت منخفض، يشبه القسم:
"سأكتشف كل شيء… من أنا… من أنتم… ولماذا عدت."
ثم أدرت ظهري للبئر، للمرآة التي أظهرتني كما أنا، وسرت نحو الأطلال.
خلفي… كان الرماد يتناثر.
وأمامي… طريقٌ من نارٍ لم تشتعل بعد.