كنت أسير بصعوبة، جسدي بالكاد يطيعني، قدماي تتقدمان ببطء وكأن الأرض نفسها تتشبث بي، تمنعني من الهرب، لا إلى الأمام ولا إلى الخلف، وكأن هذا العالم يريدني أن أبقى هنا، أن أتجرع كل لحظة من عذابي وأنا أتنفس رماده.

كلما رفعت قدمي عن الأرض، شعرت بشيء في داخلي ينتزعني، كأن هناك يدًا خفية تنبش أحشائي من الداخل، لا تمزقها بل تُلهبها ببطء، كأنها تنتظر اللحظة التي أنهار فيها تمامًا، لكنها لا تمنحني الموت… بل تبقيني حيًّا بما يكفي لأشعر بكل وخزة، كل ارتجافة، كل تنهيدة تتحول إلى سكين.

ألمٌ لم أعد أستطيع تصنيفه، لم يعد مجرد ألم جسدي أو حتى عقلي، بل شيء أعمق من ذلك، شيء لا يمكن وصفه بالكلمات، وكأن جذور اللعنة التي تنمو بداخلي، تمتد الآن إلى كل جزء من كياني، تلتف حول أفكاري، وتضغط على ذاكرتي لتتفجر بين الحين والآخر بلا تحذير.

وضعت يدي على صدري، موضع الألم الأكثر شراسة، الموضع الذي ينبض فيه شيء غريب، لا يشبه القلب، ولا ينبض كنبض الحياة، بل كأن هناك شيئًا آخر… قلبًا مقلوبًا… كتلة سوداء نابضة تصرخ في صمت، تصرخ بوجع العالم بأكمله محشورًا داخل ضلوعي.

نظرت حولي.

الغابة التي بدت محترقة بالكامل، لم تكن صامتة كما توقعت، بل كانت تهمس، لا بكلمات، ولكن بأصوات لاهثة، متقطعة، كأنها صدى لأنين لم يُسْمَع بعد، الأشجار السوداء كانت واقفة كأنها أشباح متجمدة في لحظة احتضار، أوراقها المتفحمة تتساقط مثل رماد الأرواح.

ومع كل خطوة، كان الهواء يزداد ثقلًا، كثافة، كأنني أتنفس في وسط كابوس.

توقفت للحظة.

هناك شيء أمامي… شيء في الأرض… آثار.

انحنيت ببطء، الرؤية لم تكن واضحة بسبب الضباب الرمادي الذي يغمر كل شيء، لكنه كان هناك… أثر حرق غريب، شكل قدمي مخلوق… لا يمكن أن يكون بشريًّا.

كانت الأقدام طويلة، مشوهة، كأنها تشبه أقدام الطير، لكنها أعمق وأثقل، وكأن الكائن الذي خلّفها لا يمشي، بل يزحف بثقله على هذا العالم.

اتبعت الأثر، مترددًا، كأن هناك جزءًا مني يعرف أن ما سأتجه نحوه ليس شيئًا يجب أن أراه، ومع ذلك، لم أستطع أن أتوقف.

ثم رأيته.

من خلف الضباب المتكاثف، كان هناك ظلٌ طويلٌ مائلٌ للسواد، يتحرك ببطء، يتمايل يمينًا ويسارًا كأنه ليس جزءًا من هذا العالم.

عيناي اتسعتا.

تجمدت.

كان طوله يفوق المترين، جسده أشبه بشخص مكسوّ بعباءة سوداء، لكنها لم تكن قماشًا، بل ظلالًا حية، تتماوج على سطح جلده كما لو أن جسده ليس مادةً صلبة، بل دخان مظلم مُجمّد.

ذراعاه كانتا أطول من المعتاد، تتدليان حتى الأرض، وأصابعه كانت كالأنياب… طويلة، ملتوية، كأنها وُجدت لتنهش، لا لتلمس.

وجهه… لا، لم يكن له وجه حقًا، لكن ما كان يحلّ محلّ ملامحه، كان أكثر رعبًا.

شريطٌ من السواد، أشبه بعصب ملتف حول رأسه، يغطي عينيه… أو على الأقل، ما ظننت أنه مكان العينين.

رأيت الوحش.

وعرفت اسمه.

لا أعلم كيف، ولا لماذا، لكن الكلمة انفجرت في رأسي كصدى من زمن بعيد:

"مخلوق اللامكان."

كأن صوتًا داخليًّا تمتم بها، لا صوتي، بل صوت آخر، أعمق، أقدم، وكأنه كان جزءًا من هذا العالم حتى قبل أن أخلقه.

