كان الهواء من حولي كثيفًا، خانقًا، كأنني أتنفس من خلال طبقة من الدخان الرمادي الذي لا يرحم.

كل شهيق كان يشق طريقه إلى رئتيّ كسكين بارد، يجرحني من الداخل، وكأن أضلاعي تنكسر تحت ثقل هذا العالم البائس.

لم يكن مجرد ضيق في التنفس، بل شعورًا بأن كل ذرة من كياني تصرخ طلبًا للنجاة، كما لو أن الكون نفسه يحاول سحق وجودي.

—نبض.

لم يكن نبضي طبيعيًا. كان قلبي يخبط كطائر محبوس في قفص حديدي، يضرب بجناحيه اليائسين الجدران، يبحث عن مخرج. 'طَقْ.. طَقْ.. طَقْ..' كل دقة كانت كصوت مطرقة تقرع على باب. كنت أسمعه في أذنيّ، في عظامي، في دمي. كان ينبض بسرعة مجنونة، ثم فجأة يتباطأ، وكأنه يتردد... يخاف.

وتحت جلدي، شعرت بشعري يقف في كل أنحاء جسدي. ذلك الشعور البدائي الذي يسبق الكارثة، حينما يعرف جسدك أن الموت يقترب قبل أن يدرك عقلك الخطر. كان كل شيء حولي يصرخ: "اهرب!" لكنني كنت مُجمدًا في مكاني، كدمية معلقة بخيط رفيع فوق هاوية سحيقة.

"لا يتحرك... إنه لا يتحرك..."

همست في داخلي، محاولًا خداع نفسي.

لكنه كان هناك.

ذلك الكائن.

لم يكن ظلًا عاديًا، بل كتلة من العتمة المتحركة، تتلوى وكأنها مكونة من دخان أسود كثيف. كان يتحرك ببطء مؤلم، كل خطوة تصدر صوتًا غريبًا، كأظافر تُجر على زجاج مكسور. الأرض تحت قدميه كانت تتآكل، كأن وجوده يذيب الواقع نفسه.

كلما اقترب، زادت البرودة من حولي. لم تكن برودة الجليد، بل موتًا بطيئًا، كأن الحياة تُسحب من الهواء. تنفسي أصبح مرئيًا في الجو، لكنه لم يكن بخارًا أبيض، بل دخانًا رماديًا كئيبًا.

—خشخشة.

تلك الأصوات... لم تكن بشرية. كانت كهمسات ميتة تخرج من تحت الأرض، كأن أرواحًا ضائعة تحاول التحذير. رفعت الكائن رأسه فجأة، رغم أنه لم يكن له عينان، لكنني شعرت بأنه يراني.

كانت نظرة ثقيلة، كسكين يخترق جسدي ويصل إلى روحي.

ثم...

انطلق.

لم يكن ركضًا، بل زحفًا سريعًا كالعنكبوت، حركات غير طبيعية، مكسورة، كأن عظامه تتحرك في اتجاهات مستحيلة. في أقل من ثانية، كان أمامي.

فمه.

أو ما يُفترض أن يكون فمًا. لم يكن سوى فجوة سوداء، دوامة من الظلام تدور بلا توقف، كثقب أسود صغير يبتلع كل ضوء حوله. نظرت إليها... وشعرت بأن شيئًا بداخلي ينسحب نحوها، كأن روحي تُسحب ببطء.

أردت الصراخ، لكن صوتي مات في حلقي.

أردت الهرب، لكن ساقيّ كانتا كالحجر.

كان جسدي يخونني.

"لا... ليس الآن..."

زحفت إلى الخلف، يداي ترتجفان، أصابعي تتشبث بالتربة كما لو أنها قد تنقذني. لكن الكائن اقترب أكثر، حتى أصبحت أستطيع شم رائحته... رائحة العفن واللحم المحترق.

ثم...

خرج من يدي شيء غريب.

لم أستطع رؤيته بوضوح، لكنني شعرت به. كان كظلٍّ حي، كتلة من العتمة تخرج من جلدي وتتشكل في الهواء. لم يكن دخانًا، بل شيئًا حيًا، وكأنه جزء مني قرر أن يتحرر.

الكائن توقف فجأة.

—تأوه.

أصدر صوتًا مكتومًا، كأنه يتألم. ثم، في لمح البصر، اختفى. لم يتبق منه سوى رائحة كبريت محترق تملأ الجو.

الصمت عاد.

لكن لم يكن صمتًا مريحًا، بل صمتًا ثقيلًا، كأن العالم يحبس أنفاسه منتظرًا ما سيحدث بعد.

ثم...

ظهرت الشاشة مجددا.

مستوى التهام الدات: 5%

"هااا!؟"

قبل أن أفهم أي شيء، انهال عليّ الألم.

لم يكن ألمًا عاديًا، بل شيئًا شريرًا، كأن سائلًا أسود يحترق في عروقي. كل عضلة في جسدي تشنجت، كل عظم اشتعل كالجمر.

"اغغغغ!"

"هادا الالم اللعين مجددا.."

كان الالم اكثر من السابق. سقطت على الأرض، أصرخ بصوت مبحوح، أصابعي تنقبض على التراب كما لو أني أحاول الهروب من جسدي نفسه.

لم أكن أعرف إذا كانت صرختي قد خرجت حقًا، أم أنها احترقت بداخلي.

ثم... سمعتها.

'خطوات.'

ليست خطوة واحدة، بل عشرات. كانت قادمة نحوي بسرعة، مصحوبة بهمسات متداخلة، أصوات سيوف تُسحب من أغمادها، صرخات بعيدة غير واضحة.

"من هنا!"

"لقد سمعتها من هذه الجهة!"

أردت النهوض، لكن جسدي كان مكسورًا. أردت الصراخ طلبًا للمساعدة، لكن لساني كان ثقيلًا كالرصاص

ثم...

انطفأ كل شيء.

لم أعد أرى، لم أعد أسمع، لم أعد أشعر.

كان الظلام كليًا.

كأنني سقطت في بئر لا قاع لها، أو كأن روحي انفصلت عن جسدي وتركتني أسبح في فراغ لا نهاية له.

2025/05/12 · 18 مشاهدة · 630 كلمة
mhm OT
نادي الروايات - 2026