الألم…
بدأ كدغدغة خافتة، ثم نما ببطء، كجذور من شوكٍ تلتفّ حول أحشائي، تمزقها بلا رحمة.
شعرت به في كل جزء من جسدي، وكأنما كل عظمة وكل عرق يصرخ من شدة المعاناة.
لم يكن ألمًا جسديًا واضحًا. بل كان أعمق… أعمق من اللحم والعظم. كأنه شيء داخل روحي يتمزق، شيء لا أستطيع التخلص منه مهما حاولت.
توقفت عن المشي فجأة، ووضعت يدي على معدتي، لكن الأصابع لم تجد جرحًا.
لم يكن هناك شيء مادي يمكن أن أركز عليه. كانت المعاناة تأتي من داخل جسدي، كأنها روح لعنات قديمة تتغلغل في أعماق كياني.
مجرد التفكير في ما يجري داخلي كان كافيًا ليجعلني أشعر بالدوار.
"أه…"
خرجت تأوّهاتي هامسةً، كأن الهواء نفسه لا يجرؤ على حملها.
ترددت في فمي قبل أن تخرج، وكأنها ستسقط في الفراغ وتضيع.
ركعت على ركبتيّ. الأرض تحت ركبتيّ كانت باردة، لكن ذلك لم يخفف من الحرقة التي بدأت تنتشر من صدري إلى أطرافي. تنفسي أصبح أثقل، كأن هواء العالم لا يكفي لسحب ما يملأ صدري.
كانت الأنفاس متقطعة، متسارعة، كما لو أنني كنت على وشك الاختناق.
'لماذا…؟'
ما الذي يحدث لي؟ هذا الألم… ليس إنهاء جسديًا فقط. إنه أشبه بشيء يحاول التهامي من الداخل، كأن شيئًا غير مرئي يفتك بي قطعة قطعة.
رأسي بدأ يطنّ، كالطبول تُقرع في أعماقي. صوت تلك الطبول الرهيب يعمّ رأسى، ثم… جاءت الصور.
ببطء، خلسة، وكأن ذاكرة لا تخصّني تتسلل إلى رأسي، تزحف داخل عقلي وتدفعني إلى فقدان التوازن.
رأيت نفسي واقفًا فوق تلال من الرماد. جثث… لا، ليست مجرد جثث. كانت متفحمة، متكوّمة فوق بعضها البعض كجبل من الموت. العظام سوداء، مشوّهة، واللحم مفقود، كأنما نُزِع عنها ببطء، شيء بشع لا يمكن تصوره.
ووسط ذلك… كنت أنا.
واقفًا وحدي، تتطاير حولي شظايا رماد كثلوج شتاء ملوثة، وكأن العالم قد توقف لحظة ليدفن في صمتٍ مظلم.
ولكن الغريب… كانت النار التي تشتعل في هذا المشهد… سوداء. نعم، سوداء.
ليست زرقاء ولا حمراء، ولا حتى بيضاء كما في أقوى لهب سحري. بل نارٌ داكنة، كأنها تجسيد للفراغ نفسه. نار ترتعش، تتحرك ككائن حيّ، لا تنير بل تُطفئ.
في عينيّ… رأيت لمعانًا من الجنون. لم تكن تلك نظرة رجلٍ قاتل… بل شيء فقد كل علاقة بالإنسانية، شيء ينهشه الظلام.
شهقت. شعرت بحلقي يغلق، ومعدتي تقلبت، ثم دون إرادة… انحنيت جانبًا وتقيأت.
مرارة، حموضة، ارتجاف كامل لجسدي. التراب امتصّ ما خرج مني، لكن مذاق العفن بقي في فمي، كأنني تذوقت طعم الموت بنفسه.
"ما… هذا؟"
تنفست بصعوبة، يدي تمسح فمي المرتعش. كان كل شيء يدور حولي كحلقة لا نهاية لها من الرعب والظلام.
"هل هذا… رؤية؟ هل هو… مجرد حلم أعيش فيه؟ أم هل أنا حقًا في مكان لا أستطيع أن أعيه؟"
'ذكرى؟'
'أو نبوءة؟'
'هل أنا حقًا من فعل ذلك؟'
'أم أن ما رأيته هو ما سأصبح عليه؟'
نهضت بصعوبة، وكأن وزنًا غير مرئيّ يسحبني للأسفل. في كل خطوة كنت أخطوها، كان الألم يزداد، وكأن جسدي ينهار في محاولات متكررة للانتصار على نفسه.
تلك النار… السوداء… تلك كانت قوتي. أنا أعرفها. أشعر بها.
تلك النار… ليست عادية. ليست مجرد لهب يدمّر. بل شيء يلتهم كل ما هو حيّ. شيء يبتلع الروح، يحرق العقل، ويدمر كل شيء حي في طريقه.
لعنة الرماد… اسمها عاد إلى ذهني، كندبة لا تندمل، جرح قديم لا يشفى. نعم… هذا الألم… هذه الرؤى… كلها مرتبطة بها.
مددت يدي ببطء إلى القلادة السوداء التي كنت قد وجدتها في جيبي. كانت لا تزال دافئة… تنبض كما لو أنها قلب آخر ينبض داخل جيبي.