ارتجفت. كلمّا اقتربت منه، كلما تصاعدت الحرارة في صدري، وكأن النيران السوداء بدأت تزمجر في داخلي، لا فقط غضبًا، بل كأنها استيقظت من نومها حين رأت شيئًا من ذاتها في ذلك الكائن.

ثم بدأت الذكريات تتدفق.

دفعة واحدة.

كأن سدًا انكسر في رأسي.

كنت أرى ملفات اللعبة… الكود… الرسوم الأولية…

ذكريات من شاشة زرقاء باهتة، حيث كنت أكتب اسم الكائنات التجريبية، "كائنات اللامكان"، لكنني… لم أضعها في النسخة النهائية، لم أبرمجها كاملة، بل مسحت كل أثر لها.

أو هكذا ظننت.

لكن أمامي… كان أحدها يتحرك.

حيًّا.

حقيقيًّا.

ومن داخلي… بدأت النار تصرخ.

صرخة حادة، كأن جسدي يشتعل من الداخل، يد تُقلّب أحشائي، وعقلي يهتز كأنه على وشك الانفجار. كلما تظهر الدكريات يبدأ الالم كأنه يمنعها من التدفق.

"آاااه…!"

شهقت… سقطت على ركبتيّ.

يدي ضغطت على صدري بلا وعي، أظافري حفرت جلدي من شدة الألم، وحرارة مهولة تصاعدت من أعماقي.

صوت داخل جمجمتي… صور… مشاهد…

عالم يحترق… جثث متفحمة… سماء رمادية تمطر رمادًا… ونيران سوداء تتلوى كأنها كائنات واعية.

كنت أقف هناك… فوق الجثث.

أنا… أو شيء يشبهني.

كنت أضحك.

لكني لم أكن سعيدًا.

كانت تلك الضحكة… ميتة.

وفجأة… كل شيء توقف.

في لحظة واحدة، سُحبت إلى الحاضر.

"هده الرؤية اللعينة مجددا.."

شهقت مرة أخرى، لكن هذه المرة كان الصوت أعلى، ارتد صداه بين الأشجار.

الصدى لم يكن عاديًا.

لقد وصل إليه.

ذلك الكائن…

ذلك المخلوق الذي لم يكن ينبغي أن يوجد.

كان قد توقف، ظهره لي.

لكن عند سماعه لصوتي…

التفت.

ليس بسرعة… بل ببطء قاتل.

حركة رأسه كأنها لم تكن بشرية، بل أشبه بآلة قديمة تصدأ وهي تدور.

كان ينظر إلي.

أو على الأقل… شعرت بذلك.

رغم أن عينيه مغطاتان، كنت أرى نظراته تنفذ إلى داخلي، لا فقط إلى جلدي أو عظمي، بل إلى ذاك الجزء الذي أحاول نسيانه… نواة اللعنة.

برد عظيم اجتاحني.

رعشة عميقة شلت أطرافي.

للحظة… نسيت كيف أتنفس.

ثم…

خطا خطوة نحوي.

كانت الأرض تحت قدمه تتشقق عند كل حركة، كأن العالم بأسره ينهار تحت وطأة وجوده. لا أستطيع أن أقول إنني شعرت بالخوف في تلك اللحظة.

كان الشعور أعمق من الخوف، كان مزيجًا من الرعب والدهشة، وكأنني كنت أمام كائن لا ينتمي إلى هذا العالم.

شعرت بتلك النيران السوداء في داخلي تتحرك بقوة أكبر، كأنها تريد أن تخرج، أن تلتهم كل شيء في محيطها، حتى هذا المخلوق.

كانت مشاعر متضاربة تتداخل في داخلي، رغبة في الفرار من هذا المكان، وفي الوقت ذاته، شعور غريب بأنني لا أستطيع الهروب.

خطوة أخرى.

كان المخلوق يقترب أكثر فأكثر.

لكني لم أستطع تحريك أطرافي. شعرت أنني مكبل، كأنني لا أملك القوة على الهروب أو حتى المواجهة.

اللعنة تشتعل داخلي.

كانت ذراعيه تقتربان مني ببطء، كأنهما كانتا تتلمسان الهواء، مستعدتين للانقضاض عليّ في أي لحظة.

لكنني لم أستطع الهروب.

في تلك اللحظة، جمدت في مكاني، فقط أراقب باهتًا وهو يقترب، وأدركت فجأة… أنه لا يوجد مكان للاختباء.

2025/05/12 · 18 مشاهدة · 915 كلمة
mhm OT
نادي الروايات - 2026