أخرجتها، نظرت إليها طويلاً، ثم ضغطت على طرفها. لم يكن هناك زر، لكنها استجابت. كما لو أنها شعرت بما يجول في داخلي، أو ربما هي فقط تعرف ما سيحدث في النهاية.
انفتحت بنقرة خافتة، كزهرة من الظلال تتفتح، وكأنما كانت تفتح بوابة إلى عالم آخر، مليء بالأسرار الغامضة.
وفجأة… شيء غير مرئي، كوميض من ضوء أسود، اندفع منها وتلاشى في الهواء.
ثم، أمام عينيّ، تجلى شيء أشبه بهولوغرام، لكنه كان مصنوعًا من رمادٍ يتوهج. كلمات… أرقام… أشكال سحرية… ظهرت ببطء في الهواء، وكأنها تتلاعب بعقلي.
———
[مزامنة الروح مع الوعاء: مكتملة]
[تحميل المعرف الرئيسي...]
[تم التعرف: أرين فالكار]
———
تجمدت في مكاني. شعرت بصدمة تعصف بكل ما تبقى في داخلي.
أرين… فالكار؟ ذلك هو… اسمي؟
أم اسم هذه الشخصية؟ هل هذا هو ما أصبح عليه مصيري؟
لم أستطع التفرقة بعد، ولم أكن أدري إن كنت أستطيع الفهم بعد كل ما مررت به. كل شيء أصبح غير واضح، كأنما كل جزء من حياتي يتمزق ليحل محله شيء جديد، شيء غير مفهوم.
ثم ظهر مستطيل ضوئي رمادي، بدا كنافذة نظامية… لكن مختلفة. لم تكن النوافذ المعتادة من اللعبة. هذه… كانت حية. تنبض كأنها مخلوق حيّ يحاول أن يملأ فراغ هذا العالم المظلم.
———
[المضيف: أرين فالكار]
السلالة: مجهولة / غير مسجلة
الوضع: مستيقظ – غير مستقر
اللعنة: [لعنة الرماد]
التأثيرات: ألم داخلي – اندماج تدريجي.
القوة الرئيسية: اللهب الأسود
مستوى التهام الذات: 3%
———
قرأت السطر الأخير ببطء، وحاولت فهم معناه في صمت.
"مستوى التهام الذات: 3%"
شعرت بشيء بارد يزحف على عمودي الفقري. يعني… أنني أُؤكل من الداخل؟ أن هذه اللعنة… تستهلكني؟
وإن كان هذا فقط 3%…
فماذا سيحدث عند 10؟ أو 50؟ أو 100؟
هل… أتحوّل إلى ما رأيته في رؤيتي؟ الجثث المحترقة… النار السوداء التي تلتهم كل شيء…
أغمضت عيني، شعور بالرعب يغمرني. لكن… لا، لا أستطيع الاستسلام. يجب عليّ أن أجد مخرجًا.
بدأت أحلل، رغم الألم، رغم الخوف، رغم كل شيء.
"لعنة… تستهلكني… تدريجيًا."
"لكنها تمنحني قوة… اللهب الأسود…"
نظرت إلى يدي. شعرت بشيء يتقلّب في أطرافي، كأن نارًا صغيرة تحترق في عروقي. لم تكن مؤذية… بعد. لكنني أحسست بوجودها.
"هذا الارتباط بين اللعنة والقوة… لا بد له من مفتاح."
رفعت رأسي، نظرت إلى السماء… كانت رمادية بالكامل. لا شمس… لا قمر… كأن هذا العالم مُعلّق بين الحياة والموت.
"أنا في جسد لم يكن من المفترض أن يوجد. محكوم بلعنة لم أخلق لها علاجًا…"
صمتُّ لحظة. شعرت بشيء ثقيل في صدري.
ثم ضحكت… بسخرية.
"جميل."
كان هذا جنونًا. نعم. لكن في داخلي… جزء صغير بدأ ينبض بشيء غريب.
تحدٍ.
إن لم يكن هناك علاج… فسأخلقه.
إن كنت مُحكومًا بهذه النار… فسأجعلها ملكي.
"لو كانت لدي فرصة، حتى وإن كانت صغيرة، سأغتنمها."
جلست مجددًا، محاولًا أن أستقرّ، أتنفس، أفكر. لكن رياحًا غريبة بدأت تهبّ من الشرق.
باردة… تنذر بشيء قادم.
رفعت بصري، رأيت أعمدة دخان ترتفع في الأفق، بعيدة… لكنها تقترب.
"هل هناك… أحياء؟"
أم أعداء؟
أم… مجرد ظلال؟
نهضت، أمسكت القلادة، وأعدتها إلى عنقي. النافذة الرمادية اختفت… لكنني علمت أنها لن تغادرني حقًا. اللعنة لم تعد فكرة… بل واقع.
أنا الآن لست مجرد فتى ضائع.
أنا أرين فالكار.
الملعون بالرماد.
والوحيد الذي يقف بين الاحتراق… والنجاة.
أدرت ظهري لبئر الذكريات، وسلكت طريق الدخان.
ربما هناك إجابات…
وربما… بداية النهاية.